الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 مؤخرا حفرت وجرفت جرافتان كبيرتان بنشاط، كعادتهما في الاشهر الاخيرة، في ارض وادي شمالي رام الله. في العامين المنصرمين، ومع الاغلاق التدريجي لكل الطرق المركزية في الضفة الغربية في وجه حركة السير الفلسطينية، تحول هذا الوادي الى مفترق مركزي مهم، يجتازه سيرا على الأقدام يوميا مئات بل وآلاف الاشخاص في طريقهم الى رام الله من القرى المجاورة ومن مخيم الجلزون للاجئين، جيئة وذهابا. سيارات عمومية تنزلهم في جهة فيسيرون بين أكوام التراب والصخور ويتسلقون الى الطرف الآخر، حيث تنتظرهم سيارات عمومية اخرى. وكل هذا، بالطبع، عندما لا يكون الجنود الاسرائيليون يرابطون في الموقع ويمنعون بمجرد وجودهم واسلحتهم وقنابلهم الغازية والصوتية مرور الناس. مؤخرا، منعت سيارة جيب شرطية وحاملة جنود اسرائيليتان مرور اشخاص كان عددهم طفيفا على أي حال، بسبب حظر التجول المفروض على رام الله (قبل استئناف الحصار على «المقاطعة» وتدميرها). وسيارة اسعاف كانت تسافر على الطريق الذي يمر بالوادي وحظر على الفلسطينيين السير فيه أجبرت على التوقف بأمر من سيارة الجيب الشرطية. وقد خرجت منها امرأة كبيرة في السن تدعمها امرأة شابة وأخذت تتسلق صخور التلة الشمالية، وتجلس على الصخور بين الحين والآخر. والى التلة الجنوبية للوادي وصلت سيارة، نزلت منها امرأة ورجل في الثلاثين من العمر: كلاهما طبيبان استدعيا على عجل للوصول الى قرية سنجل (على بعد نحو عشرة كيلومترات شمالي رام الله). في الليل لم يكن أمامهما أي امكانية للخروج، وكان بانتظارهما طريق طويل ومضن الى الموقع، يبدأ بتجاوز سيارة الجيب الشرطية والتملص من ناظري الشرطة وبنادقهم. وكل الوقت كانت الجرافتان تعملان، ففي الموقع يجري بناء جدار يمنع العبور في الوادي، وهكذا وبالتدريج سينتهي العمل على عزل جيب رام الله، التي أقيم الجدار جنوبيها. ومؤخرا ايضا أدت تحذيرات استخبارية الى اغلاق كل المعابر الى الأحياء الفلسطينية شمالي القدس وفرض حظر التجول على قرية بير نبالا. وفي روضة الاطفال الكبرى في القرية، حيث يوجد 250 طفلا بين الثالثة والخامسة من العمر، قرر المسئولون المسارعة في تسفيرهم الى حاجز الرام - بيت حنينا، الى منازلهم وآبائهم القلقين في شرقي القدس. فلا يمكن لنا ان نعرف كم من الوقت سيستمر حظر التجول ومن الصعب الابقاء على هذا العدد الكبير من الاطفال في شروط آنية. وقد أملت المشرفات في الروضة في اقناع شرطة حرس الحدود على الحاجز بالسماح للاطفال بالعبور، ولكنهم - من مسافة عدة أمتار فقط، حسب احدى المشرفات - بدأوا يرشونهم بالغاز المسيل للدموع ويرمون عليهم بقنابل الصوت. وعدد من أفراد الشرطة كانوا يحتفظون في مسافة قريبة جدا من الاطفال، بكلاب كبيرة أضافت الفزع الهائل (رد الناطق العسكري الاسرائيلي لم يصل الى احد). لم تعد هاتان الصورتان العاديتان جديدتين، وان كانتا كذلك في وقت من الاوقات. ليس فقط بسبب العمليتين في تل ابيب وفي الخليل، وليس فقط بسبب الحصار على المقاطعة، وليس بسبب القتلى التسعة في هجوم الجيش على غزة مؤخرا. فهما ليستا جديدتين في اسرائيل اذ انهما أحداث يومية. ففي التصنيف العفوي الذي يجري في المجتمع الاسرائيلي، وبالتالي في وسائل الاعلام ايضا، فان هذه هي قصة «مضنية» اخرى للمعاناة الفلسطينية، التي يتحمل الفلسطينيون على أي حال الذنب فيها. كل معاناة اعتيادية وجماعية، وليس فلسطينية فقط، ليست نبأ. ونهاية كل نهاية، فان جدول الاعمال العام يقرره السياسيون والنخب اجمالا. وبشكل عام فان «المعاناة» يجب ان تكون صارخة، ان لم تكن عنيفة، كي تغدو نبأ وكي لا تتعاون وسائل الاعلام مع السلطات على اسكاتها. ولكن الخطأ المهني هنا هو ان الحديث لا يدور عن أنباء، عن معاناة، هدفها اثارة الرأفة بأحد. فعندما يدور الحديث عن معاناة فلسطينية، أو اثيوبية، أو معاناة اطفال تحت خط الفقر فان هذا حديث عن سياسة حكومية، تتخفى عن الاهتمام العام وان كان لها تأثير بعيد الأثر عليه. الغاز المسيل للدموع والذي يرش به أفراد الشرطة اطفال الروضة ومنع أطباء من الوصول الى مرضاهم في القرى، هذه سياسة تتقرر من فوق، حتى وان لم يكن ارييل شارون لا يعرف ولا يوقع على كل رشة أو منع. وكل ما يعرفون عنها أقل في اسرائيل هكذا تطرح علامات استفهام أقل على نجاعتها على المدى البعيد. الأطباء لم يتمكنوا من الوصول الى القرية ليلا، والاطفال - خوفا من الغاز المسيل للدموع ومن الكلاب - لم يعودوا الى الروضة. ولكن معاناتهم وغضبهم يشجعان من يرغب في الانتقام وقد قرر الموت، أكثر مما تقنعه الدعوة الرسمية لوقف العمليات ضد المدنيين الاسرائيليين. ولا يمكن لأي جدار أو حاجز أو قنبلة غاز مسيل للدموع ان يردعه. بقلم: عميرة هاس عن «هآرتس»