الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 منذ 4 قرون كتب الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون يقول «ان المعرفة هي القوة» وكان يقصد تحديدا المعلومات. وعلى مدى القرون الماضية ظلت التجارب تؤكد سلامة هذه المقولة، وتثبت بغير شك أن حرية تدفق المعلومات وتيسير سبل وصولها إلى أوسع قطاعات الجماهير هما الطريق الأمثل المفضى إلى الاستنارة الفكرية وإلى التقدم العلمي وإلى الفتوحات التقنية التي استطاعت البشرية أن تحققها ابتداء من آلة الطباعة التي اكتشفها غوتنبرغ الألماني وليس إنتهاء بشبكة المعلومات العالمية ـ الإنترنت التي تسامع العالم بواحد من أهم انجازاتها في عام 1997. في ذلك العام أعلنوا عن فوز السيدة جودي ويليامز وهي ناشطة جماهيرية من أميركا بجائزة نوبل العالمية الرفيعة. وجاء في حيثيات هذا الفوز إنها استطاعت أن تتوصل إلى معاهدة تقضي بحظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد على الرغم من معارضة دوائر وزارة الحرب في واشنطن ـ البنتاغون ـ لهذه المعاهدة وقد ثبت أن هذه الناشطة الأميركية استطاعت أن تنظم حملتها وأن تعبئ قطاعات شتى من القوى المؤثرة في أنحاء العالم مستخدمة في ذلك شبكة الإنترنت. المعنى إذن أن المعرفة ـ المعلومات ـ هي التعرف كما سبق وأكد المفكر بيكون. والمعنى أيضا أن هذه القوة المعلوماتية تؤدي إلى تمكين الأفراد، وهم ليسوا حكاما ولا شبه حكام بل هم أفراد عاديون من غمار الناس. والمعنى كذلك أن هذه الثورة الراهنة، ثورة ما بعد الصناعة ، كما يسمونها أحيانا أو ثورة (الآي تي ) تكنولوجيا المعلومات كما يسمونها في أحيانا أخرى هي الأداة أو فلنقل الصولجان الذي هيأ لأميركا سبل التفرد والمنعة ومن ثم الهيمنة على مقاليد العالم الذي نعيش فيه. ثورة المعلومات لهذا عمد مؤلف هذا الكتاب إلى أن يفرد فصلا بأكمله تحت العنوان التالي «ثورة المعلومات». وفي إطار هذا الفصل يعاود المؤلف البروفيسور جوزيف ناي التأكيد على الدور المحوري بل الحيوي الذي باتت تضطلع به شبكة الإنترنت المعلوماتية في حياتنا. فإلى جانب جائزة نوبل التي قدمت إلى سيدة تحولت إلى نجم باهر لامع في سماء الشئون العالمية بفضل الإنترنت، يشير مؤلف الكتاب إلى قدرة مجاميع من الناشطين لم يتجاوز عددهم 1500 فرد فقط لا غير على إحداث ثورة في سبل الاتصال عام 1999 ويومها انتبه المعنيون إلى أن هذا التجمع التأم عقده من كل أنحاء الدنيا بفضل شبكة الإنترنت. وفي عام 2000 أطلق شاب فلبيني فيروس المحبة الشهير من جهاز حاسوبه المتواضع فعبر الفيروس أجواز الإنترنت ليصل إلى أخطر دوائر الاستراتيجية والعسكرية في الولايات المتحدة وبلغت تكاليف التصدي له والأضرار الناجمة عنه 15 مليار دولار. صحيح أنه كان تصرفا سلبيا وربما كان تخريبيا ولكنه كان برهانا جديدا على أن بإمكان فرد موهوب وشبه مجهول حتى في بلاد العالم الثالث أن ينال من استحكامات الدولة الأعظم في كرة الأرض وأن يحولها في لحظة ما إلى كيان مستضعف أمام قوة التمكين المستمدة من ثورة المعلومات . لا عجب ـ يضيف المؤلف أن نسمع عن شباب الصين يستخدمون الإنترنت لمناقشة قضايا الديمقراطية في غرفات الثرثرة الإلكترونية مع أقران لهم في أقطار الغرب. ولا عجب ـ يستطرد المؤلف ـ في أن ثورة المعلومات ما برحت تطرح ثمارا وتؤتي أكلها في كل حين بفضل أوجه التقدم التقني التي تتحرك جميعا صوب الهدف الأمثل وهو تمكين الفرد العادي. الاستثمار المهول من ذلك، مثلا، أن أسعار جهاز الحاسوب مازالت في انخفاض مطرد بنسبة عشرين في المئة كل عام منذ أن طرح الجيل الأول من الحواسيب في عام 1954 . ومن ذلك أيضا أن حجم الاستثمارات الأميركية في ميدان تقنية المعلومات ارتفع من نسبة 7 في المئة من مجموع رؤوس الأموال ليصل طبقا لآخر إحصاءات إلى نسبة 50 في المئة بمعنى أن أميركا باتت توظف نصف استثماراتها، ارصدتها، أموالها في مجال المعلومات، لهذا كان التوسع في مواقع شبكة الإنترنت (الويب سايت) أمرا منطقيا ولكن بوتيرة درامية كما قد نقول: ـ في كل 100 يوم يتضاعف عدد هذه المواقع الإلكترونية . ـ في عام 1993 كان ثمة 50 موقعا فقط في أنحاء العالم كله وفي عام 1999 تجاوز عدد المواقع 5 ملايين بالتمام والكمال. هذه المنجزات التقنية تؤدي ببساطة إلى تغيير وجه الحياة، طرائقها وأساليبها في كل أقطار العالم، ومن ثم يكتسي عالمنا ملامح جديدة، في مقدمتها مثلا ما يلي: زيادة نزعة اللامركزي. لقد شهدت العقود الأولى من القرن العشرين تكريس نزعة المركزية لدرجة قامت معها دول شمولية ، ونظم دكتاتورية على نحو ما شهدته روسيا السوفييتية في عهد جوزيف ستالين. هذا التحول يتبع ببساطة خطا أفقيا في الاتصالات بمعنى تهيئة سبل التواصل بين فرد وآخر وبين جماعة من قطاعات الشعب وجماعة أخرى وهو تواصل بين الأقران ويؤدي إلى زيادة الوعي وأيضا إلى تكريس شعار في غاية الأهمية يقول للمفكر أو المحلل أو الفيلسوف: «يا أخي .. لست وحدك!» أين هذا التواصل الأفقي ـ الديمقراطي التشاركي كما ترى ـ من عمليات الإتصال المفروض في ظل الدكتاتورية من أعلى إلى أسفل انها عملية فرض وقسر وإملاء، لا تتم بين انداد أو اقران بل تتم بين سيد ومسود بين أعلى وأدنى وهي تؤدي إلى تكريس الإنفراد بالرأي ومصادرة الرأي الآخر وقد يكون مفيدا وقد يكون إيجابيا. جدل التأثير ويلفت النظر في هذا السياق حقيقة التأثير المتبادل بين التقنية والسياسة أنه جدل التأثير كما قد نسميه، فعندما بدأت تقنية المعلومات أو ثورة المعلومات تحث خطاها في عقد الثمانينيات، اباحت بذلك فرصة أمام الخصمين روسيا وأميركا على السواء : روسيا أضاعت الفرصة أميركا عمدت إلى اغتنامها. وبالأرقام ـ يقول كتابنا: عند منتصف الثمانينيات كانت روسيا (الاتحاد السوفييتي) لا تضم سوى 50 ألف جهاز حاسوب فيما كانت أميركا ـ الخصم اللدود يمتلك يومها 30 مليون جهاز حاسوب. ويعلق المؤلف على هذه الإحصائية البسيطة فيقول: على الرغم أن هذا الوضع جعل السيطرة السياسية (في روسيا) أمرا ميسورا إلا أنه أفضى إلى آثار اقتصادية وخيمة . فعندما وصل عقد الثمانينيات إلى قرب نهايته كان السوفييت قد فشلوا في إنتاج الحاسوب الشخصي ومع مطلع التسعينيات اضطر المسئولون الكبار في موسكو إلى الاعتراف بأن بلادهم متخلفة في مجال الحواسيب وتقنية المعلومات بمسافة عشر سنوات بينهم وبين أقطار الغرب في أوروبا وأميركا. وزاد الأمر سوءاً أن هواة الكمبيوتر من الأفراد الشغوفين لم يتمتعوا بحرية التصرف أو العمل أو التواصل داخل اقليم الاتحاد السوفييتي وكان طبيعيا ، بحكم قوانين «جدل التأثير» التي المحنا إليها أن لا تتاح لهؤلاء الأفراد ومنهم موهوبون ولامعون إن لم نقل عباقرة أيضا ، إمكانيات وفرص تطوير الأجهزة والمعدات ، فضلا عن التطوير والتجديد والابتكار والإبداع في مجال الأساليب والنظم والبرمجيات. ثم يجمل المؤلف حكمة الأخير في هذا المضمار ويقول: هكذا دفع السوفييت ثمنا فادحا نظير مركزية السيطرة (السياسية) التي فرضوها. والحق أن كل الحكومات سوف تجد نفسها وقد واجهت أمرا واقعا مع كل خطوة تقدم عليها ثورة المعلومات: لن تصبح الحكومة في هذا البلد أو ذاك هي المصدر الرئيسي للبيانات أو المعلومات ولن تستطيع الحكومات من بعد أن تقبض وحدها على مقاليد الأمور ، كل الأمور، ولا أن تحتكر تسيير شئون الناس، ومن هنا يتوقع مؤلف الكتاب تزايد ظاهرة اللامركزية بمعنى زيادة اختصاصات وحدات الحكم المحلي، ولايات أو إمارات أو محافظات أو عمالات وعلى صعيد هذه الوحدات المحلية يتسنى قدر أكبر من مشاركة المواطنين في تسيير أمورهم وإدارة شئونهم وتصبح لهم كلمة لا تلبث تجد طريقها إلى التنظيم والتجسيد والتقنين في مؤسسات نيابية فئوية وجهوية وما إليها. التحديات المقبلة يبدو المؤلف مرتاحا إزاء تحقق هذه الأهداف من إعلان اللامركزية في أميركا، ويبدو قلقا أو منشغلا إزاء التحديات التي يرى أنها جديرة بأن تصادف أميركا ـ بكل جبروتها ـ في السنوات المقبلة وعلى الصعيد الدولي. والمؤلف جوزيف ناي يمهد للدخول في هذا الموضوع تحت عنوان «التحديات الجديدة» ويقول: فترات القوة التي لا نظير لها (يقصد بالطبع قوة أميركا في اللحظة الراهنة) يمكن أن تفضي إلى استتباب الاستقرار ولكن إذا ما أنطوى الأمر على أقطار أو دول صاعدة تشعر بنوع من الحنق أو الاستياء إزاء السياسات التي تفرضها القوة الأعظم ، الفريدة التي لا تبارى ®. فحينئذ تعمد تلك الكيانات الصاعدة إلى تحدي الدولة القائدة وتشكل تحالفات تهدف إلى التغلب على قوتها أو جبروتها وهنا يطرح السؤال المهم ما هي القوى العالمية المرشحة لكي تتحدي مكانة أميركا في العالم ؟ وما مدى التهديدات التي يمكن أن تشكلها هذه الكيانات العالمية ؟ في معرض الإجابة عن السؤال يعرض الكتاب لأهم قوى التحدي المضاد لأميركا كما يراها المؤلف وهي القوى الخمس التالية. جماهير الولايات المتحدة تتصور أن الصين هي المنافس المحتمل الأقوى لأميركا، ومن خبراء الشئون الصينية من يتنبأ بأن الحرب مشتعلة عاجلا أو آجلا في قارة آسيا وأن الصين تعمل اليوم جاهدة لكي تبعد أميركا عن قارة أسيا تماما كما كانت تفعل المانيا القيصرية بالنسبة لابعاد بريطانيا عن التعاطي مع شئون قارة أوروبا قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وسواء اندلعت الحرب أم لا، فالحاصل أن الصين يتوقع لها دور محوري تضطلع به في المستقبل القريب، لا بسبب حجم سكانها الملياري وحسب، ولكن أيضا بفضل ارتفاع معدل نموها السنوي البالغ 9 في المئة مما أفضى إلى مضاعفة ناتجها القومي الإجمالي ثلاث مرات (!) خلال السنوات العشرين الأخيرة من القرن الماضي. وهنا يعلق المؤلف قائلا: هذا الأداء الاقتصادي المثير إضافة إلى ثقافة كونفوشيوس بكل أصالتها ورصانتها في الصين أدت إلى تعزيز «القوة اللينة» للصين في منطقتها وهي بالدرجة الأولى قوة الإنجاز والقدرة والنموذج المرموق. الصين إذن خصم عنيد لابد أن يحسب له حساب، ومن أجل اتقاء هذا الخصم ينصح مؤلفنا واشنطن بأن تحافظ على تحالفها الراهن مع اليابان وأن تحرص على عدم تشجيع تايوان (الصينية الأصل) على الاستقلال ثم على أن تمارس أميركا قوتها في المنطقة الآسيوية بصورة تجمع بين الحذر والتعقل في آن معا. لكن مؤلفنا يرى أن المشكلات التي تتعرض لها اليابان لا ترجع إلى أخطاء في البنية الاقتصادية لليابان بقدر ما ترجع إلى خلط السياسات الموضوعية والقرارات المتخذة .ومن ثم لابد من استمرار النظرة باحترام إلى اقتصاد اليابان الذي يراه البروفيسور جوزيف ناي ثاني أكبر اقتصاد قومي في العالم حيث يضم واحدا من أكثر الهياكل الصناعية ، تقدما كما يشمل أكبر عدد من مستخدمي شبكة الإنترنت في الدنيا بعد أميركا ، فضلا - وهذا أمر مهم للغاية - عن أن اليابان تمتلك أهم قوة عسكرية في آسيا من حيث الحداثة والتنوع والفعالية. حكايات يابانية في هذا السياق يقول المؤلف بالحرف: على الرغم من امتلاك الصين أسلحة نووية ، ومن الحقيقة القائلة إن لديها عدداً أكبر من الرجال تحت السلاح ، فإن قوة اليابان العسكرية أفضل تجهيزا وأحسن تدريبا ، كما أن اليابان تتمتع بقدرة تقنية تتيح لها أن تطور الأسلحة النووية بأسرع ما يمكن إذا ما اختارت أن تنهج هذا السبيل. ولقد بلغ أمر التحدي الياباني الدرجة التي جعلت مجلة «نيوزويك» تنشر ملفا كاملا في عام 1989 لتعبر فيه عن خشية الاميركيين من أن يجتاحهم المنافس الشرس القادم من اليابان في هذا الصدد أيضا، ورغم الأجواء السلبية التي تنتاب الاقتصاد الياباني، فالمؤلف يورد ملاحظة ذكية ومهمة حين يقول: أن اليابان لها تاريخ مشهود ومرموق من حيث قدرتها على ان تعيد اختراع نفسها (بمعنى القدرة على النقد الذاتي والمبادرة إلى الإصلاح). ومع هذا كله يظل خطر التحدي الياباني محصورا اللهم إلا إذا ارتكبت أميركا غلطة العمر مما قد يفضي إلى قيام التحالف الذي تخشاه كل الأطراف في واشنطن وهو : تحالف بين عملاقي القوة في آسيا، الصين واليابان وساعتها يكون لكل حادث حديث.ومن ناحية اخرى لا يزال الدارسون والمحللون الأميركيون يخشون من تحالف محتمل الوقوع بين روسيا والصين خاصة في ضوء التصاعد في إيقاع التقارب بين موسكو (ما بعد الحقبة السوفييتية) وبكين، بدأت وتيرته بإعلان علاقة بناءة بين الطرفين عام 1992 وتطورت بإعلان شراكة استراتيجية عام 1996 إلى أن وقع الطرفان الروسي والصيني في يوليو عام 2001 معاهدة الصداقة والتعاون. بيد أن ثمة إجماعا بين جمهرة المحللين الأميركيين على أن روسيا مازال أمامها طريق طويل محفوف بميراث الماضي وبصعاب الحاضر ومسئوليات المستقبل، وقد يعمل بعضهم إلى أن روسيا يمكن أن تنحل وتتفسخ إلى أقاليم شتى وقد يرصد بعضهم مدى الضعف الواهن الذي اصاب الاقتصاد الروسي وقد يشير بعضهم منبها إلى أهمية موقع روسيا القريب من أوروبا وما تخلف لديها من إمكانات نووية ، وإمكانية تحالفها يوما ما مع الصين أو الهند، إلا أن الاجماع يظل معقودا في مراكز الدراسات على أن روسيا قد تثير متاعب بوجه أميركا في هذه الحقبة أو تلك ولكنها لن تشكل في رأيهم قطبا للتحدى يعتد به في يوم من الأيام. مشكلة الهند بدأت الهند تشهد صعود طبقة وسطى من أهل العلم والتقنية ومن حيث القوى الصلبة تمتلك الهند قدرات عسكرية ونووية ومن حيث القوى اللينة تعتز الهند بتراثها الديمقراطي الراسخ الأصيل، بل ان صناعة السينما في الهند وهي صناعة الوهم الإبداعي بالدرجة الأولى تعد الأكبر من نوعها في العالم حيث تتنافس مع هوليوود شخصيا. ومع تقدم الهند المشهود أيضا في صناعات البرمجيات الإلكترونية، تظل مشكلتها الأساسية مجسدة في أن نصف سكانها (نصف مليار إنسان) لا يزالون تحت خط الفقر، ومن ثم ستظل منكبة ـ أو هذا هو المفروض ـ على تطوير زراعتها ومحاربة الفقر والتخلف الرهيب حتى عام 2015، ومن ثم فلن تشكل تحديا لأميركا اللهم إلا إذا انضمت إلى محور عدائي صيني ـ روسي مثلا وأن كان الذي يطمئن المحللين الاميركيين حقيقة أن أدبيات السياسة الهندية ما برحت تعد الصين العدو رقم واحد! ماذا عن القوة الأهم التي تشكل أكبر وأشرس التحديات لموقع أميركا الراهن بوصفها الدولة العظمى رقم واحد في عالم القطب الواحد؟ هذه القوة اسمها أوروبا، وبالأدق اصبح يجسدها الاتحاد الأوروبي، والحديث عنها وعن منافستها لأميركا حديث ذو شجون بكل المقاييس.