السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 عند عرضه لمبادئ نظرية الامن القومي في قضية مكافحة الارهاب، قال الرئيس الاميركي جورج بوش امام الكونغرس الاميركي انه مرتين خلال القرن العشرين ألحقت الحرية هزيمة بالانظمة الاستبدادية. في اعقاب انتصارها الباهر فرضت على العالم قيم الديمقراطية، التحرر، المبادرة الحرة. هذا وصف صحيح، لكنه ناقص. ذلك لان الصراع بين النور وبين الظلام مقيد سلفا بالثقافات الغربية واعادة رسم معالم المجتمع الياباني وبقيت قوى اخرى الاسلام على حالها، خارج الصراع القيمي الدامي. لقد طالت الحربان العالميتان هامش المجتمع العربي ولم تؤثر عليه. لقد طبقت الحضارة في الساحة الدولية قواعد لعبة اهمها واجب احترام الالتزامات التي هي من نتاج المفاوضات الصعبة. واتفق الغرب على ان الكذب - الذي هو الاساس لانتهاك الالتزام - يعتبر مرفوضا وممنوعا. ليس لان الكذب أقُتلع من الغرب. انه رائج هناك كالوباء. ولكن من المألوف في الغرب ان الكاذب الدائم، الذي ضُبط وكشف، يعاقب على اعماله. لقد وُبخت الصحافة المصرية ببيان استثنائي أصدره السفير الاميركي في القاهرة لانها تمسكت بمعلومة تفيد بأن ثمة شكا بشأن هوية منفذي الهجوم الارهابي على الولايات المتحدة. ويلاحظ المراقبون ان الرئيس العراقي يستطيع ان يلتزم بتسليم سلاح الدمار الشامل ولكنه عمليا يخفيه. ان حقيقة ان مفتشي الامم المتحدة عملوا ككلاب الصيد ولم يحصلوا منه على أي سلاح دمار شامل لم يكتشفوا المخابيء التي تضمه هي دليل قاطع بأن الحديث حول ظاهرة غير قابلة للاصلاح. عمليا فان جزءا من العالم المتنور يسلم بهذا. صحيح ان ثمة لاوروبا مصالح اقتصادية في العراق. وصحيح ان ثمة فيها كراهية للولايات المتحدة، مثلما تمثل باقوال وزيرة العدل الالمانية هيرتا داوبلر جيملين التي شبهت بوش بأدولف هتلر، وصحيح انها تغذت من طروحات من النوع الذي ظهر في ملاحظة وزير الدفاع المُقال رودولف شاريننغ، بأن بوش يكافح ضد العراق من اجل ان يكسب الجالية اليهودية في اميركا. ولكن الاستعداد للعودة الى القول بأن المشكلة ستحل باعادة ارسال مفتشي الامم المتحدة للعراق، ينطوي على التسليم الخفي، مع العرف الذي يقضي بأنه يجوز للرئيس العراقي وامثاله ان يكذبوا وينتهكوا الالتزامات وانهم لا يزالون جديرين باحتلال مكان في الساحة الدولية. يعتقد المراقبون انه حتى لو سمح الرئيس العراقي لمفتشي الامم المتحدة بالعودة الى بلاده فانه لن يصمد في التزامه، واذا لم يفعل ذلك فورا، فانه في اللحظة التي يغفو فيها بوش او يخسر في الانتخابات بعد عامين لصالح رئيس مثل بيل كلينتون - سيستأنف انتاج السلاح المحظور. هل ثمة شك في ذلك. هكذا أيضا بشأن عرفات. حيث انه، لم يكن اشد المتحمسين لفرص السلام ليس في عهد بنيامين نتانياهو وارييل شارون بل في عهد الموقعين على اتفاق اوسلو، اسحق رابين وشمعون بيريز. هل ثمة شك لدى أحد بانه اذا استطاعت اوروبا انقاذ قيادة عرفات من المبنى المحاصر في رام الله فانه سينتهك التعهد الذي يقطعه على نفسه. وان اوروبا تعود وتمنحه رصيدا سياسيا؟ الرئيسان العراقي والفلسطيني لهما نمط سلوك مماثل. كذلك للزعماء الاوروبيين واليسار المتطرف في اسرائيل ثمة نمط تفكير مماثل. دواليب الاثنين تتصلان مع بعضها البعض. بعد ان رفض الفرضية القائلة بأن الحديث يدور عن صدام بين ثقافات قال بوش للكونغرس ان هذا صراع داخل العالم الاسلامي. اذا ادرك الجميع ان الرئيسين العراقي والفلسطيني لا يستطيعان الخروج جافين من مطر المغامرة السياسية، تنشأ هناك فرصة لان تتبنى القيادة المستقبلية لشعبيهما قواعد اللعبة واحترام الالتزامات التي بدونها لا وجود للنظام الدولي في العالم. بقلم: دان مرغليت عن «معاريف»