السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 لم يخطر ببالي ان أذرف دمعة على مصير عرفات المحزن في «المقاطعة»، خصوصا ان مشاهد عملية تل ابيب وغيرها ما زالت حية في أذهاننا، والتي نفذت باشرافه وبايحاء منه، كما لم يخطر ببالي ان أذرف دمعة على قصف عرفات وتدمير حصنه الأخير، فلديه ميل للتورط مرة تلو الاخرى في وضع بائس، فقد طرد من الاردن ومن لبنان الى تونس. وقد كان من الممكن ان تكون محطته الاخيرة في الدولة الفلسطينية التي ناضل من أجلها ثلاثة عقود، ولكن كما يرى البعض فان عرفات مثلما في حكاية العقرب والضفدع حيث لم يستطع العقرب ان يضبط نفسه وان يمتنع عن القرص الذي يغرقه ويغرق أنصاره معه في البحر، التدهور من شرفة البيت الابيض ومنصة جائزة نوبل للسلام الى سجن المقاطعة محاطا بالدبابات والجرافات العسكرية ليس مأساة شخصية فردية وانما هو مأساة شعب. هذه ليست مشكلتهم وحدهم وانما هي مشكلتنا نحن ايضا، واذا حولنا عرفات الى «جثة تسير على الأقدام» فهل يدرك أحد الى أين يقود كل ذلك؟ ما هو الحل الذي يوفره لنا تدمير المقاطعة ومحاصرتها؟ فالعمليات لا تأتي من هناك كما نعلم وانما من حماس والجهاد الاسلامي، ومن يعول على أننا سندفع عرفات لمكافحة الارهاب بعد ان قمنا بجز شعر رأسه ودمرنا اجهزته الامنية، انما يحول المسألة الى مهزلة، الآن يتدارسون امكانية ابعاده ايضا، وربما كانوا يحتفظون بهذه الخطوة الاخيرة لعملية الحافلة المقبلة أو للعملية الضخمة الشهيرة التي يهددوننا ويرهبوننا بها، مصدر بارز يقول انه يتوجب تعذيب ياسر عرفات الى ان يرحل عن العالم ويتلاشى، وماذا بعد ذلك؟ من أين لنا هذا اليقين بأن بديله سيكون أفضل حالا؟ وهل يرى أحد ما في الأفق زعيما كاريزماتيا في مقام عرفات ومستعدا لقبول ما يوجد لدى شارون؟ ليس لي أي حق لمحاسبة الفلسطينيين وانما أملك هذا الحق بالنسبة لحكومتي، ما الذي تفعله كي توقف الارهاب وتصل الى مفاوضات ما؟ اسرائيل جربت كل شيء حتى الآن: عمليات انتقامية، وعمليات وقائية، وابعاد وهدم منازل وقصف واعتقالات واغلاقات، ولم يبق شيء لم تجربه وتلجأ اليه، الا ان «العنف والارهاب» لم يتوقفا رغم ذلك، في الدول الطبيعية يقومون باقالة الحكومات بسبب اخفاقات كهذه ويتوجهون الى صناديق الاقتراع، ولكن الحال عندنا مثلها عند الفلسطينيين تماما، فالشارع هو الذي يقرر المجريات في الجانبين. الاسرائيليون يذوقون طعم الفشل الامني على أجسادهم، والامر الذي لا يقل عن ذلك سوءا التدهور الاقتصادي، الا ان الشارع الاسرائيلي يصوت لشارون، الوضع مشابه في الطرف الآخر، عرفات لا يزال رمزا وطنيا، وفي الانتخابات التي ستجري بعد «الاصلاحات» سيتغلب عرفات على كل منافسيه حتى اذا نافسهم من تابوت الموتى، كما قال منسق العمليات في المناطق عاموس جلعاد في اجتماع مغلق. المشاهد من «المقاطعة» مع الجرافات العملاقة التي تستخدم هناك لا تحسن من صورتنا في العالم، اطلاق النار والتدمير حول مقر عرفات مثله مثل اللعب بالنار، المشهد الذي قاموا فيه بانزال علم فلسطين ورفعوا بدلا منه علم اسرائيل يبدو مثل اعادة احتلال المناطق، الرأي العام العالمي لا يحب رؤية الأقوياء يهينون الضعفاء ويذلونهم، ونحن نلعب بالنار في مواجهة الادارة الاميركية التي تصب أنظارها على العراق وتحذرنا علنيا وسريا من التسبب في هزة في المنطقة وافشال مخططاتها. عودتنا مرة تلو الاخرى للمكان نفسه بعد كل عملية تبرهن على ان أهداف الرد المنطقية قد نفدت من جعبتنا، نحن مثل من يبحث عن الفلس الضائع تحت المصباح، العودة للمقاطعة هي رد من البطن وليس من الرأس، وبعد عامين من الانتفاضة وبعد كل العمليات المخيفة يعتبر الرد العاطفي من البطن مرضيا للجمهور. ولكن اسرائيل هي الطرف الذي يتوجب عليه ان يبادر الى خطوة سياسية وان يبحث عن مخرج من الشرك وان يقترح الحلول القائمة على التسوية، ذلك لانها هي التي تملك الأوراق الثمينة، ولن تكون هناك تسوية من دون تفكيك مستوطنات ومن دون تنازلات اقليمية ملموسة، واسلوب اجلس ولا تفعل شيئا هو عدونا الأكبر، وعندما ينتصر البطن في الجدل بين البطن والرأس فلا يتبقى من هناك الا طريق واحد: الانزلاق نحو المنحدر. بقلم: يوئيل ماركوس عن «هآرتس»