السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 لمدة عام كامل، كنت اقرأ القصص يوميا. كانت قصصا قصيرة، حقيقية وتتعلق بالحياة الشخصية، وكان مرسلوها رجالا ونساء من كل انحاء أميركا. فى أول يوم سبت من كل شهر، كنت اجمع القصص المفضلة لدي ثم اقوم بقراءتها على الناس عبر راديو صوت أميركا القومي. كنا قد اطلقنا على البرنامج اسم برنامج المشروع الوطنى للقصة وكان عددالقصص التى تلقيتها قد تجاوز 4000 كتبها اشخاص من الريف ومن المدينة، اناس كبار فى السن وآخرون شبابا، ومن كل المشارب: فلاحون ورجال دين، ربات بيوت ومحاربون قدماء، رجال اعمال واطباء، سعاة بريد وعمال، سائقو حافلات وموظفون فى السجون. وفى وقت مبكر بدأت ادرك توجها واضحا ومدهشا. حيث ان المدينة الوحيدة التى اراد الجميع ان يتحدث عنها كانت هى دائما نيويورك. ولم يكن هذا هو توجه أهلها فحسب وانما اناس من كل انحاء البلاد، بعضهم كان يعيش فيها قبل سنوات ويشعر بالحسرة لأنه غادرها، وبعضهم لم يشاهدها سوى مرة واحدة. إلا أن نيويورك لم تكن فقط وببساطة مسرحا للأحداث فى كل واحدة من تلك القصص، بل انها كانت موضوعا لتلك القصص. نيويورك المجنونة، الملهمة، المشاكسة، القبيحة، الجميلة، نيويورك كبيئة للمتناقضات. ورغم ان أميركا كانت لها علاقة اضطهادية وحتى عدائية مع مدينتنا عبر السنين، إلا انها وعلى نحو شديد الغرابة كانت تمثل بالنسبة لعدد من الناس من ميتشيغن ومين ونبراسكا التعددية، وقوة الإحتمال والمساواة فى ظل العدالة. ولوحدها بين المدن الأميركية كلها كانت تمثل اكثر من مكان أو تكتل سكانى. هى ايضا فكرة. واعتقد ان الفكرة بدأت تراودنا فى تلك الأثناء عندما الصقت قصيدة «ايما لازاروس» بقاعدة تمثال الحرية فى سنة 1903. وعلى الرغم من أن تمثال «بارثولدى» العملاق كان مقصودا به الإشارة الى مبادئ الجمهورية العالمية، إلا أن قصيدتها «العملاق الجديد» اعادت اكتشاف الهدف، محولة بذلك الحرية الى أم حنون مضيافة، الى رمز للأمل للتائهين والمضطهدين فى هذا العالم. لقداستمرت نيويورك فى توصيلها للرسالة، الى يومنا هذا. الآن وبعد مرور 116 عاماً على كشف النقاب عن هذا التمثال، مازلنا نطلق على انفسنا اسم سكان مدينة المهاجرين. وبوجود نسبة 63 بالمائة من السكان غير الأميركيين المولد اصبحنا نمثل قطاعا كبيرا من سكان العالم. انه مزيج كثيف من التجمعات العرقية، قابل على نحو كبير للتحول الى حالة الفوضى. ولا احد يمكنه الإقتناع باننا مبتلون بعدد كبير من المشاكل،لكن نيويورك مقارنة بما فعلته المشكلات العرقية بمدن كسراييفو والقدس وبلفاست تقف كمثال صارخ يشير الى الأمن والنظام. ان الهجمات القاتلة على مركز التجارة العالمى فى سبتمبر الماضى كانت موجهة فعلا ضد الولايات المتحدة. أهالى نيويورك وان كانوا يشعرون بهذا ايضا، إلا ان مدينتنا كانت هى المستهدفة بالتفجيرات، حتى فيما نحن نسعى جاهدين الى محاولة فهم التعصب الكريه الذى يمكنه ان يقود الى موت 3000 شخص بريء، فاننا قد مررنا بذلك اليوم وبتلك التجربة باعتبارها مأساة عائلية. غالبيتنا مرت بحالة شديدة من الحداد العاطفى،وصرنا نسحب انفسنا ببطء عبر الأيام والشهور التالية يغمرنا شعور جماعى بالحزن. لقد كان واضحا لنا جميعا وأنا اشك فى ان احدا من سكان نيويورك لايعرف احدا ممن فقدوا فى الهجوم صديقاأو قريباواحدا على الأقل. لكم فقط ان تحصوا ذلك لتجدوا ان النتائج مذهلة «3000» شخص بالإضافة الى عائلاتهم، عائلاتهم الممتدة واصدقائهم وجيرانهم وزملائهم، فجأة تجد نفسك أمام مليون شخص. 11 سبتمبر كان واحدا من اسوأ الأيام فى التاريخ الأميركي، إلا ان الطوفان المرعب الذى حدث فى ذلك الصباح كان مناسبة للتأمل العميق، اللحظة التى يتوجب علينا كلنا ان نتوقف خلالها ونتساءل عن انفسنا من نكون وما الذى نؤمن به. وكما حدث فقد كنت امضي وقتا طويلا فى الطريق كان ذلك فى الخريف الماضى بسبب اصدار مجموعة المشروع الوطنى للقصة «كنت اعتقد ان والدى كان قويا» كنت اتنقل من بوسطن الى سانفرانسسكو ومناطق بينها وفى كل محطة كان كتاب تلك القصص يقرأون اعمالهم للجمهور المهتم من الناس. لقد تحدثت الى عدد من الناس فى اثناء رحلتي، ربما المئات، وكانوا كلهم يقولون الشيء ذاته تقريبا. فى اعقاب هجمات 11 سبتمبر، صاروا يعيدون النظر فى قيم بلادنا، ساعين الى تحديد ما كان يفصل بيننا وبين الناس الذين هاجمونا. الكلمة الوحيدة التى استخدمها الجميع بدون استثناء كانت «الديمقراطية». ان هذه هى دعامة الحياة فى المجتمع الأميركي، الإيمان بكرامة الفرد الإحتضان بسعة صدر للإختلافات الثقافية والعقائدية. ولا يهم كم كان عدد المرات التى اخفقنا خلالها فى الوصول الى تلك المثل فهذه هى أميركا فى احسن حالاتها. المباديء التى تشكل الواقع الحياتى اليومى المعاش فى نيويورك. لقد مر عام على هذه الأحداث وفيما كانت ادارة بوش تشن هجومها على افغانستان كنا نحن فى نيويورك نعد موتانا. كنا نراقب بهلع سحب الدخان وهى تنجلى من فوق انقاض الدخان، كنا نحضر مراسم تشييع لجنازات خالية، كنا ننتحب. والى الآن فى الوقت الذى اخذ يقترب فيه الوضع فى العالم من الخطر اكثر فاكثر فاننا مانزال منشغلين بالجدال حول الكيفية التى يمكننا ان نشيد بواسطتها نصبا تذكاريا لضحايا الهجوم، مشغولين بالسعى الى حل مشكلة اعادة بناء الأجزاء المدمرة من مدينتنا. ان احدا لايشعر بالأسى على حكومة طالبان التى ازيحت من السلطة إلا اننى عندما اتحدث الى زملائى النيويوركيين هذه الأيام اسمع القليل ولكنهاالإحباط الذى يشعرون به تجاه ما فعلته حكومتنا، ان الأقلية فقط هى التى صوتت لصالح بوش، وغالبيتنا تنظر الى هذه السياسات بارتياب. بوش لم يكن ديمقراطيا الى هذاالحد معنا. انه وحكومته لم يفتحوا حوارا حول المشكلات التى تواجهها البلاد. وبالحديث عن غزو العراق اصبح عدد كبير من اهالى نيويورك اكثر قلقا. وكما يبدو فانها الكارثة الكونية التى بدأت تحدق فى الأفق. منذ وقت ليس بالبعيد وصلتنى بالبريد مجلة شعرية يحمل غلافها العنوان التالى «الولايات المتحدة اخرجي من نيويورك»، ولايمكن لأحد ان يذهب بعيدا بالطبع لكننى سمعت خلال الأسابيع الماضية عدد من اصدقائي وهم يتحدثون بحماس عن امكانية خروج نيويورك من الإتحاد واعلان نفسها دولة مدينة مستقلة.وبالطبع فان ذلك لن يحدث على الإطلاق، غير ان لدي اقتراحا عمليا اريد قوله. فحيث ان بوش كان قد اخبرنا مرارا وتكرارا بمدى كرهه لواشنطن فلماذا لا يأتي لكى يعيش فى نيويورك؟ نعرف انه لايكن الكثير من الحب لهذا المكان، لكنه بحضوره اليه، ربما تعلم شيئا عن المدينة التى يسعى الى حكمها. قد يعرف، على الرغم من تحفظاته، أننا قلب أميركا. بقلم: بول اوستر عن «نيويورك تايمز»