السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 ان امالي بالنسبة لأميركا لا تدور حول انها كانت تستحق ما جرى لها. لا، ليس الامر كذلك. لكننى شاهدت المعاناة من قبل، رأيت الأرامل يجبن شوارع بعيدة وهن يحملن صور اقرب الناس اليهن متسائلات عما اذا كان احد يعرف ان كانوا امواتا أم انهم لا يزالون على قيد الحياة. لقد شاهدت بعينى رجالا ونساء وتابعت دولا تحول احزانها العميقة الى مصدر للقوة، نوع من معرفة الذات، وفرصة للنمو. فرصة للنمو، يااميركا، كان ذلك هو أملى.أن يتحول الفقدان الى نضج. فرصة للفهم. انت لست وحيدة يااميركا لست وحيدة فى فجيعتك. ان معظم البشر يولدون في واد مترام من الرعب، تتفتح عيونهم على يوم موجع بعد الآخر ونمضي متجاهلين ما إذا كنا غدا سنتعرض للإعتداء والقصف والإهانة والتعذيب مرة اخرى. لقد وجدت اميركا نفسها فجأة تجرب ما كان يجربه الكل تقريبا فى وقت أو آخر وهو خطر التعرض للارهاب يتربص بالجميع طوال الوقت، فعرفت الوقوع في الحفرة المتقلقلة للفزع اليومي.ان أملي بالنسبة لك يا أميركا، هو التوحد مع الآخرين الشعور بالتعاطف، والقدرة على تصور أنك لست فريدة. اجل يا اميركا، اذا كان لهذا الخراب المروع ان يعلمك فقط ان مواطنيك وموتاك ليسوا هم الوحيدين الذين يهمك امرهم من سكان هذا الكوكب، اذا كان لهذه التجربة ان تحملك على شن حرب حاسمة موجهة ضد الإرهاب المزدوج الذى بدأ باجتياح قرننا القاتل الجديد. عليك اليقظة، يا اميركا! ليس لما لا ينبغي ان يقع، وانما اليقظة لما لم يحدث. لقد تم السطو على بلدك. وصار يأخذك رعبك نحو رحلة قوامها العنف من الصعوبة بمكان العودة من رحابها، ولم يعد القلق والخوف من تحطم اميركا وتهاويها على العالم يساورالرجال الذين يشرفون على التوجيه. لكن ذلك ليس خطأ الرجال الذين يحكمونك فقط. انهم لايفعلون الا ما تسمحين لهم بالقيام به، انهم يستجيبون، الى بعض من أعمق رغباتك الخفية. وفوق ذلك كله، فقد جاء هذا ليعيد اليك براءتك مرة اخرى، لكى تتقبلي نفسك، بعد فيتنام. فيتنام؟ ذلك البلد الذى حولته الى قبر جماعي؟ لقد ردت اليك البراءة، مرة ثانية يا اميركا، فى 11 سبتمبر 2002. وحقا لقد كان ثمنا باهظا دفعته الا انه كان هكذا. ان هذه الحماقات، هذا الخراب على نطاق واسع، يحولكم كلكم اخيرا الى ضحايا. لا لو، لا لكن، لا استجابة للذين يعارضون، لا صبر على الذين يريدون منك ان تنظري الى تاريخك،، الى تدخلاتك فى كل ارجاء المعمورة، لكى تدركى لماذا يمكن ان يكرهك الكثيرون فى هذا العالم المجنون. لا مجال للارتياب فى الذات يا اميركا. احذرى وباء الشفقة على الذات والشعور بأنك الضحية. ان اصبع الإتهام الذي اشير بها اليك، كان قد اشير بها اليّ أنا بنفسى. اننى اعرف هذا الشيء المثير، لقد قمت بامتصاصه على نحو بارع، لقد ادركت مدى الحاجة الى تقويم الذات المتأتية من كون المرء قد تعرض للظلم. ان كل ما نفعله مبرر. وكل ما يوجه الينا من نقد، نتجاهله. احذري من الإصابة بعدوى الخوف والغضب الشديد يا اميركا. لاشيء اكثر خطورة من هذا، انه العملاق الخائف. يخطط للقوة والإرهاب كى لا تلتهمه الشياطين القابعة بداخله أو خارجه، لكى يتسنى لجروح الماضى ان تندمل. احذرى عدوى فقدان الذاكرة يا اميركا. ام انك قد نسيت ما حدث فى تشيلى؟ ليس الإسم فقط. تشيلى؟ تشيلى الديمقراطية؟ تشيلى التى حل بها الخراب وعدم الإستقرار بفعل شيطان حكومتك، فى 1973؟ تشيلى؟ هذا البلد الذى اساء قيادته على مدى 17 عاما دكتاتور ساعدت على تنصيبه؟ وبلدان اخرى، اسماء أخرى. ايران نيكاراجوا، الكونغو، اندونيسيا، جنوب افريقيا، لاغوس وجواتيمالا. اسماء فقط؟ هوامش فقط فى صفحات كتب التاريخ، انها من صنع يدك؟ إلا اننى لا اتحدث اليك عن بعد فقط. كيف يمكننى ألا اتمنى لك الخير؟، لقد اعطيتني انا الاميركي من الجنوب اللاتيني، هذه اللغة المفعمة بالحب التى اعيدها لك. اعطيتني ظهيرة الصيف الحارة التي عرفتها طفولتي فى حي كوينز عندما كان الإختيار الصارم يفرض علي ان اشترى الأشياء من الرجل المبتهج او السائق السمين سائق الشاحنة. ثم اعود مرة اخرى الى الحساب. كيف لي ألا اتمنى لك الخير؟ لقد منحتني حق اللجوء اليك وانا مجرد طفل عندما فرت اسرتي من قبضة النظام الفاشى فى الأرجنتين فى منتصف الأربعينيات. لأصبح واحدا منكم. وما ازال. فكيف لي الا اتمنى لك الخير اذن؟ وبعد سنوات، مرة اخرى عدت الى اميركا مع اسرتي، عدت هذه المرة مبعدا من تشيلي التى كان يحكمها بينوشيه ساعدتنى على الحياة فى يوم كيوم 11 سبتمبر، يوم آخر من ايام اللا حساب. وعلى الرغم من ذلك فانا اتمنى لك الخير فقد اتحت لى حرية التعبير عن رأيي الشيء الذى كنت افتقده فى سنتياجو. اعطيتنى حرية الكتابة والتدريس، انعمت علي بحفيدة اميركية عظيمة، فكيف لي الا احب المنزل الذي تقيم فيه؟ اين هي تلك الدولة اميركا التى تخصني؟ اين هى اميركا الأخرى؟ اين هي اميركا التى ان لم اكن فيها عبدا فلن اكون فيها سيدا، اميركا ان الأرض ارضنا هذه ارضي وارضك، اميركا كل الرجال وكل النساء من كل من يقيم على هذه البقعة المنهوبة الرائعة التي نملكها جميعنا نحن الذين خلقنا سواسية؟ اي طفل في افغانستان او العراق مقدس تماما كماهو الطفل فى مينابولوس. اين هي اميركا التى انتمى اليها؟ اميركا التي علمتني التسامح مع الأعراق والأديان، وغمرتني بطاقة لامثيل لها من القدرة على العفو والتغاضي عن الزلات اذا حلت بنا مصيبة؟هل كنت مخطئا؟ عندما تمنيت لك ان ترتفعى الى مستوى التحدى ساعة ان نزل بك الموت من السماء؟عندما كنت اعتقد ان اميركا العادلة، الثائرة، غير الأنانية ما زالت حية؟ لم تدمرها النعمة؟ تملك القدر الكافي من الشجاعة التي تمكنها من التغلب على مخاوفها؟ اميركا التى تعلمت من درس فيتنام. فيتنام. حين فقدت اكثر من 3000 انسان واصلت واصابت التفجيرات اكثر من مدينة عاشت حالة من الرعب لأكثر من يوم واحد. على الرغم من ذلك فانهم لايكرهونك يا أميركا. ان درس فيتنام الباقى فى نفوسنا. هو ألا نمحو اثر العدو فى المرة الثانية. الا نلعن هؤلاء الذين يخالفوننا فى الرأي. ما الذي يهمس به فى اذنك الفيتناميون، يقولون انه على الرغم من انهم يتذكرون إلا انهم لايكرهون. ليس من السهل عليك ان تصفحي يا اميركا. او انه باستطاعتك ان تنسي جراح 11 سبتمبر بهذه السهولة؟ ليس بهذه السهولة، يا اميركا. لكي تكبري. الست محقا؟ هل اصبت انا ايضا بعدوى براءتك، كوني عشت طويلا بينكم؟ هل ما زلت بحاجة الى 50000 كيس تحمل جثثا فى طريقها للعودة الى وطنها قبل ان يتسنى لك الإستماع الى اصواتك الداعية الى السلام و الإستماع الى الرأي الآخر. هل انا مخطئ في اعتقادى بان البلد الذي اعطى العالم موسيقى الجاز واعطاه فوكنر واليانور روزفلت سيكون قادرا على ان يشاهد نفسه فى مرآة التاريخ المهشمة ويكون قادرا على اللحاق بركب الإنسانية، لا كمدينة قابعة في عزلتها المقيتة، وانما كمدينة في هذا العالم المملوء بالأسى والشك والأمل، العالم الذى نعيش فيه كلنا. بقلم: ارييل دورفمان ترجمة: مريم جمعة فرج عن «اوبزرفر»