السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 يتصور مؤلف هذا الكتاب أن عصرنا الراهن يشهد تحولا جذرياً في مفهوم القوة الحقيقية تحولا عن مجرد أو مطلق القوة الحربية إلى مفهوم آخر هو القوة الناعمة أو القوة اللينة أو القوى غير المادية وأحيانا غير الملموسة وغير المجسدة. ولكن ما هي أسباب هذا التحول؟ المؤلف ـ البروفيسور الاميركي جوزيف ناي يطرح عدة أسباب على النحو التالي: ـ أولا: اكتشاف وحيازة الأسلحة النووية الجبارة: فقد ثبت أن الأسلحة الذرية والنووية بلغت من قوة التدمير والردع الحد الذي يجعل استخدامها أمرا باهظ التكلفة فادح العواقب واسع النطاق مما قد يشمل العدو والصديق على حد سواء، اللهم ـ ولو من ناحية نظرية ـ إلا في حالات استثنائية بالغة الخصوصية. ـ ثانيا هناك العامل الذي يتمثل في صعود المد القومي مما جعل من الصعب على الإمبراطوريات ذات القوة العسكرية، «الصلبة» أن تواصل حكمها أو سيطرتها على أمم استيقظت من غفوتها وشعوب انتعشت بين أبنائها روح الإنتماء القومي. ألا ترى أن القرن التاسع عشر قد شهد امتداد سيطرة إمبراطوريات الاستعمار العتيد ـ الإنجليزي والفرنسي بخاصة ـ على أصقاع لا أول لها ولا آخر من أفريقيا وآسيا.. ومن قبلهما كانت قوى الاستعمار العتيق وهي أسبانيا والبرتغال.. وجاءت كل هذه السيطرة بفعل مناوشات وحملات عسكرية كانت أقرب إلى المغامرات الروائية منها إلى الحروب التقليدية المنظمة ؟ ألا تتأمل نموذج حكم الراجا البريطاني في الهند حيث سيطرت الجزيرة البريطانية على شبه القارة بأكملها مستخدمة في ذلك قوة عسكرية وإدارية لم تكن تشكل سوى كسر من نسبة من عشرة أو من مائة من مجموع سكان الهند ؟ المسألة تغيرت والأحوال تبدلت في زماننا أصبحت السيطرة الإمبراطورية ، بالقوة العسكرية الخشنة أو الصلبة.. أمرا باهظ التكاليف فادح المغارم.. وما درس أميركا في فيتنام ببعيد ولا درس روسيا الشيوعية أيضا في أفغانستان! ـ ثالثا جاءت مجتمعات ما بعد الصناعة.. (هي مجتمعات أوروبا الغربية وأميركا على وجه الخصوص) لتركز على جوانب الرفاه الاقتصادي والرعاية الاجتماعية ، قبل جوانب المجد الأمبراطوري والمنعة العسكرية. ولان تلك المجتمعات عرفت طعم الرخاء ورغد العيش، فقد أصبحت تخشى إلى حد التحريم سقوط قتلى أو ضحايا من جنودها أو ضباطها، في هذا الميدان أو ذاك. ولأن هذه المجتمعات تأخذ بشكل من أشكال الديمقراطية الليبرالية، فقد أصبح للناخبين فيها صوت مسموع يستطيعون من خلاله أن يضعوا مرشحيهم في مقاعد البرلمان أو أن يحرموهم من نيل شرف النيابة في الكونغرس الاميركي أو مجلس العموم البريطاني أو الرايخستاج الألماني أو الجمعية الوطنية الفرنسية. وبديهي أن هؤلاء الناخبين لن يرضيهم أن يموت أبناؤهم ولو في سبيل مجد الإمبراطورية وعلو شأنها اللهم إلا إذا قضت بذلك ضرورات حيوية منها مثلا الدفاع عن كيان الوطن الأم أو عن حياة أبنائه شخصيا. ثلاث خانات في هذا السياق يصنف مؤلف الكتاب أقطار عالمنا إلى ثلاث فئات أو خانات، أولها دول ما قبل الصناعة التي غالبا ما تكون قد خرجت من تركة الاستعمار القديم وهذه الأقطار كثيرا ما تخوض الحروب وسيلة لحل المشكلات. وثانيها دول التحديث الصناعي مثل الصين والهند وهي بلدان مازال يمكنها أن تقبل بالأساليب العسكرية ، بقوة السلاح وخوض الحروب للتعامل مع خلافاتها والثالثة هي دول ما بعد الصناعة في أوروبا وأميركا واليابان وهي لم تعد تبادر إلى السلاح للفصل في القضايا وحسم الخلافات وفي هذا الصدد يحيل المؤلف إلى عبارات للدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر يقول فيها: ثمة عدد كبير من أقوى الدول في عالمنا لم تعد تراودها رغبة في الحرب أو الغزو، صحيح أن الحرب مازالت بالنسبة لها أمرا ممكن الوقوع ولكنها أصبحت أقل مقبولية بكثير عما كانت منذ قرن أو حتى منذ نصف قرن من عمر الزمن. العامل الأخير في التحول عن القوة العسكرية، الغاشمة، كما قد نصفها يتمثل في أن الدول الكبرى أو الدول الغنية أو المقتدرة أصبحت حريصة أكثر من ذي قبل على عدم إهدار مواردها الاقتصادية وهي أول من يعلم أن الحروب تعطل تحقيق الأهداف الاقتصادية التي يرسمها المجتمع لصالح أبنائه. ـ هل معنى ذلك أن القوة العسكرية أصبحت من مخلفات الماضي ؟ ـ الجواب عند مؤلف الكتاب هو بالنفي السالب علي طول الخط: مازالت خلافات محتدمة بين كثير من الدول ، ومازال الظلم مخيما على بقاع شتى من الكرة الأرضية ـ ومازالت صراعات الحدود والأعراق والموارد والأطماع تشكل فتيل اللهب الذي يهدد بإشعال الحروب العسكرية في قارات الدنيا.. وما عليك سوى أن تتأمل مثلا أنماط اندلاع الحروب الأهلية والصراعات الداخلية المسلحة في تلك القارات لتدرك أن القوة العسكرية الخشنة أو الصلبة مازالت تؤكد وجودها أما بوصفها أداة مباشرة لحسم الصراعات أو بوصفها رادعا غير مباشر يؤدي إلى كبت أو إحباط أو تخويف أي طرف تسول له نفسه وتزين له أطماعه أو مخططاته أن يشعل فتيل الصراع العسكري وبمناسبة الأطماع يرد ذكر البترول الذي يرتبط وجوده بتأمين هذا الوجود ويرتبط هذا التأمين بحراسة المنابع بشكل مباشر أو عن بعد وفي كلتا الحالتين يتم اللجوء إلى القوى العسكرية.مع هذا كله ـ يضيف المؤلف ـ فالاقتصار على القوة العسكرية، وحدها أو التلويح بها بحد ذاتها أمر لا يغنى ولا يصنع العالم الذي تنشد البشرية قيامه مع سنوات القرن الحادي والعشرين. وفي هذا يقول المؤلف جوزيف ناي بالحرف: فيما تظل القوة العسكرية عنصرا أساسيا في حالات معينة، إلا أنه من الخطأ التركيز تركيزا محددا وضيقا على الابعاد العسكرية للقوة الاميركية». العصا والجزرة في رأي ـ البروفيسور ناي انه إذا أرادت أميركا أن تظل على قوتها ، فلابد أن يولي الاميركيون الاهتمام لما تتمتع به بلادهم من قوة لينة أو ناعمة بعيدا عن قوة العسكر أو قوة الاقتصاد التي تقوم على مغريات الجزرة (الترغيب) وأحيانا على روادع العصا (الترهيب). هنا يصبح السؤال المطروح بالتحديد هو: القوى اللينة.. الناعمة.. كيف تحقق ؟ والإجابة من سطور كتابنا هي كالتالي: هي إجمالا الأسلوب غير المباشر، الظريف، المحبب، الخفيف لممارسة القوة وبوسع أي بلد أن يحصل على مبتغاه بغير استخدام السلاح وإراقة الدماء وسقوط ضحايا ودمار ممتلكات.. يستطيع أن يحصل على ما يريد في دنيا السياسة العالمية عندما يشكل نموذجا تحب أن تحتذي به الاقطار الأخرى وعندما تكون منظومات القيم التي يتبعها محط اعجاب شعوب أخرى وعندما يكون أسلوب حياته هدفا يرتجى عند الآخرين ومثلا يحبون أن يقلدوه أو ينسجوا على منواله لينعموا بثماره من حيث مستوى الرخاء والانفتاح. والمعنى ـ كما يفسره المفكر الاميركي ـ هو أن الأفضل لأميركا أن تضع أجندة العمل لعالمها وترسم أهداف العمل لعصرها ثم تعمل على جذب اهتمام الآخرين دولا وشعوبا ومؤسسات إلى هذه الاجندة، بدلا من أن تحملهم اضطرارا أو ضغطا أو قسرا أو إكراها على تعرض تلك الاهداف ومحاولة تحقيقها سواء باستخدام الأسلحة العسكرية أو باللجوء إلى الضغوط والشروط الاقتصادية. في هذا السياق يشعر القارئ المدقق أن مؤلف كتابنا ـ أستاذ علم السياسة في جامعة هارفارد ـ يتبع الطريقة المعتمدة باستمرار في الثقافة الاميركية طريقة التسويق في السوبر ماركت.. وهذه الطريقة باختصار شديد تقضي بالتالي: شطارتك كتاجر لا أن تجعل الناس يشترون ما يحتاجون مما تعرضه على أرفف السوبر ماركت بل الشطارة الحقة هي أن توجد في نفوسهم احتياجات مستجدة بحيث يتصورون أنهم يشبعونها من تلقاء أنفسهم من أرفف السوبر ماركت على هذا المنوال يتسبح جوزيف ناي مقولة «القوى اللينة»: هي القدرة على رسم الاجندة السياسية بطريقة يتم بها صياغة أفضليات الآخرين. ومرة أخرى يعود المؤلف إلى التحليل الذي سبق وأن قدمه سياسي فرنسي كبير هو «هوبير فيدرين» وقال فيه: «لقد حاز الاميركيون كل هذا القدر من القوة لأنهم باتوا يستطيعون بث الاحلام والرغبات والأمنيات في نفوس الآخرين وقد تحقق لهم ذلك بفضل سيادتهم وسيطرتهم على «الصورة» من خلال اتقانهم فن الفيلم في السينما أو التلفزيون ومن ثم أصبحوا بمثابة جاذبين لآلاف الطلاب الذين يقصدون الولايات المتحدة من شتى فجاج الأرض لاستكمال دراستهم من ناحية وحيث يتأثرون عميقا بأسلوب الحياة الاميركية من ناحية أخرى». مرة أخرى فهذا حديث ـ فرنسي طبعا ـ عن امتلاك أميركا ناحية «القوى اللينة» قوة التأثير في نفوس الآخرين ـ قوة النموذج الذي يطمح هؤلاء الآخرون إلى أن ينسجوا على منواله. ركائز وقواعد ودعامات نبادر في هذا السياق بالذات لنقول أن المسألة ليست مجرد صورة أو تأثير ولا هي مجرد نموذج جذاب خلاب.. أن مؤلف كتابنا حريص بدوره على توضيح الوشائج المتبادلة التي تربط بين القوى المادية الصلبة والقوى اللامادية اللينة ـ يقول ان الدول التي تطمح الى السيادة والسيطرة، بريطانيا في القرن التاسع عشر وأميركا في النصف الثاني من القرن العشرين، ظلت حريصة على أن تدعم تلك «القوى اللينة» بركائز وقواعد ودعامات مادية ملموسة من القوى الصلبة. في حالة بريطانيا مثلا بادرت لندن ـ الإمبراطورية ، إلى دعم نفوذها كقوة عالمية إمبريالية من خلال تأسيسها لمنظومة القواعد الليبرالية الاقتصاد، التي حملت من يومها اسم التجارة الحرة أو شعارات التطور أو التراكم الرأسمالي وكان أساسها ـ كما يوضح مؤلفنا ـ هو تكريس قاعدة الغطاء الذهبي كأساس للمبادلات والصفقات التجارية على مستوى الكرة الأرضية الشيء نفسه فعلته أميركا منذ أواخر الأربعينيات وانضجته مع عقد الخمسينيات وما بعدها: وكانت أداة واشنطن في ذلك عبارة عن مؤسسات لايزال لها دورها الفاعل في اقتصاديات عالمنا، أهمها كان البنك الدولي ثم صندوق النقد الدولي وآخر عقودها هو منظمة التجارة العالمية. ما الهدف من هذا كله ؟ الهدف ـ في رأي المؤلف ـ هو إضفاء المشروعية على موقع الهيمنة الذي تتمتع به القوة العالمية رقم واحد، بريطانيا أيام مجد الإمبراطورية ، ثم أميركا مع أولى سنوات القرن الحادي والعشرين. والحق أن أميركا تفوقت في هذا المجال بالذات كانت بريطانيا ـ الإمبريالية مكروهة على الرغم من أنها كانت في أيامها الإمبراطورية ، مهابة ويحسب حسابها الجميع. ارتبطت مهابتها وسيطرتها بصورة القهر والاستغلال الاستعماري بكل بشاعته وفظاعته وسوقيته.. وعلى العكس من ذلك. كانت الصورة أو بالأدق كان الإطار الذي انطلقت منه أميركا على عالمها وعصرها بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها: قوة فتيه، عفية واعدة. تسحب من ورائها صورة شارلي شابلن الذي أضحك الناس في العالم على مفارقات القدر ثم ابكى على دكتاتورية هتلر ثم أضحكهم وأبكاهم في وقت واحد على منجزات وأيضا على ميكانيكية العصر الحديث في أفلامه الصامته الشهيرة وأطلت أميركا على عالمها مبرأة من تراث الاستعمار الكئيب، أطلت وفي جعبتها قدرات بث الكلمة والصورة التي أمكن من خلالها تحقيق ما يصفه المؤلف بأنه «عالمية الثقافة». خذ عندك! هذا الهدف ـ العالمي أو العولمي بتعبيرات زماننا الراهن يزيده مؤلفنا ايضاحا حين يقول: هذه العالمية أضفت على أميركا القدرة على أن ترسم وتؤسس مجموعة ، أو منظومة من القواعد والمؤسسات التي كان من شأنها تنظيم النشاط الدولي وفي هذا الإطار بدأ الناس يتطلعون إلى ما يصدر عن أميركا من قيم وأفكار ونظريات وأنماط سلوكية و.. خذ عندك على سبيل المثال: الممارسة الديمقراطية.. الحرية الشخصية للفرد ، إمكانية الصعود الاجتماعي.. مدى الانفتاح أو التساهل (قد نقرأها الترخص أحيانا) الذي تتسم به الثقافة الشعبية الاميركية.. سبل الحصول على التعليم العالي وثمار هذا التعليم. مع هذا كله فلم تكن المسألة سهلة.. ولا كانت مكانة الهيمنة الاميركية أمرا ميسورا أو مقدما على صحن من فضة: كان لأميركا منافسون بالطبع في إطار ما وصفه المؤلف بأنه «ميزان الهيمنة».. وهنا ينشر الكتاب جدولا حول ذلك الميزان حيث يقتضي البحث مصادر قدرات الدول في مضمار الهيمنة على مدار مراحل التاريخ الحديث. والجدول طريف ومهم وهو على الشكل التالي: في القرن 16 كانت الهيمنة لأسبانيا بفضل رصيدها من الذهب وجيوشها من المرتزقة . في القرن 17 كانت الهيمنة لهولندا بفضل أسواقها الرأسمالية وقوة أساطيلها. في القرن 18 كانت لفرنسا بفضل عدد سكانها وانضباط إدارتها ولكن أيضا أضيف إلى ذلك بدء تأثير القوى اللينة مجسدة في ازدهار ثقافة فرنسا وإبداعات فنونها. في القرن 19 كانت الغلبة لبريطانيا بفضل ثورتها الصناعية ومجرياتها وازدهارها المالي ثم أضيفت القوى اللينة ممثلة في انتشار وتأثير المبادئ والاعراف والفلسفات الليبرالية الانجليزية. في القرن العشرين انتقلت الهيمنة إلى أميركا بفضل اتساع السوق وغزارة وتنوع الموارد وثم الانتصار العسكري في الحربين العالميتين وفضلا عن المؤسسات المالية الدولية التي أشرفت عليها أميركا. في القرن 21 وهو مازال في مرحلة الحضانة عقد لواء الهيمنة لأميركا (حتى إشعار آخر) ويرجع الفضل في ذلك إلى قيادتها في مجال التطور التكنولوجي وثورة المعلومات وأيضا ـ وهذا هو الأهم إلى حيازتها لأكبر قدر مشهود من القوى اللينة وهي الثقافة والفن وسبل وأنماط الترفيه، ناهيك عن كونها ـ كما يؤكد المؤلف ـ محورا للاتصالات والتعاملات التي تتم على الصعيد الدولي.