الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 عالم النباتات هو أعظم صيدلية في عالمنا، فبعضها يحتوي على جزيئات فعالة بخاصيات مضادة للجراثيم والفطريات وطاردة للحشرات، وبعضها الآخر يستطيع طرد الفيروسات او تخزين مواد مغذية لاستخدامها لاحقا في اوقات القحط او البرد، ثم هناك تلك الاصناف النباتية التي طورت مزايا نشوئية تكتيكية مثل تغليف بذورها بطبقة واقية لذيذة المذاق لتشجيع الحيوانات على ابتلاعها، ومن ثم نشرها في مناطق بعيدة والعصائر الهاضمة التي تزيل الطبقة الخارجية الواقية جزئيا لكن تنبت البذور، ولايزال البشر لا يعرفون سوى النزر القليل جداً عن كيفية قيام النباتات بكل هذه الامور. ويناضل العلماء في انحاء العالم لفهم التركيبة الكيميائية لتلك الجزيئات الفعالة التي توجد بشكل طبيعي، العديد من تلك الجزيئات تم عزلها واستخلاصها ونسخها واستخدامها لتشكل اساس اكثر من 70 بالمئة من العقاقير الطبية. لكن البحث لا يزال جاريا عن جزيئات جديدة للمساعدة في مكافحة امراض قاتلة مثل الايدز والسرطان وعلى مدار الثلاثين سنة الاخيرة صدرت تشريعات جعلت من الافضل والاصعب للعلماء وشركات الادوية الكبرى العمل مع السكان المحليين وتطوير عقاقير من جزيئات فعالة مستخلصة من نباتاتهم الاصلية المحلية. فريق صغير من خبراء علم العقاقير استكمل للتو بعثة علمية الى اعلى جبل «ماند جيليا» بشمال جزيرة نيوكاليدونيا الواقعة شرق استراليا والتي تعتبر مقاطعة ادارية تابعة لفرنسا. اعضاء الفريق اقبلوا في الفرع الكاليدوني، للمركز الفرنسي الوطني للابحاث العلمية، وفي مختبرات اوروبية اخرى ويقول قائد الفريق تيري سيفينت من معهد ابحاث الكيمياء الطبيعية التابع للمركز ان الهدف من البعثة كان العثور على نباتات مستوطنة تحتوي على مكونات فعالة مثل اشباه القلويات وهي مركبات معروفة بفائدتها في مقاومة السرطان، قد ارشدنا الى ذلك الموقع علماء نبات محليون في جزيرة نوميا المجاورة. وبالتعاون مع المحليين في باريس اكتشف العلماء خمسة اصناف نباتية واعدة جديدة خلال بعثاتهم على مدى عشرة اعوام اضافة الى نباتات اخرى عديدة ذات خصائص مفيدة والآن يقوم هؤلاء ببعثة جديدة يأملون ان يعثروا فيها على صنف نباتي واعد سادس هو ساكرو مليكوب فلوكيولاريس، والذي يعتقد انه يحتوي على مصدر اساسي لأشباه القلويات المضادة للسرطان. تعاون دولي يستغرق الامر وقتا وجهداً لتحقيق تعاون دولي في هذا المجال. فقد ولت منذ زمن بعيد ايام العلماء المغامرين الذين كانوا ينطلقون بسرعة الى المواقع الغربية لجميع العينات النباتية من دون الحصول على موافقة مسبقة من السكان المحليين، او من حكوماتهم، فقضايا العقاقير اصبحت مسألة حساسة للغاية والآن وذلك بعد العديد من الامثلة على وجود شركات ادوية تأخذ العينات والمعارف النباتية من السكان المحليين وتستفيد منها في جني اموال طائلة من دون ان تعيد ولو حصة متواضعة من الارباح الى بلد المنشأ. وتبع ذلك اتهام تلك الشركات بالاستغلال والقرصنة البيولوجية مما اضطر العديد منها الى الانسحاب من ميدان الابحاث النباتية، آخذة معها استثماراتها الكبيرة، وعندما يحدث هذا يخسر بلد المنشأ المبالغ الزهيدة التي كان يحصل عليها من تلك الصفقات الجائرة المبرمة مع شركات الادوية ويعود للحلول الآنية السريعة والضارة للحصول على المال، مثل اللجوء الى قطع اشجار الاحراج والغابات. لكن الوضع تحسن منذ 1992 حيث اصبحت البلدان تتجه بشكل متزايد نحو تبني اتفاق دولي طوعي، يدعى ميثاق التنوع الاحيائي الدولي، وكجزء من اعمال قمة الارض لعام 1992 في ريودي جانيرو اتفق زعماء العالم على ميثاق يعترف بحقوق البلدان في ملكية تنوعها الاحيائي، ويعطي الدول حق تحديد شروط حرية الوصول الى مواردها الحيوية، كانت تلك خطوة كبيرة لضمان عدم استغلال الشركات الكبرى للبلدان الفقيرة التي توجد فيها العديد من اكثر الكنوز النباتية اثارة للاهتمام وحرص الميثاق على ان يحصل البلد المضيف وشركات الادوية على حد سواء على مردود مقابل استثمارهم في المواد او المعرفة او المال. فحص العينة وعندما يعكف العلماء على فحص عينة نبات جديد ، فإنهم يحاولون اولاً اكتشاف كيفية عمل مركبه الفعال، ثم يقوم الكيميائيون بتعديله ليكتشفوا امكانية تعزيز مستوى فعاليته واذا وصل النبات الى مرحل التصنيف العلمي او دخل في مراحل التجارب الاولى تقدم الشركة التي تمول المشروع «دفعة معتبرة» لبلد المنشأ. قد يكون الدفع بالمال أو باشراك الجامعة المحلية بأعمال الابحاث بحيث تكتسب المعارف حول ما يلزم لتطوير العقاقير الدوائية بشكل مباشر بدلاً من القراءة عنها في الكتب الدراسية، انها عملية طويلة تستغرق عقوداً في اكتشاف المركب الفعال الى استكمال تطور العقار لكن «الدفعات المعتبرة» تقدم الى بلد المنشأ على مدار سنوات العمل. ان الانتقاء الرئيسي الذي يوجه لشركات الصناعات الدوائية هو انها تجني ارباحاً طائلة على حساب السكان المحليين لكن عملهم يقتضي ايضا انفاق المال للحفاظ على التنوع الاحيائي بالبلد المضيف، واذا لم يتم التوصل الى صيغة تعاون مقبولة بين الشركات والسكان المحليين فإن امكانيات تلك النباتات المذهلة ستظل دفينة، ولن يستفيد منها المرضى الى ان تنقرض النباتات المحلية المستوطنة بفعل ممارسات تقطيع اشجار الاحراج التي يلجأ اليها السكان المحليون الفقراء للحصول على المال السريع. والنباتات ليست وحدها التي تخضع للدراسة من اجل جني الفوائد الطبية، اذ يتم ايضا البحث في العلاجات التقليدية التي تستخدمها القبائل المحلية، فشعب الكناناك المستوطن في جزيرة نيو كاليدونيا على سبيل المثال يمتلك معارف كبيرة في الخصائص العلاجية لنباتاته المحلية، ومع انهم قد لا يفهمون الاسباب العلمية وراء تلك التأثيرات فإن حقيقة ان نباتاً معيناً يستخدم منذ عدة اجيال تشير الى ان النباتات ربما تحتوي على مواد مفيدة للعلماء الغربيين. وعلى سبيل المثال فإن نبتة «كافا ـ كافا» تشرب كالشاي او تمضغ على نطاق واسع بين السكان المحليين في نيوكالدونيا. ويقول ادوين تاماتا الذي يبيع خلاصة النبتة في منزله في الجزيرة «ازرع الكافا كافا هنا.. انا اشرب منها ثلاثة اكواب كبيرة كل يوم فأخلد ليلا الى نوم عميق هانيء وهذا المشروب لا يضر بالصحة ولا يشعر الانسان بالدوار في الصباح التالي». ويأتي مشروب الكافا من جذور نباتية تحتوي على جزيء فعال يدعى «كافالكتون» يمتلك خاصيات مهدئة ومنومة ويشعر مستخدم هذه المادة بصفاء وسكينة ونشاط معتدل. ويصدر المسحوق على شكل كبسولات للمساعدة في التغلب على مشاكل الارق والاجهاد لكن بسبب التركيز العالي للمادة الفعالة في الكبسولات وعدم احتواء القنوات الهضمية عند الغربيين على انزيم خاص لهضم هذه المواد كما هي الحال عند افراد قبائل الكاناك فقد سجلت بعض حالات الاستجابات العكسية للعقار في بريطانيا. ونصح الناس بعدم تعاطيه وهناك اجراءات تتخذ الآن من اجل حظره نهائيا. بالعودة الى جبل ماندجيليا لايزال فريق مركز الابحاث الفرنسي عاكفاً على جمع العينات النباتية لاخذها الى المختبر وتجفيفها ثم فرزها وتصنيفها، وقد عثر العلماء على نبتة «الساكرومليكوب» التي كانوا يبحثون عنها في اعلى منحدر الجبل، وهم يأملون ان تحتوي على جزيئات مضادة للسرطان قابلة للاستخدام العلاجي. قد تمضي عقود قبل ان نشاهد عقارا للسرطان مشتقا من هذه النبتة في الاسواق، ربما يفشل المشروع عند اي نقطة في رحلته الطويلة لكن ايضا ربما يصبح فتحاً علمياً مهماً، وطالما واصل العلماء استكشاف المناطق الاستوائية بتمويل لشركات الادوية ومساعدة السكان المحليين يبقى الامل حيا باكتشاف جزيء سحري من نبات غريب مبهم في اعماق الاحراج. علي محمد