الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 لم يتصور عضو حماس الذي نفذ عملية شارع اللنبي في تل ابيب ان القتل الذي سيتسبب به سيكون مثاليا ونموذجيا الى هذا الحد. فقد قتل هذا الفلسطيني ستة اسرائيليين وجرح العشرات منهم وتسبب ايضا في هدم المقاطعة والاضرار بياسر عرفات وتعزيز مكانته في الوقت نفسه وكشف النقاب في عمليته عن قصر يد اسرائيل وقصر نظرها. رجل حماس هذا أحرج معارضي «الارهاب» في التنظيمات المتخاصمة وحرف الاهتمام الدولي طوال عدة ايام عن المشكلة العراقية مسلطا اياها على القضية الفلسطينية ليصل الامر الى عقد اجتماع لمجلس الامن. والانجاز الأهم بين انجازات عضو حماس هو ان الرد الاسرائيلي على العملية قد تسبب في اشعال مظاهرات كبيرة مرة اخرى. هذا حدث في الوقت الذي أظهر الشارع الفلسطيني علامات الاستيقاظ والصحوة من الوهم المتمثل في أن ما لم يتم الحصول عليه خلف طاولة المفاوضات يمكن ان يتأتى من خلال قلب هذه الطاولة. ومن البديهي ان وجود احتمالية كافية لان يوفر الحصار المفروض على عرفات في المقاطعة حياة المواطنين الاسرائيليين كان كافيا لتحويل الهجوم على المقاطعة الى مسألة مشروعة، ولكن حتى وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر الشخص المسئول عن العملية مباشرة لا يضمن بأن يحول تدمير الموقع وتسليم المطلوبين دون حدوث العملية التالية. قائد حزب العمل يوضح أن الهدف من هذه الخطوة هو تسريع مغادرة عرفات للحلبة السياسية والذي يشكل حجر عثرة حسب قوله في طريق القادة المعتدلين والأكثر ادراكا منه. لنفترض ان قرار الشروع في «خطوة استراتيجية» لدفع عملية السلام قد خرج من جلسة الحكومة الاسرائيلية غير العادية وان الصدفة وحدها فقط كانت وراء صدور قرار الهجوم على المقاطعة بعد عملية تل ابيب بساعات قلائل. ولنفترض ايضا ان عرفات سيخرج غدا من بين الأنقاض وفي يده رسالة استسلام واستقالة من كل مناصبه. ولنفترض حتى ان عناق الدب الذي يقوم به الاسرائيليون والاميركيون مع أبو مازن لن يمنع المجلس التشريعي الفلسطيني من انتخابه بعد ايام رئيسا جديدا للسلطة، فماذا سيحدث حينئذ؟ هل سيدعو شارون أبو مازن الى مأدبة اخرى في مزرعته حتى يوضح له اهمية تمكن الجنود الاسرائيليين من الدخول والخروج في منطقة نفوذ الكانتونات الفلسطينية برا وبحرا وجوا وكما يحلو لهم؟. لا حاجة للتعمق في التقدير بأن تقويم الوضع الذي أعد في هذه الايام في وزارة الخارجية الاسرائيلية، حتى نفهم ان من الخسارة اضافة محاولة فارغة اخرى لاستئناف الحوار السياسي المباشر بين الجانبين الى قائمة الاحباطات بعد عامين من العنف، وايقاف اطلاق النار المتكرر والمواقع الاستيطانية الجديدة. البشائر حول وجود «خطة سياسية مفصلة» التي نشرت إثر لقاء الرباعية الدولية الاخير في نيويورك قد اختفت وعن حق في صفحات الجرائد الاخيرة. الجانبان توصلا منذ زمن الى الاستنتاج بأن هذه الهيئة الرباعية ليست الا بدعة اميركية لمنح الشرعية لتجميد عملية السلام. كل المشاركين في هذه اللعبة يعرفون ان شيئا لن يتزحزح من مكانه من دون تدخل اميركي وفي أعلى المستويات. الجميع يعرفون ايضا ان المسألة الوحيدة التي تشغل بال المستوى السياسي الأعلى في واشنطن هي الحرب ضد العراق وحتى اشعار آخر غير معروف الموعد. أهارون ميلر، مستشار نائب وزير الخارجية الاميركية وليام بيرنز، ومستشار المبعوث المتقاعد انطوني زيني، الذي يفترض ان يكون قد وصل الى اسرائيل هو أعلى مسئول اميركي للمنطقة في الاشهر الاخيرة، والقنصل العام في القدس رون شلينكر المسئول عن الاتصالات في القيادة الفلسطينية موجود في اميركا منذ بداية شهر يوليو الماضي. الرئيس بوش وبطانته يعودون ويكررون وعودهم للقادة العرب والاوروبيين بأنهم سيبدأون في معالجة الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني فور الانتهاء من الحرب ضد العراق. وحسب «نيويورك تايمز» أوصى البنتاغون بتأجيل الهجمة حتى يناير ـ فبراير 2003. وفترات الانتظار الفارغة من العمل السياسي هي موسم ازدهار رجال حماس. فهم لن يفوتوا أي يوم من اجل السخرية من اولئك في السلطة وفتح الذين وعدوا بأن يقرب ايقاف العمليات من نهاية الاحتلال. والمهم هو ان لا نشتاق لعرفات في حينه. بقلم: عكيف الدار عن« هآرتس»