الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 فجأة عند الساعة الحادية عشرة في منتصف ليلة السبت بدأ الناس يهاتفون بعضهم البعض يتبادلون السؤال غير مصدقين: هل يوجد متظاهرون في الشوارع حقا؟ هل ما تقوله قناة «الجزيرة» صحيح ان عشرات الشبان قد خرجوا للتظاهر في الشوارع تأييدا لياسر عرفات المحاصر؟ هل من المنطق ان يخرج الناس للشوارع فجأة متظاهرين على الرغم من حظر التجول المشدد وعلى الرغم من ان الشوارع مليئة بالمدرعات والدبابات الاسرائيلية، وهذا بعد ثلاثة اشهر من حظر التجول المتواصل تقريبا والتي بدا فيها ان أحدا لا يذكر عرفات أو يهتم لمصيره؟ أشهر ادعي فيها ان الجمهور عموما وحركة فتح خصوصا قد ملوا من قائدهم. في هذه الاشهر بدا للجميع ان سياسة حظر التجول قد فعلت فعلها: الناس وخصوصا في رام الله قاموا بكسره بمبادرة شخصية منهم ولاحتياجاتهم الشخصية، ولكن ليس بصورة منظمة وليس من خلال التصادم مع الجيش الاسرائيلي (باستثناء الصبية خاصة من مخيمات اللاجئين الذين كانوا يرشقون الحجارة على الدبابات، وأحدهم هو عبد السلام السمارين من الأمعري حيث قتل في يوم الجمعة صباحا بهذه الطريقة). مرت ايام كانت فيها سيارتان عسكريتان فقط تتجولان في رام الله، ومع ذلك كانت المؤسسات والادارة في المدينة مشلولة ومطيعة ومنصاعة لأوامر حظر التجوال التي كانت تصل لعلم الجميع بطريقة أو باخرى. «يكفي اتصال هاتفي واحد فننصاع كلنا لأوامر حظر التجول، ما الذي يحدث لنا؟» هكذا تحدث الناس خجولين. لذلك وفي عشية يوم السبت وجدوا صعوبة في البداية في تصديق التقارير الواردة حول وجود مظاهرات في ليلة السبت. الاسئلة أخلت مكانها بسرعة للمعلومات المتبادلة الراسخة: ها قد خرج بضع عشرات من الاشخاص من الحارة الجنوبية في رام الله وأم الشرايط من رام الله التحتا ومن الأمعري. أحدهم يقول ان طلبة جامعة بير زيت بدأوا يحشدون صفوفهم للتظاهر. فهل سيصلون الى رام الله مجتازين حاجز سردا شمالي المدينة؟ من الواضح ان الجيش الاسرائيلي قد ذهل وليس هو وحده، فقد ذهل الجميع من هذا الاقدام والجرأة الجماعية. الناس انفسهم الذين كانوا قد خرجوا للشوارع رغم حظر التجول والمدرعات العسكرية لم يصدقوا ان كانوا قد عادوا لمنازلهم أحياء أم مصابين. وها قد ورد اتصال هاتفي من نابلس ويفيد بأن الناس في مخيم بلاطة ينظمون مظاهرة، وفي مخيم عسكر وفي وسط المدينة وكذلك الحال في طولكرم حيث يفرض حظر تجول مشدد على المدينتين (نابلس وطولكرم). الآلاف خرجوا للشوارع في رفح وخانيونس وأخذوا يقتربون من مواقع الجيش الاسرائيلي على الحدود المصرية الغزاوية وعلى خط التماس مع مستوطنات غوش قطيف. في أريحا ايضا ـ حيث يرابط الجيش في داخل المدينة ـ خرج الناس للتظاهر تأييدا للزعيم المحاصر. صحفيون حدثوا بعد ذلك ان الناس قد احتشدوا حول السجن الذي سجن فيه ستة فلسطينيين (ومن بينهم فؤاد الشوبكي المسئول عن سفينة السلاح والمدانين في قتل رحبعام زئيفي) وطالبوا باطلاق سراحهم بحيث شعر المراقبون الدوليون، البريطانيون والامريكان، ان حياتهم في خطر. اتصال هاتفي آخر، ها هي موجة تظاهر اخرى تقترب من ميدان المنارة في رام الله، واتصال آخر يقول ان متظاهري بير زيت قد وصلوا الى الشارع الرئيسي المؤدي للمقاطعة. ناقلة الخبر هي معلمة لبعض هؤلاء الفتيان، حيث امتلأت عيناها بالدموع فرحا وخوفا على سلامتهم. سيارات الاسعاف في رام الله بدأت تطلق صرخاتها. هاتف من غزة يقول ان النداءات توجه للناس بمكبرات الصوت حتى يخرجوا الى الشوارع. وفي شارع الارسال المؤدي للمقاطعة أخذ بعض النسوة والفتيات يتراكضن هنا وهناك هربا من الغاز المسيل للدموع صارخات على الناس الذين أشعلوا أضواءهم في الشرفات: اخرجوا للتظاهر، الناس في الشوارع. الجنود يفرقون المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع، ومن ثم بالرصاص المطاطي. بعض الجنود يشتمون المتظاهرين محذرين «اذا لم تنصرفوا فستصبحون شهداء». كاميرا قناة «الجزيرة» بثت في البداية شارعا فارغا مضاء بأضواء السيارات العسكرية، وفجأة ركض شخص ما فيه. ومن ثم تبعه آخر فآخر بالاتجاه الثاني. وفجأة ظهرت مجموعة من الشبان وجوههم موجهة نحو عدسات الكاميرا هاربين من الجنود الذين يطلقون النار والغاز المسيل للدموع والناس يفرون. وبعد ساعة تقريبا بثت عدسات التلفزة صورا للمظاهرات في بدايتها كما كانت قد انطلقت من أحياء رام الله: نساء شابات متشابكات الايدي على رأس المسيرة، ومن خلفهن شبان يرفعون أياديهم وآخرون محمولين على الأكتاف وصارخين: بالروح، بالدم نفديك يا أبو عمار من دون لافتات، وربما كان معهم علم واحد لفلسطين. قناة «الجزيرة» توقفت عن بثها المعتاد وغطت الأحداث خلال ثلاث ساعات. الصور كررت نفسها ولكنها شجعت الناس في أماكن وبنايات اخرى للخروج الى الشوارع. عود الثقاب كان على ما يبدو خبرا عاجلا بثته قناة «الجزيرة»:الجيش يأمر المحاصرين في المقاطعة بالخروج منها قبل ان يفجر البناية». كانت هناك اتصالات هاتفية بين نشطاء ميدانيين في حركة فتح: انه لمن العار والخزي ان نجلس في منازلنا من دون ان نفعل شيئا ونكتفي بمشاهدة التلفاز ومراقبة كيفية هدم المقاطعة وكيف يشكل انفجار آخر خطرا على حياة عرفات والمحاصرين، وكيف يترك العالم هذا الامر يمر بسهولة. في كل حي تصرفوا وتحركوا بصورة مستقلة: دعوا الرفاق وقرعوا الأبواب موجهين الدعوة للناس بالخروج. أحد نشطاء فتح البارزين قال مرة اخرى بأن «كل شيء كان منظما» وغير عفوي. كلام فارغ قال نشطاء آخرون في فتح ولا يقلون عنه مرتبة. لم يكن بامكان أحد ان يجبر أي واحد على الخروج والمخاطرة بحياته. ما حدث ببساطة هو ان المشاورات بين عدد من النشطاء الذين لم يعودوا يتحملون حالة العجز التي يمرون بها قد جرت في اللحظة المناسبة حيث وصلت مشاعر الغضب والاهانة في صفوف الناس الى نقطة كان فيها استعداد لدى الكثيرين للمخاطرة بحياتهم، بحيث انتقلت شجاعة عدة عشرات من الشبان الى باقي الناس فأخرجت المزيد منهم الى الشوارع. من الواضح ان اغلبية المتظاهرين كانوا من نشطاء فتح، ولكنهم لم يقتصروا على فتح وحدها. كان هناك من قالوا ان الهدف كان ابراز الدعم لعرفات، بينما قال آخرون ان الهدف هو كسر لامبالاة العالم. بعد منتصف الليل بقليل سمع من ناحية المقاطعة صوت المطرقة الضخمة التي تقوم بتدمير المقر. وفجأة سمعت صفارة في الوادي الممتد أمام المقاطعة. الصفارة الوحيدة تحولت الى صفارات متتالية متزايدة. ومن ثم انضم اليها صوت من المسجد يدعو الناس للخروج للتظاهر. حركة المتظاهرين تواصلت في الشوارع الجانبية المحيطة بحي المنارة، وهم يصولون ويجولون. الشبان قاموا بتجهيز متاريس من كل ما تقع عليه أياديهم، رشقة نارية فينهار المتراس، ورشقة اخرى فتبدأ سيارة الاسعاف بالزعيق. (ط) لاحظ وجود شاب يقوم بدحرجة برميل في أعلى الشارع، وفجأة بدأت عملية اطلاق نار أكثر كثافة من سيارة عسكرية في حي المنارة. ويبدو ان الشبان كانوا يرشقون الحجارة من كل زاوية وزقاق على الرغم من الرصاص. الشبان تراكضوا ذهابا وايابا وأخذ المصابون يتزايدون، وما كان من المستشفيات الا ان أعلنت حالة الطواريء. في طولكرم ايضا بدأ الناس يخرجون للشوارع بعد الساعة العاشرة ليلا، من كل حي في مخيم اللاجئين، أعداد كبيرة من الناس، ولكن خلافا لرام الله التي لم يظهر فيها أي سلاح، ظهر الشبان في طولكرم وهم مسلحون. الناس غضبوا عليهم، الا انهم لم يستطيعوا منعهم من السير في المظاهرة. بينما يقف الجنود على مسافة غير بعيدة. (م) سرد أحداث الليلة وهو منفعل: «أقسم ان الشبان المسلحين قد أطلقوا نارا أكثر من الجيش. فمنذ ان خرج الناس الى الشوارع ودعوا الناس للتظاهر بدأ المسلحون يطلقون النار. وقلل الجيش من اطلاق النار». ومشارك آخر في المظاهرة يدعي ان المسلحين لم يطلقوا رصاصا كثيرا. شاب آخر قتل من اطلاق النار في طولكرم ـ احمد رضوان، 19 عاما. المظاهرات تواصلت لثلاث ساعات في طولكرم، وما ان عاد الناس الى منازلهم حتى بدأ الجيش الاسرائيلي يطلق النار بصورة جنونية. قنابل صوتية ومن ثم ذخيرة حية في الهواء ولعدة ساعات حتى لا يتمكن الناس من النوم. الناس في طولكرم ايضا خرجوا بصورة عفوية تقريبا «لان صعوبة تحمل هذه الاهانة الدولية قد تجاوزت كل حدود» كما يقول أحد المتظاهرين من خارج صفوف فتح. في نابلس ايضا اختلط المسلحون مع المتظاهرين الذين خرجوا الى الشوارع فور الخبر المذهل الذي بثته قناة «الجزيرة». في نابلس ايضا غضبوا على المسلحين، الا انهم لم يتمكنوا من ابعادهم. اربعة قتلى سقطوا في هذه المظاهرات الليلية. في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل تجول عدد من الاشخاص في شوارع رام الله المظلمة والمشبعة بالغاز والدخان حيث كانوا غاضبين لدرجة تحول دون عودتهم الى منازلهم. وفي المنازل كان الناس مهتاجين بحيث لم يكن بمقدورهم ان يخلدوا للنوم. في حوار الأفكار بين الجالسين في المنازل وبين الاشخاص الذين أجرت الفضائيات العربية مقابلات معهم طرحت الاسئلة التالية: هل ستوقف هذه المظاهرات العفوية الهجمة الاسرائيلية على المقاطعة حقا؟ وهل يمكنها ان تحدث زحزحة ما في موقف العالم خصوصا الدول العربية؟ وهل سيكون بالامكان تكرار هذا العمل الجماهيري في الايام المقبلة لضمان تمخضها عن ثمار سياسية؟. الجميع يأملون ان يصبح من الممكن اعتبار هذه المظاهرات التي خرج فيها ألوف الناس للشوارع متحدين حظر التجول «نقطة انعطافية». بقلم: عميرة هاس عن « هآرتس»