الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 قبل سنوات، فى مطعم راق يقع فى الدور السفلي من احد مبانى قلب العاصمة الإيرانية، طهران، وفيما كنت اشرب كوباً من الليب اخبرني رئيس مركز الأبحاث النووية العراقي السابق بما حدث عندما اطلق نداء شخصيا للإفراج عن صديق له كان قد ادخل السجن. قال: تم اخذي مباشرة من مكتبى فى العاصمة العراقية بغداد الى مقر مدير جهاز أمن الدولة، والقى بي فى زنزانة تحت الأرض، ثم نزعوا ملابسى، واوثقونى بعجلة معلقة بالسقف وبعدها حضرالمدير لمقابلتى. قال لي: ستخبرنا بكل شيء عن اصدقائك. وبما انك انت الخبير فى مجال عملك، الأكثر كفاءة، فاننى انا الخبير فى مجال عملى هنا. هذا عندما بدأوا بتعذيبى بالجلد وبالصدمات الكهربائية. لقد حدث ذلك، بالطبع، عندما كان الرئيس العراقي لايزال صديقا للغرب، فى اثناء مساعدته للعراق فى الحرب العراقية ـ الايرانية، عندما كانت الولايات المتحدة بزعامة بوش الأب تمد العراق بالإعتمادات الزراعية كنوع من المساعدة التفضيلية، حدث ذلك قبل مدة قصيرة فقط من توجيه طيارين عراقيين الصواريخ الى سفينة حربية اميركية تعرف باسم ستارك «أغرقت تقريبا». وادعى العراق ان الضربة جاءت عن طريق الخطأ فى الوقت الذى كان طياروه يريدون مهاجمة ناقلة نفط ايرانية، ومن جانبها تجاوزت الحكومة الأميركية عما جرى بمزيد من الشعور بالبهجة. هكذا كانت تسير الأمور. إلا انك وأنت تشاهد بوش الابن وهو يلقى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤخراً، وهو يتحدث بانفعال عن اساءة المعاملة فى العراق ربما تراءى لك انها مجرد تجاوزات تكتشف للتو. وبدافع من التعود على الازدواجية كان من الصعب على المرء أن يقول كلاما أكثر مما ورد فى خطاب الرئيس الأميركي. لقد تحول الرئيس العراقي الى شخص سييء عندما غزا الكويت فى سنة 1990، فقبل ذلك كان هوالشخصية الموالية للأميركيين فقط، الرجل القوى، كما كان يسميه المؤيدون له فى وكالات الأنباء. إلا أن الكذبة الحقيقية فى خطاب الرئيس الأميركي التى ظلت تهيمن على الخطاب السياسى منذ الجريمة التى ارتكبت فى حق الإنسانية فى 11 سبتمبر من العام الماضى كانت هى السعى الى عدم التحدث عن الأسباب الحقيقية التى جعلت الولايات المتحدة تتعرض للهجوم. فى مقاله الذي نشرته صحيفة «الاندبندنت» يسعى وزير الدفاع الأميركى دونالد رامسفيلد الى التمويه على هذه الحقيقة. فقد اعلن أن هجوم 11 سبتمبر كان هجوما على الناس الذين يؤمنون بالحرية، الذين يعتصمون بالصبر، والذين يدافعون عن حقوق الإنسانية الثابته. وكالعادة لم يبد اية اشارة الى الشرق الأوسط. لسياسات اميركا البائسة المتحيزة فى تلك المنطقة، لمساندتها البائسة للأنظمة التي تسايرها في المنطقة. ومما هو غريب ظهور شبح الحقيقة الباهت فى مقدمة خطاب الرئيس الاميركي الموجه للأمم المتحدة كان يتلخص فى جملتين تجاهلت اهميتهما الصحافة الأميركية وربما حتى لم يفهم بوش نفسه معناهما الحقيقى كونه ليس هو الشخص الذى كتب الخطاب، لقد قال إن أمننا المشترك مهدد بالتحديات الناجمة عن الصراعات الإقليمية، العرقية والدينية التاريخية، التى لايمكن تجنبها. وفى الشرق الأوسط، لايمكن أن يتحقق سلام يتمتع به أي طرف من دون الآخر بغير تمتع الجميع بالحرية . ثم اعاد عبارته القديمة المتعلقة بالحاجة الى فلسطين مستقلة ديمقراطية. ربما كان هذا اقرب للإعتراف الرسمى، حتى الآن، بان هذه الأزمة العنيفة كلها تتمحور حول الشرق الأوسط. وإذا كانت هذه حرباً بسيطة تقودها قوى التحضر ضد «قوى الشر» العبارة التى ظل بوش يرددها بخبث امام من نجوا من هجمات 11 سبتمبر واقارب الضحايا، ولكن ماهى هذه التحديات الإقليمية؟ لماذا تتسلل فلسطين كالغريب الى خطاب بوش للأمم المتحدة؟ الواقع انه لاغنى عن القول بان هذه الحقيقة الصغيرة الغريبة غير المريحة لم تهتم بها وسائل الإعلام فى نيويورك وواشنطن، وقاد رفضها المتصلب للتحقيق فى الدوافع السياسية لهذه الكارثة برمتها الى التغطيات الإخبارية الشيزوفرينية الغريبة. قبل فجر يوم 11 سبتمبر كنت اشاهد ست قنوات تلفزيونية اميركية ثم أرى بعينى البرجين وهما يهويان على الأرض 18 مرة. ولم تكن الإشارات القليلة الى هوية المهاجمين الإنتحاريين على الإطلاق قد اكدت انهم كانوا عرباً. إلا أن صحيفتى «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» تمادتا الى حد بعيد لدى فصلهما تغطياتهما الإخبارية لمنطقة الشرق الأوسط عن تغطياتهما لأحداث ذكرى هجمات11 سبتمبر وبدا ذلك كما لو أنهما ترتكبان نوعا من الإنتهاكات أو الأفعال المشينة. فقول «واشنطن بوست إن» التحدى الذى تواجهه الإدارة الأميركية يتمثل فى الكيفية التى تستطيع بها اعطاء تفسير متسق ومقنع يتعلق بالكيفية التى يمكنها من خلالها الربط بين الخطر الذى يشكله العراق وبين هجمات 11 سبتمبر يفضحها على الرغم من أنه يأتى فى الفقرة السابعة من افتتاحيتها المكونة من ثمانى فقرات فقط. وببساطة، فقد محيت كل اشارة الى فلسطين أو المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية أو الإحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية من الضمير العام. ومثال على ذلك انه عندما حاولت حنان عشراوى هذا النموذج الإنسانى للمرأة الفلسطينية التحدث فى جامعة كولورادو الأميركية، قامت الجماعات اليهودية بتنظيم مظاهرات احتجاج هائلة ضدها. ومن جانبها لم تشر محطات التلفزة الأميركية ببساطة الى هذه المأساة التى يعانى منها الفلسطينيون . إنه بمثابة التقدير لإعلامنا ان يشاد به لتقديمه على الأقل برنامجا تلفزيونيا كبرنامج جون بلغرالنشط «فلسطين مازالت القضية». إلا أن كل هذه الأمور قد لاتكون مهمة. عندما يزعم شخص كرامسفيلد، على نحو فاضح، كما جاء فى رده عندما سئل عن الدلائل التى تثبت تورط العراق فى برنامج نووى: «ان غياب الأدلة ليس دليلا على الغياب»، ومن جانبنا فقد يكون من الأفضل لنا أن ننهى الجدل الاخلاقى برمته. لكن عندما يشير رامسفيلد الى ما يسمى الضفة الغربية المحتلة فإنه انما يكشف بذلك عن نفسه كرجل سييء السمعة، فاقد للإحترام. فعندما اخذ يقدم سياسة المبادرة بعمل عسكرى كما ورد فى صحيفة «الإندبندنت» كان يتناسى المبادرة الإسرائيلية بغزو لبنان فى سنة 1982 التى راح ضحيتها 17500 انسان عربى اضافة الى 22 عاما من الإحتلال، ثم انتهت بالتراجع والهزيمة العسكرية التى لحقت باسرائيل. ان الأمور الغريبة لاتزال تحدث الآن في الشرق الأوسط. ولاتزال أجهزة الإستخبارات العسكرية العربية تسجل حوادث التحركات الخطيرة للسفن العسكرية الأميركية فى المنطقة، ليس فى الخليج وحده، وانما في بحر العرب، والبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط أيضا. ويقال ايضا إن خبراء عسكريين أميركيين واسرائيليين ومحللين فى اجهزة الإستخبارت اجتمعوا مرتين فى تل ابيب لمناقشة الإحتمالات المترتبة على اندلاع حرب مقبلة فى الشرق الأوسط. ان شيئا كالقضاء على الرئيس العراقي وتحطيم قوة دول غربية اخرى غير العراق كان دائما الحلم الذى يراود خيال الإسرائيليين. وكما تبين للولايات المتحدة خلال عهدها الذهبى الذى اتسمت فيه بالحياد بين عامى 1939 و1941، فإن ايقاد شعلة الحرب ينعش الإقتصاد. فهل هو ما يحدث الآن؟ وعلى الرغم من أن زميلتى الصحافية الاسرائيلية عميرة هاس حددت ذات مرة ما تعنيه وظيفتنا كصحفيين بقولها ان عملنا هو مراقبة مراكز القوة . غير أن الإلتزام بذلك لم يكن على الإطلاق مهما بالنسبة لنا . لأننا إذا فشلنا فسنتحول الى ناطقين رسميين باسم مراكز السلطة هذه. وهاهى جرعة من الأفكار القليلة للأسابيع المقبلة: تذكروا تلك الأيام التى كان خلالها الرئيس العراقي صديقا لأميركا. تذكروا أن بعض الاشخاص العرب ارتكبوا جريمة فى هجوم11 سبتمبر من العام الماضى وأنهم اتوا الينا من مكان يعرف بالشرق الأوسط، مكان للظلم والإحتلال. تذكروا فلسطين. تذكروا أنه قبل سنة من الآن لم يكن أحد يتحدث عن العراق، بل فقط تحدثوا عن القاعدة واسامة بن لادن فقط. ولهذا فانا أعرض عليكم ان تتذكروا أن الشر على الرغم من قدرته على الإستقطاب إلا أنه خصم عنيد لا تهزمه القذائف الصاروخية. بقلم: روبرت فيسك عن « إندبندت »