الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 في الفصول الأولى من الكتاب الذي نناقشه هنا ينطلق المؤلف «جوزيف ناي» من واقع تجربته الميدانية، وكانت بالطبع عميقة واسعة إذ تولى منصب مساعد وزير الدفاع للولايات المتحدة، ومن ثم فهو من كبار المطلعين على الشئون العسكرية والمتضلعين في مضمارها، يقول: بوصفي مساعدا سابقا لوزير الدفاع، فأنا آخر من ينكر الدور الأساسي - المحوري للجانب العسكري في حفظ الاستقرار العالمي. وأزيد في هذا الصدد لأقول ان هذا الجانب العسكري أصبح يشكل جزءا من استجابتنا أزاء الإرهاب. هكذا يرسم المؤلف صورة الدور الذي يتصور أن يضطلع به العسكريون سواء على مستوى العالم أو على صعيد أميركا بشكل خاص مع ذلك يستدرك البروفيسور ناي في السياق نفسه ليقول : لكن لا يجوز لنا أن نوسع في أبعاد هذه الصورة بما يعمي أبصارنا عن حقيقة أن قمع الإرهاب أمر سوف يستغرق سنوات من العمل الصبور الهادئ الرصين، بما في ذلك التعاون المدني الوثيق مع البلدان الأخرى. في هذا الخصوص يضرب المؤلف مثلا أو أكثر حين يضيف قائلا: ثمة قضايا رئيسية مطروحة اليوم على جدول أعمال العالم. ومنها، مثلا : الاستقرار المالي وتهريب المخدرات وظاهرة التغير المناخي، وكل هذه القضايا لا يتحقق فيها النجاح أصلا بمجرد استخدام القوة العسكرية، بل أن اللجوء إلى تلك القوة يمكن أن يشكل أضرارا أو يصبح بمثابة سهم مارق يرتد إلى نحر الرماة. كلام الحكماء المحظوظين يحيل المؤلف إلى العبارات التي قالها الرئيس بوش - الاب وقد أصبح الرجل أو يكاد يصبح واحدا من حكماء السياسة الأميركية في الوقت الحالي وهي عبارات علق بها بوش الوالد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وعلى السلوك المطلوب إزاءها من جانب أميركا فقال: ان هذا الهجوم المباغت ( شأنه شأن هجوم مباغت آخر حدث في بيرل هاربور) لابد وأن يمحو الفكرة القائلة ان أميركا يمكنها بطريقة ما أن تمضى بمفردها على الطريق في الحرب ضد الإرهاب. على عكس ما يذهب إليه الرئيس بوش - الأب ومعه لفيف من مساعديه ومستشاريه السابقين (الجنرال سكوكروفت مثلا ) - نفاجأ، بل يفاجأ المؤلف، بالأصوات التي باتت ترتفع داعية أميركا إلى أن تتحرك.. أن تحشد ترسانات أسلحتها والا تبالي بأحد ولا تهتم بأي طرف والا تصغى إلى رأي صديق أو محايد بل عليها - بحكم قدراتها وجبروتها ـ أن تتصرف بمفردها. هؤلاء، في رأي مؤلف كتابنا، وفي رأي كثير من عقلاء المحللين، إنما يستعيدون أيام الإمبراطورية البريطانية في أوج سطوتها بل في عز طغيانها.. أيام كان شاعرها المبغض العنصري رديارد كبلنغ (1865 - 1936 ) ينادي الإمبراطورية الفيكتورية، قاهرة الشعوب والبشر والحريات. - ألا فاحكمي يا بريطانيا. وارفعي أعلامك فوق كل شبر في رقعة الأرض أو في أعالي البحار. مؤلفنا، أستاذ العلوم السياسية في هارفارد، يعتبر هذا السلوك عودة، بل نكوصا يرتد بأميركا إلى النزعة الأمبراطورية الإمبريالية المرفوضة.. ويقول في الكتاب: أي ارتداد إلى سياسة تقليدية تجاوزها الزمن حيث التركيز على انفراد السلوك وعلى نزعة الهيمنة أو السيطرة وعلى بسط السيادة على الآخرين بكل ما يصاحب هذه النزعات من صلف العنجهية المغرور، من شأنه أن يؤدي إلى تآكل القوى اللينة التي تتمتع بها أميركا ( القوى التي تجسدها أميركا كنموذج يحتذى وثقافة وسلوكيات أصبحت محط الأعجاب وقدرات على التواصل والتعاون مع الآخرين في إطار دعوة التعددية والشراكه ومراعاة وجود هؤلاء الآخرين). هذا مع العلم - يضيف مؤلفنا - ان تلك القوى اللينة أو الناعمة كثيرا ما تكون جزءاً من الحل، ومن ثم علينا في أميركا ألا نسمح بيننا وبين رؤية ( إدراك ) الأهمية المتزايدة التي باتت تتسم بها تلك القوى - القدرات اللينة (البعيدة من ثم عن مجرد ترسانة السلاح أو خزائن الاموال المودعة في مصارف الاستثمار). حكاية القوى اللينة عند هذا المنعطف من بدايات الكتاب نشعر مع القارئ الكريم، بأهمية الاستزادة من حكاية القوى اللينة - في مقابل القوى الصلبة أو الخشنة - التي يدعو المؤلف أميركا إلى عدم التفريط بها، بادئ ذي بدء ينظر المؤلف إلى أميركا بوصفها مخلوقا هائل الحجم.. غولا.. ديناصورا ماردا أو تنينا من تلك الكيانات الخرافية التي تردد ذكرها في أساطير الشعوب القديمة ويستخدم المؤلف تعبير «المارد» - وهو بالإنجليزية عن اليونانية - كولوسس، وقد سبق وقدمنا على صفحات «البيان» عرضا تحليليا لكتاب مهم حمل العنوان نفسه وكان موضوع الكتاب السابق هو جبروت أميركا في زماننا. تحت عنوان «المارد ( كولوسس) الأميركي يطرح المؤلف قضيته على النحو التالي : منذ امبراطورية الرومان وحتى الآن، لم يشهد العالم كيانا مثل أميركا يتمتع بهذه المكانة المشهودة أو التأثير البالغ. في هذا السياق يستدعى كتابنا 3 شهود على مدى تأثير هذا المارد الأميركي : (1) الشهادة الأولى إنجليزية وفيها تقول مجلة الأيكونومست البريطانية : ها هي الولايات المتحدة تذرع خطط الطول والعرض في أرجاء الكرة الأرضية بخطى مارد.. تنين خرافي.. أنها تسيطر على دنيا التجارة والأعمال والمبادلات والصفقات والاتصالات.. اقتصادها هو الأنجح في الدنيا وجبروتها العسكري لا يدانيه طرف آخر في العالم. (2) الشهادة الثانية يستدعيها المؤلف من فرنسا وفي هذا يقول هوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا عام 1999: التفوق الأميركي بات اليوم يمتد إلى ميادين الاقتصاد والعملة والمجالات العسكرية وأساليب الحياة (اليومية) واللغة ومنتوجات ثقافة الجموع أو الحشود وقد أغرق طوفانها أرجاء العالم كي تشكل أفكار الناس وتبهر كل الأطراف بمن في ذلك خصوم الولايات المتحدة أنفسهم. (3) أما الشهادة الثالثة فهي ألمانية هذه المرة..وفيها تقول صحيفة دير شبيغل : ان الرموز والشارات الأميركية هي التي تصوغ العالم ما بين كاتمندو ( نيبال في أسيا ) إلى كينشاسا ( الكونغو في أفريقيا )، وما بين القاهرة ( العربية ) إلى كاراكاس ( في البحر الكاريبي وأميركا اللاتينية ). وبهذا أصبحت العولمة تحمل شعارا يقول «صنع في الولايات المتحدة الأميركية». صحيح - يعلق المؤلف - أن أميركا بلا شك هي القوة رقم واحد في العالم.. ولكن إلى متى تستمر هذه المكانة ؟ وما الذي ينبغي أن يفعله الاميركيون من أجل المحافظة عليها ؟ اختلف المفكرون هنالك ينقسم المفكرون في أميركا: ما بين دعاة الهيمنة ممن يقولون أن سطوة أميركا ومكانة الهيمنة الذي تتمتع به قد جاءتها منقادة إليها تجرجر أذيالها كما يقول الشاعر العربي القديم بعد سقوط الإتحاد السوفييتي ومن ثم زوال خصمها ومنافسها اللدود من فوق ظهر الكرة الأرضية أصحاب هذا الاتجاه يدعون واشنطن إلى أن تمعن في سطوتها وأن تستكمل أسباب قوتها المادية - الصلبة الخشنة أو الفظة الغليظة أو كما يسمونها في كتاباتهم: - على أميركا أن تمسك دوما في يدها بمقاليد حرية العمل وانفرادية التصرف أو على حد تعبيرهم بالحرف: - أما وقد أصبحنا القوة رقم واحد.. علينا أن نرفض من بعد دور (المواطن الدولي) الطيب المطيع المهذب الدمث والظريف! من جانبه، يرفض مؤلف كتابنا هذه المقولات ثم يضيف: أن ثمة قانونا في السياسة الدولية، وربما يكون قانونا طبيعيا يقول في جوهره أنه إذا ما حققت دولة أو أمة ما قوة باهرة واصبحت أقوى من اللازم، فالذي يحدث هو أن تتكاتف الأمم والدول والشعوب الأخرى وتتراص صفوفها لكي تبني ما يوصف بأنه توازن القوى مع الدولة العظمى التي أصبحت قوتها زائدة عن الحد المعقول. أصحاب هذا الاتجاه يحيلون بدورهم إلى ما ذهب إليه مفكر هندي حين قال: - المطلوب هو مثلث استراتيجي أضلاعة الثلاثة هي: روسيا - الصين - الهند بحيث يشكل قطب التوازن الذي يعادل قوة أميركا الانفرادية التي زادت عن حدها. حتى أصدق أصدقاء أميركا يحذرون من مغبة انفرادها بمقاليد الأمور في العالم.. مرة أخرى يحيل كتابنا إلى «الأيكونومست» البريطانية، وهي - كما لا يخفى عليك - مجلة محافظة وغير متهمة بالتقدمية ولا اليسارية ومع ذلك فالمجلة الإنجليزية تقول بغير مواربة: لا سبيل إلى استمرار عالم القوة العظمى الوحيدة. وفي مدى العقدين المقبلين من الزمن ستقوم فوقه الصين ذات المليار ونصف المليار من البشر وذات الاقتصاد المتعافي في اطراد تطوره واستدامة نموه وربما ذات الحكومة السلطوية بحيث لن تتورع الصين عن ممارسة الضغط حثيثا لتحقيق مصالحها. ثم هناك روسيا.. فعاجلا أو آجلا يظهر رجل ( زعيم ) مؤتمن ينجح في جمع شتات روسيا ما بعد يلتسين وساعتها يعود إلى الظهور على المسرح الدولي منافس لأميركا لا يشق له غبار. ليس معنى هذا أن مؤلف كتابنا يوافق على تلك المقولات. صحيح أنه أكاديمي يحاول أن يكون موضوعيا، ولكنه أميركي قبل كل شيء وهو يتصور أن الهيمنة الأميركية أو على حد قوله غلبة التفوق الأميركي أمر أو ظاهرة جديرة بأن يمتد أجلها سنوات عديدة في غضون هذا القرن الحادي والعشرين.. لكن بشرط واحد يلحقه في عبارة بسيطة تقول : - أن نتعلم ( نحن الاميركيين ) كيف نستخدم قوتنا هذه على نحو حكيم ورشيد. - والحق أن متابعة صعود وانحدار الدول والممالك - دع عنك الكيانات العظمى والإمبراطوريات - أمر ليس بالسهل ولا الميسور : يلفت النظر مثلا كيف كتب مفكر أميركي اسمه «هنري لوس» يقول: ان القرن العشرين سيكون قرنا أميركيا. كان ذلك - بالمناسبة - في فبراير عام 1941. وبعد نحو 40 عاما من تلك النبوءة - في الثمانينيات بالذات - جاءت جمهرة من المؤرخين والمحللين لتقول أن « لوس» اياه كان بعيدا عن الصواب أو كان أقرب إلى التفاؤل اللذيذ. والموهوم أيضا: وكان السبب - كما يقول مؤلف كتابنا - هو «عقدة فيتنام »: الدرس المرير الذي تلقته أميركا - على الرغم من قوتها وجبروتها العسكري، بل وخروجها زعيمة لمعسكر الغرب الأطلسي بعد الحرب الكونية الثانية - وكان درسا لطخ سمعة أميركا في أحراش جنوب شرقي آسيا وعلى يد شعب مناضل من فلاحي آسيا الفقراء.. وقد أضيف إلى الدرس الفيتنامي - مع الثمانينيات - أدواء أخرى أصابت البنية الأميركية : تباطؤ في نمو الاقتصاد وتوسع إلى حد التورم في مسئوليات أميركا الدولية إبان مرحلة تنافسها مع الكرملين خلال الحرب الباردة يومها.. في عام 1985.. تساءل أحد ألمع الاقتصاديين الأميركيين هو « ليستر ثرو» ( وقد نشرت له «البيان» درسات عديدة ) فقال ما معناه: لقد عاشت روما ألف عام كجمهورية وإمبراطورية، فلماذا تتسرب الامور من ايدينا بعد خمسين سنة لا أكثر ؟ يومها - منذ عقدين تقريبا من زماننا - زادت وانتشرت الكتابات التي تمعن في «تأبين الكيان الأميركي» وكان لهذه الكيانات تأثيرها على الأميركيين حتى ليقول استطلاع للرأي العام أجرى عام 1988 بأن نصف الأميركان وافقوا على أن بلدهم كان يعيش - يعاني - حالة من الانكماش أو التقلص من حيث القدرة والقوة والمكانة على حد سواء. لكن، فات هؤلاء جميعا أن آلة الزمن الجميل أو التطورات الرحيمة كانت تخبئ لأميركا مفاجأة سارة، نقلتها من حال إلى حال هذه المفاجأة - الهدية يطلق عليها مؤلفنا تسمية خاصة هي: الثورة الصناعية، الثالثة هي ببساطة ثورة المعلومات، كانت أداتها هي الحاسوب ( الكمبيوتر ) وكان ميدانها هو شبكة الإنترنت وكان مضمارها هو كرة الأرض بأسرها، وكانت ثمرتها الأولى اسمها العولمة وتجمعت هذه الخيوط جميعها بيد أميركا لتعطيها فرصتها الجديدة أو على حد تعبير مؤلفنا لتهيئ لأميركا قرنا جديدا واعدا بأسباب قوة مجددة دفعت بسفينة أميركا إلى الأمام. هنا يطرح السؤال المهم نفسه: - ما هي مصادر هذه القوة الأميركية؟ في هذا المجال يفتح مؤلفنا، جوزيف ناي صفحات تصل التاريخ بالواقع: يوضح أولا أن العرف التاريخي جرى على اعتبار أن أول أسباب قوة الدول والأمم كان هو القوة العسكرية أو بالتحديد القدرة على خوض الحرب في ساحات الوغى، حيث كانت الحرب منذ فجر التاريخ وربما حتى القرن الماضي هي «اللعبة النهائية التي كانت تطرح على طاولتها جميع أوراق اللعب في السياسة الدولية» وبين التعبئة إلى القتال، ومن القتال إلى الغزو ومن الغزو إلى الضم والاستيلاء تكونت ثروات الدول وكيانات الامبراطوريات. ولأن دوام الحال هو - بداهة - من المحال، فقد انقضى هذا كله وتحولت أسس وركائز القوة - كما يقول المؤلف - من حيث التركيز على القوة العسكرية وعلى ثمار الغزو وهي القوى الصلبة - الغليظة والبالغة الخشونة، إلى حيث التركيز على نوعية مستجدة تماما من أسباب المنعة للدول والشعوب وهي القوى الناعمة، اللينة أو اللامادية. هذه التحولات - يضيف المؤلف - لم تأت عفوا ولا بمحض صدفة تاريخية. ولكن كان لها أسبابها الرئيسية والأصيلة.