الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 عملية الجيش الاسرائيلي في «المقاطعة» تبدو كرد فعل غاضب أكثر مما هو خطوة مدروسة وموزونة. الأجواء في جلسة الحكومة الاسرائيلية، مؤخراً، حيث تمت المصادقة على العملية كانت مشبعة بالحماس والغلواء فعلا، الوزراء انجروا وراء خط العملية الذي اقترحه ارييل شارون وقبلوا رأيه بأن هناك لحظات يتوجب فيها التحرك والمبادرة وتغيير وضع عرفات من معزول عمليا الى معزول قانونيا ورسميا واغلاق مكاتب سري ارنسيبة نسيبة في القدس بهذه المناسبة. يتوجب تفهم الحالة المزاجية التي سادت في الحكومة الاسرائيلية على خلفية الاحباط الذي تسببت فيه الاعمال الفلسطينية التي جرت مؤخرا، حتى ما قبل خمسة ايام تجول رئيس الحكومة والوزراء مع شعور بأن الضغط العسكري الاسرائيلي الممارس على مدن الضفة هو الوسيلة الصحيحة فعلا لدحر العنف الفلسطيني. حديثهم كان حديث النصر وعدالة الطريق وصدقه. كما بدا لهم ان التغيير والتأثير المنشود قد جاءا، استسلام فلسطيني واستبدال لعرفات. ولكن جاءت سلسلة العمليات الفلسطينية الأخيرة فلطمتهم على وجوههم: ذلك أن منفذي العمليات لم يختفوا، وكل ما حدث هو انهم أخذوا اجازة لتنظيم صفوفهم وترتيب اوضاعهم. جهاز الدفاع الاسرائيلي قدم العلة والتفسير لخطوة المس بعرفات تحديدا وليس بقادة حماس الذين هم العامل الأساسي الذي يحرك العمليات الفلسطينية. رئيس هيئة الاركان ورئيس جهاز الشاباك ومنسق العمليات في المناطق تنبأوا بلغة واحدة: الزعيم الفلسطيني ما زال المنسق الأعلى للعمليات، وهي تجري بايحاء منه، كما انه هو الذي يرسل الاموال لتمويل هذه العمليات. وعندما طرح خلال المداولات سؤال: لماذا لا تقوم اسرائيل بالتركيز على قادة حماس؟ ردوا بأن قوات الامن ستسير في هذا الاتجاه ايضا اذا تواصلت العمليات الفلسطينية. الهدف في الوقت الحالي - أي عزل عرفات واهانته - كان هدفا متوفرا ومتاحا، ولذلك وقع الاختيار عليه. ولم تسمع اعتراضات تقريبا على اقتراح شارون في جلسة المجلس الوزاري. ولم تجر عملية تصويت، وتم اجمال النقاش من خلال التصريح بأن الجيش الاسرائيلي قد حصل على المصادقة من دون معارضة. وبذلك ابتلعت الملاحظات المتحفظة التي صدرت عن اثنين - ثلاثة وزراء (روني ميلو، ودان مريدور، وشمعون بيريز). بنيامين بن اليعازر أيد رئيس الحكومة بصورة كاملة، فرد عليه الاخير بالثناء القوي وتوجيه المديح له (الى ان اقترح الوزير نسيم دهان تطبيق السرية التي تفرض على مداولات الحكومة على هذه العبارات المتبادلة).الحكومة الاسرائيلية تتوقع عمليا ان تتمخض عملية الجيش الاسرائيلي في «المقاطعة» عن تحويل حياة عرفات الى وضع لا يطاق لدرجة تقدمه بطلب بالخروج من المناطق. الا ان هذه العملية لم تأخذ بالحسبان ان هذا القرار قد يعيده الى صورة الزعيم المعذب والمضطهد مرة اخرى. الحكومة الاسرائيلية تأمل ايضا بأن يقوم مساعدوه البارزون الذين تنسب اليهم قيادة العمليات، بتسليم انفسهم. فقد تم اقناعها بأن العبرة والدرس قد استوعبا من المحاولات السابقة للقبض على المطلوبين المحاصرين (في المقاطعة وفي كنيسة المهد). وانها لن تتورط في هذه المرة في ضغط دولي يضطرها للتوصل الى تسوية. شارون الذي تحدث مرارا عن والدته التي علمته عدم الثقة بالعرب، قدم ثلاثة تنازلات خلال المشاورات، أولا تراجع عن عزمه توجيه الأوامر للجيش الاسرائيلي بالقاء القبض على المطلوبين بالقوة، ووافق على وجوب عدم التصادم مع عرفات جسديا، وأخيرا وافق على حذف كلمة التام من القرار الأصلي القائل ان عملية جيش الدفاع تهدف الى عزل عرفات التام.الحكومة الاسرائيلية اختارت تركيز جهود الجيش في ايجاد وضع يزيد من احتمالية استبدال عرفات (شارون قال في احدى المداولات: لقد آن الأوان بأن لا نكتفي بالاحاديث حول استبدال القيادة، والواجب الآن التسبب في هذا التغيير) حتى يقتنع العالم والفلسطينيون الذين يزمعون خوض الانتخابات بأن هذا الشخص غير ملائم لأي حوار مع اسرائيل. حكومة اسرائيل تجاهلت بذلك مرة اخرى جذور الصراع وسعت الى ابعاد الأنظار عن الفرصة التي فوتتها في الشهر الاخير في عرض دافع ومحفز سياسي للفلسطينيين لحل هذا الصراع. بقلم: عوزي بنزيمان عن «هآرتس»