الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 مر عام كامل على احداث 11 سبتمبر، انجزت الولايات المتحدة خلاله تقدما في الحرب على الارهاب، فلقد اطيح بنظام طالبان، ونجحت الولايات المتحدة إلى أمد بعيد في تمزيق تنظيم القاعدة، وإن كانت لاتزال بعيدة من تدميره. وبالرد بصورة شديدة ومركزة، احبطت الهدف الذي يسعى اليه اسامة بن لادن: وهو استثارة رد أميركي مشوش يزيد في تباعد الولايات المتحدة والعالم الاسلامي ويساعد في اسقاط الانظمة من باكستان آلى الشرق الأوسط. وبغض النظر عن الجدل الدائر الآن حول قضية العراق، فإن الأولوية يجب ان تبقى لمحاربة المتشددين، باعتقادي. وسيتضمن ذلك القيام بضربات عسكرية موجهة عند الضرورة، وتكثيف التعاون الاستخباراتي والامني والدبلوماسي، عندما يكون ذلك ممكنا. ان قدرة اميركا على الاحتلال في الحرب ضد الارهاب لا تقل شأنا عن قوتها الحربية.لكن الرؤية الخارجية لاتقل اهمية ايضا عن التركيز الصارم في هذه الحرب. فإذا كان في شأن سلوكنا في العالم ان يعزل الولايات المتحدة، بدلا من ان يعزل المتطرفين، واذا كان سعينا وراء النصر سيأتي على حساب اولويات اخرى، فاننا نحن الشعب الاميركي، قد لا نجد انفسنا في مأمن اكثر من ذي قبل.لقد كشفت احداث 11 سبتمبر عن مواضع ضعف الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته اظهرت اعتمادنا المتبادل. حتى مانهاتن ليست جزيرة، فما يحدث وراء حدودنا يمكن ان يؤثر بصورة مباشرة على حياتنا ورفاهنا. لا نستطيع ان ننأى بأنفسنا عن العالم، لأن العالم لا يستطيع ان ينأى بنفسه عنا. وفيما نحن ماضون في استخدام القوة لحماية انفسنا من الارهابيين والمعتدين الذين يهددون مصالحنا، علينا ان نتقدم بالزم نفسه للتعامل مع التهديدات الاخرى التي تواجه الرفاه المشترك للعالم.ان استخدام قوتنا للمساعدة في بناء عالم اقل مرارة وانقساما هو ضرورة اساسية لأمننا القومي، ليس فقط لان ذلك هو الصواب في وجهة نظر اخلاقيا، بل لانه يتحدى اولئك الذين يثيرون الغضب ضد اميركا التي يعتبرونها منهمكة في شئونها الذاتية. وسوف تتعزز الحرب ضد الارهاب لو تبنينا اجندة اوسع نطاقاً، لا يحددها فقط ما نحن ضده، بل ايضا ما نحن معه. ما هي بعض عناصر تلك الاجندة الاوسع؟ أولا، يجب علينا ان نقود جهدا عارما لمنع انتشار اخطر الاسلحة في العالم. وفوق القضايا المتعلقة بالتعامل مع العراق، علينا ان نقوي معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية وميثاق الاسلحة الكيماوية وان نضع وزننا في ـ بدلا من ان ننأى بأنفسنا عن ـ معاهدة الحظر الشامل لاختبارات الاسلحة النووية وبروتوكول الاسلحة البيولوجية. علينا ان ندعم بكل السبل تعهد مجموعة الثماني دول الصناعية الكبرى بالاسهام بمبلغ عشرين مليار دولار على مدى العقد المقبل من اجل ضمانه أمن وسلامة الاسلحة والمواد النووية في انحاء العالم. وعلينا ان نقوي دفاعاتنا الوطنية في مواجهة الاعداء المبهمين على نحو خاص. وكلما كنا اكثر استعدادا وجاهزية للكشف عن التعامل مع الهجمات الغادرة الماكرة، كلما انخفض احتمال مواجهتنا لها. ثانيا، يجب على الولايات المتحدة استخدام نفوذها لتهدئة، اذا لم نقل لتسوية، الصراعات المستديمة من البلقان الى شبه الجزيرة الكورية وجنوب اسيا. ويبقى التحدي المهيمن هو الشرق الاوسط، حيث تلعب الولايات المتحدة دورا حاسما، باعتراف كل الرؤساء الأميركيين منذ ريتشارد نيكسون.بعد قرابة العامين من اراقة الدماء، لن يكون هناك اختراق مفاجيء للصراع لكن وحدها الولايات المتحدة تستطيع ان توجد فرصة في حالة الانهاك التي اصابت الجميع، بتنسيق خطوات متبادلة يمكنها المساعدة في كسر قبضة الموت، اسرائيل سوف تفعل ما تراه ضروريا لحماية نفسها. لكن بمقدور القيادة الاميركية تغيير فيزياء الحالة بحيث يتم تحفيز اولئك الفلسطينيين الذين يسعون لانجاز التغييرات الضرورية في القيادة والمنحى من خلال وضعهم في صورة ما سيكسبونه اذا ما تخلوا عن العنف واحترموا وجود اسرائيل. ثالثا، علينا ان نضطلع بدور طليعي في التعامل مع الازمة في الاسواق الناشئة. وهذا ليس بالامر السهل. فالمعتقد التقليدي الذي ساد في الثمانينيات والتسعينيات يقول بضرورة فتح الاسواق والاستثمارات والاستعانة بالدعم الخارجي والانضباط في اوقات الازمات. لكن هذه الوصفة لم تعط نتائج مضمونة في افضل احوالها. فالتجارة والاستثمارات المفتوحة اساسية جدا للنمو لكنها غير كافية. ولذلك علينا ان نكون في طليعة الأمم الثرية في تحرير ديون البلدان الفقيرة واستثمار المدخرات في شعوبها. ولذلك ايضا علينا ان نعطي اولوية دولية لتقليص العوائق المفروضة على الواردات في البلدان الافقر والتعامل مع ازمة مشكلات التعليم والصحة العامة ووباء الايدز الفتاك على المستوى العالمي. علينا ان نسد الفجوة بين ما ينفق وما هو لازم لحماية العالم في ان يكون منقسما على نحو عنيف ومرير بعد جيل من الآن. رابعا، يجب ان نواصل سعينا لدمج روسيا والصين في المجتمع الدولي. يوجد فرص تاريخية الآن لكن لا يمكن التكهن بالمستقبل مسبقاً. تشكل الصين جزءا من اقدم تجربة اقتصادية في التاريخ البشري. فهل تستطيع ايضا ان تطور حكم القانون والتعددية الضرورية لتوزيع خسائر وفوائد التغيير بطريقة سلمية وهادئة؟ لدى روسيا رئيس يفهم ضعفها وماض في تحديثها. لكن هل ستكون الحاجة للنظام على حساب المعارضة؟ هل سيأتي توسع روسيا الاقتصادي على حساب جاراتها؟ بالطبع فان هذه القضايا سيتم تسويتها من قبل الصينيين والروس انفسهم. لكن موقفنا يلعب دوراً ايضا، فإما ان نكون محترمين واصحاب مباديء أو ان نكون أنانيين نخدم مصالحنا الذاتية. خامسا، علينا ان نتحرك اليوم لحماية البيئة التي سنخلفها وراءنا للأجيال المستقبلية. نحن نعلم ان حرارة الارض السطحية في ارتفاع. ومنذ عام 1990 شهد العالم تسعا من اسخن عشر سنوات في تاريخ الطقس المسجل. واذا كانت معاهدة كيوتو يشوبها خلل ما، علينا استخدام نفوذنا لصالحها، بدل ان ننأى بأنفسنا عنها. فالموجة العارمة سوف تفرق كل القوارب.والنهوض لهذه التحديات يعتمد على ما اذا كانت اميركا ستلعب دوراً طليعياً، وكيف ستلعبه. علينا ان ننتصر في حملتنا ضد الارهاب. لكن لا يمكننا أن نسم كل التهديدات بطابع الارهاب، ولا يمكننا ان نعتبر الارهاب الخطر الوحيد الذي يهددنا. اذا استخدمنا قوتنا لحماية انفسنا فقط، وبأسلوب ينم عن اعتقادنا بأننا اقوم اخلاقا من الاخرين، فإن ذلك سيؤجج نيران الاستياء في حولنا. وفي المقابل اذا استخدمنا قوتنا في جهود تعاونية لتعزيز رفاهنا المشترك، فإن مكافأتنا لن تكون فقط في العيش في عالم افضل وأكثر سلاماً، بل ايضا في تعزيز نفوذنا وسلطتنا في هذا العالم. بقلم: صمويل بيرجر ترجمة: علي محمد ـ المستشار السابق للرئيس الأميركي لشئون الأمن القومي عن «فايننشيال تايمز»