الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 الحادي عشر من سبتمبر، شأن السابع من ديسمبر 1941 هو «يوم سيظل مكللاً بالعار» حسب التعبير الشهير، لكن اذا كانت كلمات الرئيس فرانكلين روزفلت هذه نداء من اجل المشاركة في الحرب ضد «محور الشر» الحقيقي الذي مثلته كل من روما وبرلين وطوكيو، فإن اقل ما يقال عن حملة جورج بوش ضد «محور الشر» الخاص به (بيونج يانج، طهران، بغداد) هو انها حملة انتقائية (ألا توجد دول شريرة اخرى في العالم؟)، كما انها ذات طابع يعكس ثنائية الصراع بين الشر وإله الخير ـ (من ليس معنا فهو ضدنا، بدون درجات لونية اخرى) وهي ضبابية كذلك (عادة لا يتجسد «الارهاب» في دول قومية وليس له وجه ولا علم ولا جيش له هوية محددة، واحياناً فإنه لا يعدو كونه عملاً فردياً مثل ذلك الذي اقترفه تيموثي ماكفي في اوكلاهوما). او ان شيئاً سيئاً بشكل رهيب يدور في هذا التعريف الجديد لـ «محور الشر» ذلك انه مسهب ومغلوط ويميل الى تأويلات متقلبة الاطوار، حيث تغفل مسألة ان الارهاب بالدرجة الاساسية ليس تجربة تخص الولايات المتحدة وحدها، اعتباراً من الحادي عشر من سبتمبر فلقد تعرضت ايرلندا واسبانيا للارهاب طوال سنوات بكاملها وكذلك المانيا (جماعة بادر ماينهوف) وايطاليا (الألوية الحمراء) بالاضافة الى ارهاب الدولة الذي مورس في اميركا اللاتينية، والذي لاقى دعماً من الولايات المتحدة نفسها في كل من جواتيمالا والسلفادور وتشيلي والارجنتين.وهكذا يبرز الخطر امام ابتذال مفهوم «الارهاب» نفسه والتعامل السوقي معه لكن ايضاً بتحويله الى حجة ملائمة على الرغم من انها في تبدل دائم بالنسبة للنشاطات احادية الجانب التي تمارسها الولايات المتحدة فإذا استاءت واشنطن من بلد او حكومة ما فإنها تتهمها بالارهاب على الفور، بحيث يمكن لكلمة الارهاب ان تغدو مبتذلة حتى تفقد كل معنى، وتتحول الى ورقة لعب يلعبها اللاعب كما يشاء في لعبة «البوكر» العالمية وهذا ما يتمناه الارهابيون بشدة، اي ان يتنكر اعداؤهم في زيهم.ويؤدي كل هذا الى مخاطر عدة اولها ان المؤسسات المقامة من اجل الاستجابة الشرعية للمشكلات العالمية ملغاة بفعل ارادة الولايات المتحدة احادية الجانب فلقد قالته كوندوليزا رايس التي تعد ليدي ماكبث في ادارة بوش بصورة حرفية تقوم السياسة الخارجية للولايات المتحدة على المصالح القومية الاميركية والقانون الدولي بالكاد هو رؤية طوباوية يمكن تجاهلها.لقد استحضرت هنا بالذات المثال الاكثر لفتاً للانتباه على هذا السلوك، واعني رفض الولايات المتحدة للمحكمة الجنائية الدولية وبذلك يكون البيت الابيض، مقروناً بسيادته الشاملة، قد عاد ليرفض من جديد هيئة دولية من الممكن ان تشكل سلاحاً ضد الارهاب الذي تدينه الولايات المتحدة بقدر كبير من الحماس يقول مثل غريب: اقطع انفك كي تشتم وجهك! الخطر الثاني هو انه باسم المعركة ضد الارهاب، تستخف الولايات المتحدة بالحقوق المدنية داخل اراضيها نفسها وهذا اكثر ما يرغب به فوشيه الاميركي (كي نستمر بالمقارنات التاريخية) جون اشكروفت مكلف بتفويض قضائي ـ محاكم عسكرية سرية، الغاء هيئات المحلفين، مشبوهين معتقلين بدون مراسم او محامي الدفاع والغاء لحق الاستئناف وفي النهاية انشاء هيئة من الواشين اطلق عليها «عملية الوشاية» والتي ستوفر عشرين مخبراً لكل مئة مواطن (اي اكثر من جهاز «ستاسي» في ألمانيا الشرقية).ان اقل ما يقال عن مقترحات «المفوض» اشكروفت انها فضائحية وغير أخلاقية وغير قانونية ولا تأتي الا بعكس المراد منها فليس هناك من دفاع ضد الارهاب افضل من دولة القانون وممارسة الحريات العامة أليس من الأجدر بأشكروفت ان يركز على تحسين سير عمل الوكالات القائمة مثل الـ «إف بي آي» و«سي آي إيه»، التي اخفقت في مهمتها قبل الحادي عشر من سبتمبر؟والخطر الثالث هو ان الاحادية الاميركية، التي تتعلل بالارهاب والحق والتفوق الشامل، تتناقض مع اصدقاء وحلفاء حارمة ادارة واشنطن من حوار وافكار اختيارية وشعور تحالف لا يمكن ان يقدمها أي كلب صغير. لكن الخطر الرابع والاكثر جسامة من بينها جميعاً هو ان تغيير الأولويات بعد الحادي عشر من سبتمبر يضع في ذيل القائمة تلك الموضوعات التي تخدم الارهاب كمساحة للاستنبات، وهي الفقر والظلم والتمييز والانعزالية الثقافية والدينية.اما الوسط البيئي وحقوق الأقليات والتجديد الحضري والتعاون الاقتصادي والجلبة العالمية بسبب التعليم فإنها تنتقل جميعها الى المرتبة الثانية او الثالثة. والسؤال الذي يطرح نفسه في ظروف مثل هذه هو: هل يمكن لأمة مستقلة ان تكون صديقة للولايات المتحدة اذا كانت هذه لا تعير انتباهاً لأي وجهة نظر اخرى غير وجهة نظرها؟ ان ادارة بوش تعي ان الاحتقار الذي تبديه حيال الحق والمنظمات العالمية وكذلك حيال الدبلوماسية والحكومات التي تنتقد وتختلف معها، من الممكن ان يقودها ـ وهو يقودها فعلاً ـ الى اقصى حدود خطر عزلة كفيلة بتحويل الولايات المتحدة الى الهدف الاسهل والاكثر اغراء بالنسبة للارهابيين انفسهم الذين يقول بوش انه يحاربهم؟ أليست رئاسة بوش تمضي بصورة عمياء عالمياً وبالقدر نفسه قادرة على وضع مصالحها الانتخابية على المدى القصير فوق العقلانية الشاملة على المدى الطويل؟ ألا تحضرنا في هذا السياق نداءات ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي، الميالة الى الحرب بشكل مفرط بهدف اخفاء شواهد محتملة وتحقيقات حول ادارته لشركة «هالبرتون» النفطية، احدى الشركات الاخرى التي تحوم حولها الشكوك بعد حالتي «انرون» و«ووردكوم». الا تحضرنا ايضاً الفضائح التي تواجه بها عائلة بوش بالطريقة نفسها مع بوش الابن وجنوده الخزفيين الصينيين الصغار ورجاله تشيني، اشكروفت، رامسفيلد، بيرلي، الذين لم يواجهوا الشظايا مطلقاً، معارضاً بذلك نصائح بوش الاب ومستشاريه المجربين في ميادين معارك حقيقية ـ باول وشوارتزكوف ـ او الواعين لعواقب عمل عسكري بدون دعم دبلوماسي او قواعد شرعية ـ بيكر، وسكوكروفت؟ لا حاجة لأن يكون المرء فون كلاوزفتير كي يحسب تأثيرات عمل غير مسئول ضد صدام حسين، المحافظ عليه والمسلح في السلطة طوال سنوات بفضل الولايات المتحدة نفسها، بينما سوف يشتد النزاع الهندي ـ الباكستاني وسيؤدي الى تأثيرات لا تحصى على جارتهما افغانستان كما سيندلع اكثر من اي وقت مضى لهيب النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني اما النظم الاستبدادية في الشرق الاوسط فإنها سوف تنكث بوعدها تحت ضغط ثلاثية معارضة واشنطن، التنازل امام الغالبية المسلمة او تكنيسهم من قبل تلك الغالبية محدثة فراغاً استراتيجياً في المنطقة النفطية الاغنى في العالم وبالنسبة لايران التي ضمها بوش الى «محور الشر» فإنها سوف تشهد توقفاً لمسيرة التحديث فيها. لقد اوجدت سياسة بوش ورفاقه التقسيم الأكبر بين واشنطن واصدقائها منذ أن وجد تحالف الاطلسي، وإن الاحادية التي تفخر بها السيدة كوندوليزا ما هي إلا اهانة جسيمة بالنسبة للدول الكبرى ـ كندا فرنسا، ألمانيا، بريطانيا العظمى، اسبانيا، ايطاليا، اليابان ـ وقد قلصت ادوارها لتأخذ دور الممثلين الصامتين: «معنا أو ضدنا». ومع ذلك كان هيرمان تيرتسش قد كتب عن يقين ان تحالف الاطلسي يتسع. وبالمناسبة هل يملك صدام حسين حقا الاسلحة المرعبة التي يعزوها اليه بوش والتي مازالت بدون دليل حتى الآن/ وألن يحصل الطاغية العراقي على فرصة افضل للسهر على هذا السر في حال اكتسحت بلاده. وإذا كان لا يملك الاسلحة والولايات المتحدة تفتقر للبراهين، هل تضحي بحياة الأبرياء والحلفاء. وفي حال كان يملكها فعلا، هل يفكر بتوظيفها؟ لقد كتب المؤرخ آرثر شليزنجر ان الرئيس العراقي لا تهمه فكرة الانتحار، لكنه من الممكن ان «ينحر» العالم في معرض رده على الاجتياح الاميركي الذي يعتبره شليزنجر لا اخلاقيا وغير مناسب فإذا كان الرئيس العراقي سيموت يوما ما فلم العجلة في القضاء عليه الآن بالذات؟ كما كتب شليزنجر ايضا ان الحرب الوقائية غير قانونية ولا اخلاقية. واليابان استخدمتها في «بيرل هابرر» ضد الولايات المتحدة واستبعدها الرئيس كيندي خلال ازمة الصواريخ الكوبية حين فضل المفاوضات الرادعة. وحافظت فكرة رفض الحرب الوقائية على السلم العالمي طوال نصف القرن الذي استمرت خلاله الحرب الباردة. في هذه اللحظات الحرجة، اكرر ثقتي في التقليد الديمقراطي العميق للولايات المتحدة وايماني في ان الاصوات الكثيرة، التي تفضل الشرعية والمنطق كأفضل وسيلتي دفاع عن الأمن، سوف تسود في نهاية المطاف. اني اسمع وافكر في رجال دولة مثل بيل كلينتون وجوزيف بيدن وتيد كيندي وريتشارد لوغار وجورج ميتشيل وجون كيري وتوم داشل وكريستوفر دود وباتريك ليهي. فوطنية هؤلاء بعيدة عن الشك لكنهم ايضا ملتصقون بالمنطقية السياسية والحق العالمي وذلك بالتعارض مع الغطرسة الاحادية التي تعزل الولايات المتحدة وتتركها مهجورة ويمكن النيل منها امام اعدائها الارهابيين. بقلم: كارلوس فونتيس ترجمة: باسل ابو حمدة عن «ريفورما» ـ المكسيك الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |