الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 لقد شهدنا فيلم الرعب هذا ونحن لا نحن اليه، لا للباصات المتفحمة ولا للضحايا النازفين ولا للدبابات التي تحيط بالمقاطعة. يومان متواصلان من العمليات الفتاكة قطعت الاجازة الصيفية من العنف. وعاد الرعب الى سابق عهده. الهدوء المؤقت كان منذ البداية ليس مجرد مسألة قوة وعقل، بل مسألة حظ مثلما تدل الحالات الكثيرة لشبه العمليات التي احبطت، سواء بالحيلة أو بالمعجزة. لم تكف المنظمات الفلسطينية عن بذل جهودها، ونجاحها كان مسألة وقت ليس إلا. مع ذلك فان الهدوء اللحظي خلق وهما لذيذا تبدد الان على ضوء الواقع المر. الانباء عن انتصار اسرائيل في المعركة ربما كانت سابقة لاوانها. صحيح ان المجتمع الفلسطيني يبدي علامات تعب وتظهر في قيادته بوادر عدم الثقة بياسر عرفات. ولكن في الوقت نفسه فان تراجع الشعبية يحلق في عنان السماء، ولا تزال المنظمات الفلسطينية تتنافس على الرأي العام بواسطة قتل اكبر قدر من الاسرائيليين. ربما تتفكك السلطة الفلسطينية. ولكن تحتل مكانها الان سلطة الفوضى. طالب رئيس الحكومة الاسرائيلية باتخاذ «الخطوة الكبيرة» وهي ابعاد عرفات، سواء كتعبير عن الانفعال العاطفي او كتسريب ساخر يهدف الى التملق لانصار الليكود. بعد ان هدأ روعه، وعلى ضوء موقف اجهزة الامن اكتفت الحكومة الاسرائيلية بقرار اعادة شد الحبل حول عنق عرفات، على أمل ـ أمل عدد من الوزراء على الاقل ـ ان يكون هذا الضغط، هذه المرة، كافيا لان يختنق الرئيس الفلسطيني.ولكن الهجوم الاميركي على العراق يلقي بظلال ثقيلة على الاعتبارات، كذلك اعتبارات شارون، حيث رغم تعاطفهم الصادق مع اسرائيل ونفورهم العميق من عرفات الا ان الاميركيين ليسوا بحاجة الان الى خطوة مأساوية في المقاطعة تصرف الانتباه عن الصورة الكبيرة وتثير غضب العالم العربي ضد اسرائيل وضد الولايات المتحدة. بالضبط للاسباب نفسها التي تحاول فيها اميركا ابطال مفعول القنبلة الموقوتة لمياه الحاصباني، ستناشد شارون الحفاظ على قوة منخفضة ضد الفلسطينيين وعدم تحطيم الادوات.ستطالب اسرائيل بتسليم حوالي 20 مطلوبا يختبئون في المقاطعة من منطلق التوجه لاضعاف عرفات الى درجة ان ينهار بنفسه تحت وطأة الضغط. وفي الوقت نفسه يجب ان نذكر اننا كنا هنا، وان عزل عرفات المهين قد يهيج المشاعر في الشارع الفلسطيني وان يوفر حوافز اخرى ـ لتنفيذ عمليات جديدة وربما تقوية الدعم بالرئيس الذي يثير النفور. يدعي نقاد شارون من اليسار انه لم يحاول ابدا استغلال الهدنة الاخيرة من اجل دفع خطوة سياسية مع الفلسطينيين على الرغم من ان شارون يقول، في مباحثات خاصة، وبدون الافصاح عن المزيد من التفاصيل، انه يعمل من اجل ذلك بقوة. ولكن على الاقل طالما ان عرفات في المنطقة فان الحوار السياسي يعتبر، في مكتب رئيس الحكومة وهيئة الاركان كضعف والرد الوحيد هو المزيد من القوة.استئناف العمليات ـ سييء لشارون سياسيا، سييء لاسرائيل اقتصاديا ويؤثر جدا على المزاج العام. سيبذل شارون اذن كل جهد في الايام الاخيرة من اجل كسر موجة الارهاب المتجدد، على الرغم من انه يجب الاخذ بعين الاعتبار، خاصة لدى شارون، ان هذه ليست هي المرة الاولى التي يحاول بها. والنتائج حتى الان معروفة. وتحت عنوان في الطريق الى الابعاد كتب مراسل الصحيفة يوآب ليمور يقول انه حتى وقت قريب لاحق الشاباك 40 خلية فلسطينية تخطط لتنفيذ عمليات على المدى الاني. وفي اكثر من 10 حالات كان الحديث يدور عن تحذيرات فورية: ربط الخطط مع الوسائل القتالية والاشخاص الذين ينتظرون فرصة العمل. الاستنتاج واضح: العملية المقبلة هي مسألة وقت. يتضح من التحقيق مع المطلوبين، الذي جرى في الايام الاخيرة، اضافة الى معلومات استخبارية، ان الفلسطينيين استطاعوا فهم نمط عمل الجيش الاسرائيلي في المناطق والرد وفقا لذلك. يكفيهم نافذة فرص صغيرة، من عدة ساعات، من اللحظة التي يرفع فيها منع التجول وحتى ارسال الاستشهادي. الامر الذي يضع اسرائيل امام خيار مستحيل بين خنق السكان الفلسطينيين (السكان في نابلس خاضعون منذ عشرة ايام على التوالي تحت منع تجول كامل بدون غذاء طازج) وبين تعريض السكان الاسرائيليين للخطر.في محاولة لكسر دائرة الرعب والدم عادت اسرائيل مؤخراً الى الحل المعروف الذي تم تجريبه في السابق بدون نجاح حقيقي، وهو السيطرة على المقاطعة في رام، الله ـ بصورة رسمية تطالب اسرائيل بتسليم توفيق الطيراوي وقائد قوة 17 محمد ضمرة وعدد من رجالهما المختبئين معهما ولكن وراء الكواليس يدور الحديث ثانية، واكثر من أي وقت مضى عن ابعاد عرفات.حتى وقت قريب اقتنع ارييل شارون من تحفظ قادة اجهزة الامن من الخطوة، ربما ايضا خوفا من ان يؤدي الابعاد الى استقالة بنيامين بن اليعازر وتفكيك حكومة الوحدة. ولكن تولد الانطباع لدى عدد من محاوريه ان الحديث يدور عن اقتناع مؤقت، وتعزيزا لهذا الادعاء ابلغوا عن الاوامر لجاهزية تنفيذية صدرت للوحدة التي خرجت الى الميدان. وحسب تقديراتهم، سيؤجل التصريح الى اللحظة المناسبة المتوقعة في العملية التالية. حينها تصدر الاشارة للعملية، التي حذرت اوساط عسكرية من انه ليس بمقدورهم الالتزام بمطلب ان تنفذ بدون ثمن من جانبنا وجانبهم.قال مصدر أمني كبير مؤخراً ان مفتاح مستقبل عرفات موجود في جيب المنظمات الفلسطينية التي تواصل رفض كل حل. احداث اليومين الاخيرين دلت على حماسها في العمل، ومؤخراً ارسلت حماس والجهاد الاسلامي بالتزامن، استشهاديين لاسرائيل. بعد الانفجار في ام الفحم سارعت حماس بتبني المسئولية فقط من اجل اظهار ان هذا هو الانتحاري الذي ارسلته منظمة الجهاد. وبعد العملية في تل ابيب تبنى الجهاد مسئولية العملية التي نفذتها حماس. المعنى من ذلك، قال المصدر، واضح: عرفات يجب ان يقرر والان: إما مكافحة المنظمات او انتظار عملية ستكون ابعادها واضحة. بقلم: جيمي شليف عن «معاريف» الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |