السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 تتمثل المهمة الاولى لأي جهاز مخابرات في تحديد مكامن الخطر المحتملة، ومكامن الخطر هذه تعتبر تقليديا عند الدول العربية قابعة داخل حدود الدولة المعنية حيث يخضع الثوريون والمتشددون والضباط العسكريون الطموحون الذين يخططون للاستيلاء على السلطة يخضعون للمراقبة الدائمة والاعتقال بين الحين والاخر من قبل اجهزة الأمن الداخلي، اي المخابرات. والامر سيان في غالبية الدول العربية فخبرات اجهزة المخابرات وامكاناتها مركزة دوما على المعارضة الداخلية. وفيما نجد دولة مثل الولايات المتحدة تراقب بهوس المشروعات العسكرية العراقية او طموحات اطراف اقليمية في غربي افغانستان، فان الحكومات العربية لا تهتم كثيرا في العادة بما يجري حولها في دول الجوار، بل توظف معظم طاقاتها الاستخبارية لمراقبة اتصالات ابنائها من طلاب الجامعات المتطرفين وتحركاتهم، او قادة الفرق المدرعة في المناطق الحضرية او رجال الدين الذين يبشرون باحياء الاسلام في اطار نزعة متشددة وأجهزة المخابرات العربية، تتشبث الى حد بعيد بما تعرفه من معلومات، فيما تبدي برود ابي الهول تجاه مالا تعرفه، وهو ما كان مصدر احباط كبير بالنسبة لضباط المخابرات الاميركية، الذين اتصلوا بها لكشف النقاب عن خلفيات واتصالات الشبان الذين اختطفوا الطائرات في 11 سبتمبر. وبدأت تظهر لفترة وجيزة في الخريف الماضي اصداء الغضب الاميركي من مستويات التعاون الاستخباري التي أبدتها احدى الدول العربية، في الكونغرس، بعد ان حاول الـ «سي اي ايه» والـ «اف بي اي» شرح الصعوبة التي يواجهانها امام الابواب العربية المغلقة، لكن شيئا لم يترتب على هذه الاصداء، فالبيت الابيض اكد ان كل شيء على ما يرام، وانه ليس لدى ضباط المخابرات الأميركيين مكانا اخر يقصدونه، غير هذا. كان ضباط الـ «سي اي ايه» والملحقون القانونيون من الاف بي اي في السفارات الاميركية لايستطيعون تحقيق سوى القليل جدا على الارض في معظم الدول العربية قبل 11 سبتمبر، فلم تكن هناك عمليات مداهمة او اشهار بطاقات الاف بي اي والـ «سي اي ايه»، وحتى الآن لابد لهؤلاء من ان يطلبوا الاذن لهم بالعمل من المسئولين في هذه الدول. وكان العمل الروتيني المتبع هو تعيين ضباط اتصال في هذه العاصمة العربية او تلك ليقوم حين الحاجة بزيارة مكتب ضابط الاتصال العربي في تلك الدولة والتقدم اليه بأسئلته والانتظار ريثما يفتش هذا الضابط في الملفات امامه على الطاولة واختيار ما يريد اشراكه فيه من معلومات. وربما استطاع ضباط السي اي ايه او الاف بي اي بهذه الطريقة معرفة هوية من درس في المرحلة الثانوية مع محمد عطا او هل كان لدى جهاز المخابرات في هذه الدولة او تلك ملفات خاصة بمنفذي هجمات 11 سبتمبر قبل دخولهم الولايات المتحدة لخطف الطائرات الاربع. اما في القضايا المهمة او الكبيرة فجرت العادة، في الماضي، على ان يسافر مسئول كبير من الاف بي اي اوال سي آي ايه، او حتى مدير أي من الجهازين الى هذه الدولة او تلك لطلب المساعدة، وفي هذه الحالة يمكن لجهاز المخابرات العربي المعني ان يجمع فرق عمل كبيرة لمعالجة الطلب المقدم له وتحضير الاجوبة على الاسئلة المطروحة عليه، لكن الروتين يبقى هو نفسه. الاميركيون لم يكونوا يستطيعون توجيه الاوامر، بل طرح الاسئلة، وبشكل يعتمد على درجة مرونة العلاقة بين الدولة المعنية واميركا يمكن تحديد ما اذا كان المسئول الاستخباري فيها سيتعاون ام انه سيقول: «اسف، ليس لدي شيء»، لكن بعد 11 سبتمبر غدا مسئولو المخابرات في الدول العربية وغيرها اكثر تعاونا ومن ابرز الأمثلة على ذلك اليمن وباكستان، حيث عمل جهازا الاف بي اي والسي اي ايه بتعاون وثيق مع جهازي الامن فيها للامساك بنشطاء القاعدة. لكن التعاون الذي يعرض اليوم يمكن ان يسحب غدا. وفي الحرب الاستخبارية فان العرض والسحب هو نصف المعركة، وللحصول على المساعدة في هذا النصف، سيعتمد الاميركيون على اصدقائهم في الشرق الاوسط، هذا ان وجدوا ومن دون هذه المساعدة يصبح من الصعب معرفة من يقف على الجانب الاخر. تاريخ من الغموض يمكن تنظيم هيكلية تاريخ المخابرات الأميركية بعدة طرق ـ على سبيل المثال كتناوب بين المهووسين في البيت الابيض والمهووسين في السي اي ايه الساعين لتلبية مطالب الرئاسة بمعلومات عن البرامج العسكرية السوفيتية او بالاطاحة بالحكومات غير الصديقة في غواتيمالا والعراق، او بهزيمة الميليشيات في الكونغو وفيتنام، او يمكن تنظيمها كسلسلة من الادانات العامة لها بعد الكشف عن جرائمها وقطاعاتها من قبيل خطط لاغتيال فيدل كاسترو، التجسس على المواطنين الاميركيين، تجريب المخدرات الخطرة على البشر من دون معرفتهم بحقيقتها، مساعدة مهربي المخدرات، تدريب فرق الموت في اميركا اللاتينية، التمويل غير الشرعي للميليشيات المتمردة. لكن تساهم بالقدر نفسه من الاهمية في عملية فهم طبيعة جهاز السي اي ايه دراسة تاريخ فشلها، فقد انشئت هذه المؤسسة ردا على فشل توقع الهجوم الياباني على بيرل هاربر، غير انها تعرضت مراراً لمثل هذا الفشل في تحديد مشكلة وشيكة على سبيل المثال غزو كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية في يونيو 1950 او تدخل الصين في الحرب الكورية في نوفمبر 1950 او الرد الكوبي الشرس على عملية خليج الخنازير لغزو الجزيرة الكوبينة بتدبير من الـ «سي اي ايه»، او الغزو الروسي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968 او الهجوم العربي المشترك على اسرائيل اكتوبر 1973 او انهيار الاتحاد السوفييتي بين عامي 1989 ـ 1991 او الهجمات في 11 سبتمبر. ويشير محللو الـ «سي اي ايه» الى هذه الاخفاقات على انها نماذج عن تحليلهم التقويمي المتبع الذي يصفونه بأنه «التنبؤ القائم على النتيجة الواحدة» وهو من نوع «ايه ـ او» وليس «نعم ـ لا» وقد حاولوا في السنوات الاخيرة ان يحلو محله نهجا اكثر مرونة يعطي مجموعة من النتائج المحتملة مع تحديد ارقام اكبر النتائج الاكثر احتمالا منها، ويشبه هذا طريقة التنبؤ الجوي المتبعة في الولايات المتحدة: فرصة بنسبة 40 في المئة لهطول امطار، الهطول الاعظم المتوقع بين بوصتين وثلاث بوصات، جو غائم جزئيا «الاعصار «بيستي» سيقترب من سواحل فلوريدا في ساعات الصباح المبكرة وهكذا، ان التخمينات الجامحة تساعد، غير ان المرء يظل بحاجة للتأكد بخصوص بعض الأمور. ففي 6 ديسمبر عام 1941 كان القادة العسكريون الاميركيون يحبذون جدا معرفة ما اذا كانت هناك فرصة مؤكدة بنسبة 100 في المئة لوقوع هجوم ياباني على بيرل هاربر في صباح اليوم التالي، كما ان التذرع بالصعوبة المتضمنة لدى التنبؤ باشياء لم يسبق ان حدثت من قبل لا يقدم اي عزاء لمن بوغتوا وهم غير مستعدين. كانت الدعوات للتحقيق في اسباب غياب اي انذار مبكر بأحداث 11 سبتمبر والتي انطلقت من هنا وهناك وقوبلت برفض شديد من البيت الابيض، بناء على الزعم الذي يمكن فهمه وهو ان الوقت لايزال مبكراً جداً. لكن فيما تمر الايام يبدو البيت الابيض كما لو كان سيظل دوماً مقتنعاً بأن الوقت مبكر جدا للشروع في محاولة كبيرة وجادة للتحقيق في هذا الفشل، خصوصاً اذا كان تحقيقا عرضة لقصر نظر خطة 2020 والاتهامات والتحاملات وتبادل اللوم علناً.لماذا يفترض بالبيت الابيض ان ينزعج من احتمال فتح تحقيق؟ الاجابة اصبحت اسهل على الفهم بعد ان اصبح العامة يعرفون ان الرئيس الاميركي جورج بوش قد تسلم تحذيرات من الـ «سي اي ايه» يوم 6 اغسطس من العام الماضي حول خطر اختطاف عناصر من القاعدة للطائرات، اي قبل خمسة اسابيع من الهجمات، وان الـ «سي اي ايه» قد راقبت اثنين من الخاطفين وعرفت انهم حضروا اجتماعاً في ماليزيا لكنها ابطأت في ايصال ما لديها من معلومات للاف بي اي، وان الاف. بي. اي لاسباب تنظيمية غامضة رفض طلبات متكررة من عملائها في مينا بوليس بمنحهم اذنا لتفتيش القرص الصلب لكمبيوتر محمول يمتلكه زكريا موسوي، الذي يواجه الآن عقوبة الاعدام لدوره في التخطيط لشن هجمات 11 سبتمبر. كما ان مسئول الاف. بي. اي نفسه الذي رفض منح هذا الاذن تجاهل ايضا معلومات مهمة حول موسوي قدمتها له المخابرات الفرنسية، ولم يربط بين هذه المعلومات وبين مذكرة تحذيرية قدمها عميل آخر للاف بي. اي في فينكس بأريزونا في 10 يوليو يقول فيها ان ارهابيين محتملين يتدربون في مدرسة لتعليم الطيران استعداداً لتنفيذ هجوم، هذه الحقائق المربكة قد نشرت مراراً وتكراراً على نحو مكثف في الصحافة الاميركية ونحن نتوقع معرفة المزيد منها بشكل مستمر مع تواصل التحقيقات الاولية الحالية في مجلس النواب والشيوخ، ستكون هناك تفاصيل يصعب علينا استيعابها، لكن بعض الانذارات يمكن ان تضيء بأثر رجعي مثل لوحات النيون. ما الذي قالوه لبوش؟ ما الذي قالوه بالضبط للرئيس الاميركي في اغسطس؟ يقول كارل روف وهو مستشار في البيت الابيض كان مع الرئيس بوش على متن الطائرة الرئاسية في 11 سبتمبر، ان ضباط الامن رفضوا تلبية طلب الرئيس الاميركي باعادته مباشرة الى واشنطن، ففي لقاء على شبكة السي ان. بي. سي يوم 13 يوليو الماضي، قال روف ان هؤلاء حذروا الرئيس من ان طائرة مختطفة اخرى ما زالت تحلق في الاجواء وانهم لا يستطيعون ضمان امن الاجواء فوق واشنطن. وحينما عاد الرئيس الى واشنطن في نهاية المطاف في وقت لاحق من ذلك اليوم، اشار الى الدخان المتصاعد من مبنى البنتاغون وقال: انظروا انكم ترون.. وجه الحرب في القرن الحادي والعشرين! واضاف روف لم يكن بحاجة لمعلومات عن الامر لم يكن بحاجة لايضاحات حينما كانت هناك طائرة ثانية. وهي التي اصطدمت بمركز التجارة العالمي، كان يعرف تماما ما هي.. ان الحرب اعلنت على الولايات المتحدة يبدو من المحتمل ان ما عرفه الرئيس ناجم جزئيا على الاقل من المعلومات التي تلقاها في 6 اغسطس. احسب ان الـ «سي اي ايه» و«الاف بي اي» اهم مؤسستين استخباريتين على صلة بالموضوع، كانت لديهما معلومات دقيقة الى حد مرعب حول المهاجمين وحلفائهم وخططهم وتحركاتهم قبل 11 سبتمبر وحينما بدأت عناصر من هذه القصة تصل للجمهور في الشهور الاخيرة اخذت مجموعة من المسئولين وعلى رأسهم روبرت موللر مدير الاف بي اي ـ تؤكد ان ما كانوا يعرفونه كان بمقدورهم او يجب عليهم او بامكانهم معرفته لم يكن حتى ذلك الحين كافيا لانقاذ برجي المركز التجاري العالمي، لاشك ان هذا الزعم صحيح بدرجة محدودة، فنحن ربما لا نتوقع ان احدهم كان يجلس على ورقة تتضمن معلومات قوية ومحددة واضحة عن تاريخ وتوقيت وهدف الهجوم، معلومات كان بمقدور المسئولين العمل بناء عليها، لكن امرين محددين اصبحا واضحين على نحو متزايد: اولاً، الفشل الاستخباراتي الرئيسي قبل 11 سبتمبر كان فشلاً لاختصاصيي مكافحة الارهاب ويتغلغل عميقا في صلب بنية جهازي الاف بي اي والسي اي ايه بشكل لا يمكنهم من الاحساس بالخطة الآخذة بالتكشف وتشكيلها وهو ما دأب الكثيرون على تسميته بعدم القدرة على جمع اجزاء الصورة، لكن السي اي ايه كانت تعرف جيدا ان شيئا ما قيد التنفيذ وكررت هي نفسها قول ذلك في الشهور التي سبقت 11 سبتمبر، اما الفشل الاكبر الثاني فهو قرار ادارة بوش وهي تتسلم مقاليد الامور في البيت الابيض، اعادة دراسة مشكلة الارهاب من أولها لاخرها بدلا من مواصلة البرامج التي بدأتها ادارة كلينتون مسبقا وهذه السنة الضائعة كانت موضوع الغلاف الرئيس لعدد مجلة «التايم» الصادر في 12 اغسطس الماضي وتتحدث فيه عن جهود ريتشارد كلارك مساعد كلينتون للتوصل الى اتفاق مع فريق الامن القومي الجديد على مشروع هجومي يستهدف تنظيم القاعدة وملاجئها في افغانستان وقالت تايمز ان الوجوه الرئيسية في ادارة بوش مثل ديك تشيني نائب الرئيس وكوندوليزا رايس مستشارة الرئيس للامن القومي ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع وجون اشكروفت وزير العدل يعرفون كلهم الخطر الحقيقي الذي كان يمثله الارهاب، غير ان المشكلة هي ان كلا من هؤلاء اتى للادارة بمشروعه المفضل فيما كان الارهاب في مكان بعيد ما على قوائم اهتماماتهم.وقبل ان يوضع برنامج مضاد للارهاب علي طاولة الرئيس لعرضه عليه كان يتوجب على هؤلاء ان يتفقوا على هذا البرنامج بل انهم حتى قبل ان يلتقوا يجب على مساعديهم ان يتفقوا مسبقا، ذلك و حده استهلك الجزء الاكبر من ذلك العام والنتيجة ان الرئيس، حتى انهيار مركز التجارة العالمي، لم تسنح له الفرصة ليقول نعم أو لا اودعونا ندرسه ثانية بخصوص اي برنامج محدد، ويبدو ان الخوف من مثل هذه الاخبار هو ما يجعل البيت الابيض يرفض اي مشروع للتحقيق. ترتيب الفوضى غير ان ترتيب كل هذه الفوضى متروك للمستقبل وما نواجهه جميعنا الآن بشكل ملح ومباشر هو الدليل المربك على ان المؤسسات الاستخباراتية الاميركية وخصوصا الاف بي. اي، قد فقدت مقدرتها على تحديد عناصر الخطأ او يسير منهجاً على نحو خاطيء، وحقيقة انها تفتقد الارادة لفعل شيء ازاء ذلك، ان المشكلات في المكاتب الحكومية الكبيرة تبقى عادة بعيدة عن اعين العامة، لكن في حالة السي اي ايه والاف بي. اي، يلقي الكشف مؤخراً عن وجود جواسيس في صلبهما الضوء على حجم المشكلات داخلهما. اصبحت قضية الدريتش ايمز، خبير مكافحة التجسس في السي. اي ايه الذي اعتقل عام 1994 لتجسسه لصالح الروس الذي يقضي الآن حكماً بالسجن مدى الحياة اصبحت موضوعا لعدة كتب تؤكد كلها الاهمية القصوى لقيام الوكالة بمحاولة معرفة الخطأ الحادث عام 1985 حينما اختفى فجأة كل سوفييتي يتجسس لصالح الاميركان تقريبا من الشوارع وانتهى به الامر بالاعدام او السجن، ان مكافحة الجاسوسية يمكن ان تكون لعبة دقيقة وراقية الى حد رائع، لكن ايمز لم يكن كذلك حينما سلم بكل بساطة حقيبة مليئة بالاسماء والعمليات لضابط من الكي جي بي في احد المطاعم الاميركية، وكان الاجراء الطبيعي لاي مسئول كبير في الكي جي بي حينها هو ان يعيد استخدام هؤلاء العملاء المكشوفين ويوظفهم ضدنا، إلى ان يتمكن من التخلص منهم بهدوء شديد واحداً تلو الآخر في ظروف غامضة، لكن بدلاً من ذلك احس الروس بالذعر واعتقلوهم كلهم دفعة واحدة ليرسلوا بذلك رسالة واضحة جداً للسي اي ايه يمكن لاي محلل خبير ان يقرأها مفادها لقد قبضنا عليهم كلهم بعد ان سلمنا اياهم احد رجالكم، طبعاً كان من الممكن حينها تخيل اسباب اخرى لوقوع هؤلاء بشكل غير مسبوق، وبدأ المحققون السريون يبحثون، لكن هؤلاء المحققين كانوا يعرفون في اعماقهم ان الانباء السيئة صحيحة وان الجواب الواضح هو الجواب الصحيح فعلا: احدهم قد باع السي اي ايه للسوفييت ضمن التحقيقات التي جرت لمعرفة كيف تمكن أيمز من النجاة بفعلته وكشفه، ذكر مايكل برومويتش المحقق العام في وزارة العدل اسهام ال«إف بي آي» في هذا الفشل ـ ليتبلور بذلك مزيج غريب من الفرص الضائعة والرعونة عالية المستوى وفقدان حتى الفضول. فمنذ البداية عرفت ال«إف بي آي» ان المشكلة لايمكن حصرها تماما داخل ال«سي أي أيه»، صحيح ان معظم الجواسيس السوفييت كانت تشغلهم الوكالة، لكن في الفترة نفسها بين عامي 1985 و1986 عانت ال«إف بي آي» أيضا من اختراق بعض عملياتها وفقدت عملاء لها. وعلى الرغم من ذلك، تبعا لخلاصة سرية سمح بنشرها عام 1997 عن تقرير برومويتش فإن لجنة التحقيق التي شكلتها ال«إف بي آي» اخذت تدريجيا تفقد الدافع لعملها ثم تخلت عن هدفها نهائيا خريف 1987 رغم انها «لم تتوصل لأي نتائج مؤكدة بخصوص سبب خسائرها الاستخباراتية. والاسوأ من ذلك ان هذه اللجنة لم تقل شيئا عن وجود اي علاقة محتملة لخسائرها بخسائر ال«سي آي أيه». وباختصار فإن ال«ف بي آي» قد اشمأزت من السؤال حول كيف حدث هذا. وهكذا ظل الخائن حراً طوال ست او سبع سنوات تالية. حيث لم تستأنف ال«إف بي آي» تحقيقاتها حتى اواسط عام 1991 حينما بدأت لجنة مشتركة من المؤسستين بالتحقيق وجمع الادلة تدريجيا واشارت كلها الى أيمز الذي كانت طريقة انفاقه الباذخة تثير الشكوك. لكن على الرغم من «الادلة الظرفية الدامغة» كما يقول برومويتش، فإن اعضاء اللجنة من الـ «اف بي آي» لم يوصوا بفتح تحقيق مع ايمز، كما ان كبار مسئولي الـ «إف بي آي» على الرغم من معرفتهم بأن أيمز هو الخائن المشتبه به الأول فقد احجموا عن طلب مزيد من التفاصيل حوله أو الضغط لمتابعة القضية. وهكذا توصل التقرير الذي نشرته اللجنة في مارس 1993 الى نتيجة تقول ببساطة ان «هناك اختراقا في الـ «سي آي أيه» واسقطت المسألة كلها عند هذا الحد.ويصف برومويتش من دون ان يفسر هذا النقص الغريب في الشعور بوجوب سرعة التحرك في وجه «خسارة كارثية غير مسبوقة» لعملاء مكتب التحقيقات السوفييتي الذين كسبهم بجهد جهيد والذين كانوا لديه ذات يوم واختفوا في اليوم التالي في عملية انهيار كلاسيكية. واشار الى ان المكتب كان بطيئا جداً في الانتباه للمشكلة وسريعا جدا في فقد الاهتمام بها. «فالمدراء الكبار» لم يفهموا او يحاولوا فهم هول الخيانة الحادثة «ولم يبدوا اي اهتمام متواصل» حتى بخسائر الـ «سي آي أيه» على الرغم من موقع ال«إف بي اي» باعتباره الجهة الرسمية المسئولة عن حماية البلاد من الجواسيس داخلها. ومع انه احجم عن تسمية مسئولين بعينهم إلا انه يقدم التفسير المقنع الوحيد القائل بأن الالتزام القانوني للـ «إف بي آي» بابلاغ لجان الكونغرس المشرفة على عملها بأي «فشل استخباراتي مهم» هو الذي دفعهم للملمة القضية لأنها الطريقة الوحيدة التي يستطيع فيها «المدراء الكبار» تجنب اللوم عن هذه الخسارة. ومع ان المسئولين المعنيين الذين التقاهم برومويتش ردوا على هذا بالقول ان دافعهم الفعلي هو عدم معرفتهم بحجم الاختراق، إلا انه لا يعطي رأيه في صحة هذا الزعم من كذبه. والنتيجة ان هؤلاء ظلوا يحومون حول الموضوع فيما الحقائق تلوح حولهم الى ان ساهمت ظروف، ما زالت طي الكتمان في تسليم الاجابة جاهزة على طبق من ذهب للمحققين ليضعوا ايديهم على الخائن. وتقول بعض المصادر ان جاسوسا روسيا للاميركيين هو الذي ارشد الـ «سي آي أيه» لأيمز ليس هذا فحسب بل انه سلمهم ايضا اكبر عميل اميركي للسوفييت داخل الـ «إف بي اي»: روبرت فيليب هانسن.بدأ هانسن بيع الاسرار للسوفييت عام 1979، وفي اول عملية اكتشفت زوجته بوني امره، وهكذا توقف. لكنه عاد واتصل بالروس مرة اخرى عام 1985 بارسال خطاب الى فيكتور تشير كاشين في السفارة السوفييتية في واشنطن، والمعروف بأنه كان ضابط اتصال مع الجواسيس داخل الولايات المتحدة، والذي كان يشغله ايمز ايضا.والى جانب تحديده لبعض من الجواسيس الذين اعطى ايمز اسماءهم للسوفييت، فقد كان هانسن يضع لهم أكياس قمامة مليئة بالوثائق السرية في حديقة قرب منزله، بلغ مجموعها كلها ستة آلاف صفحة، تتضمن امورا مثل «البرنامج القومي للاستخبارات 1987» ونص دراسة «التوجه الشبحي» الموجهة لرئيس الـ «سي آي أيه» وهو دراسة حول «عمليات التجنيد» التي يقوم الـ «كي. جي. بي» ضد الـ «سي آي أيه» بل وحتى خطة «استمرار الحكم» الخاصة بالحكومة الأميركية والتي ترسم بالتفصيل الممل والدقيق كيف تعتزم الولايات المتحدة حماية حكومتها ومواصلة وجود قيادة مركزية تتخذ القرارات خلال تعرضها لهجوم نووي. وتوقف هانسن عن التجسس عام 1990 حينما تبين له ان التفكك المتسارع للاتحاد السوفييتي يهدد مقدرة الـ «كي. جي. بي» على حماية عملائه. لكنه حوالي عام 1999 عاود الاتصال بالروس فيما يبدو انه نتيجة لفقدانه الاثارة مع اقتراب موعد تقاعده. فما كان من الروس إلا أن ردوا على رسالته قائلين: «صديقنا العزيز: مرحباً. نعبر لك عن فرحنا الصادق باستئنافك الاتصال معنا». غير ان شيئا في هانس قد تغير هذه المرة، بعد ان عمل طوال المرحلة السابقة مع الروس دون ان يجعلهم يتعرفوا على اسمه الحقيقي، فأسموه هم بدورهم العميل.. «بي». فلم يعد ذلك الشخص الذي لا شيء اعلى في اولوياته من مبدأ «خذه او اتركه» في التعامل مع الروس، وهو الذي حل محله التعطش للاعتراف به وقبوله والاعتراف بدوره. وفي مارس 2000 ارسل للروس خطابا قال فيه: «قد يفترض احدهم اني إما شجاع بشكل جنوني او مجنون فعلا. انا لست ايا من هذين، بل اقول موال بشكل جنوني.. غير اني قد اقتربت من شفير الهاوية بقدر ما استطيع دون ان اصاب بالجنون فعلا.. انا اكره عدم الحتميات. وهذا فقد اصبت في حكمي على شفير الهاوية هذا، امنحوني الاعتراف لهذا.. لقد مضى وقت طويل على هكذا يا اصدقاء، وقت طويل أمضيته وحيدا». ثم تفحص هانسن بعد ذلك نظام الدعم الأوتوماتيكي للـ «إف بي آي» الخاص بكلمات السر عن الوشاة، بما في ذلك اسمه وعنوانه وذكره في الخطاب واثقا من ان الروس سيظهرون لدعمه اذا ما بدء يواجه أي تحقيق. لكن في اواسط نوفمبر 2000 حصل جهاز ال«إف بي اي» بطريقة ما على المف الروسي الخاص بالعميل «بي» وفي غضون اسابيع اصبح هانسن تحت المراقبة. ويبدو ان الروس لو كانوا قد عرفوا بذلك، لم يتمكنوا من اخبار هانسن وتحذيره. لكنه مع ذلك احس بشيء ما حوله. وفي آخر رسالة كتبها للروس في فبراير 2001 قال لهم: «لقد حان الوقت لاتوقف فيه عن الخدمة العملية.. هناك شيء ما ايقظ النمر النائم. وبعد دقائق من رميه كيسا يحتوي الرسالة وسبع وثائق سرية للـ «إف بي آي» اصبح هانسن قيد الاعتقال. ولتجنب حكم بالاعدام تقدم بطلب للمحكمة بالرحمة مشفوعا باعتراف بجريمته ليدخل السجن مدى الحياة.كل شيء يشير الى هول خيانة هانسن. لقد تمكن ايمز من التستر 9 سنوات وهانسن 21 عاما. ايمز اعاق جهود الـ «سي اي أيه» للتجسس على الروس وهانسن فعل الشيء نفسه لل«إف بي آي» واعطاهم فوق ذلك كما هائلا من الوثائق السرية الخطيرة. لكن الاخطر من الضرر المباشر، هو ان الـ «سي آي أيه» والـ «إف بي آي» على السواء بقيتا مشلولتين امام دليل دامغ على انهما كلتيهما مخترقتان دون فعل شيء الى ان هداهما جاسوس سوفييتي لمفتاح اللغز. بقلم: توماس باورز ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |