السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 في ذات يوم عاصف وبعد ان وصلت الدماء حتى قطع الأنفاس قرر عدد من الاسرائيليين والفلسطينيين القفز فوق المتاهة التي علق بها الشعبان وكسر اتجاه المجريات. بعد عدد غير قليل من اللقاءات والصياغات كتبت ورقة حظيت باسم وثيقة ايلون - نسيبة والتي تعتبر مثابة انطلاقة بالنسبة لدولة اسرائيل. الورقة تتحدث عن اعتراف فلسطين بدولة اسرائيل بما في ذلك الاتفاق حول نهاية الصراع والتنازل الفلسطيني عن تطبيق حق العودة، وعلى أساس العودة لحدود الرابع من يونيو واخلاء المستوطنات. آلية تطبيق الورقة لا يفترض ان تتم من خلال المفاوضات السياسية أو الامنية وانما من خلال الحصول على الموافقة الشعبية الواسعة، جمع تواقيع ألوف الاسرائيليين والفلسطينيين على صيغة مشتركة يفترض ان تجبر قيادة الطرفين على الجلوس معا وانهاء المسألة. في هذه الايام يعتبر ذلك مثابة شعاع نور في الظلام ولا أقل من ذلك. هذا الشعاع نابع من مصدر الطاقة الوحيد في المنطقة والذي بذل جهوده حتى يكون نقيا من الترسبات والالتزامات: مواطنون خرجوا من الدوامة الى الثقب الأسود الذي يجتذب المجتمع الاسرائيلي اليه. هؤلاء مواطنون خرجوا على الكلاسيكية العسكرية لهيئة الاركان المهزومة (الهزيمة العسكرية هي طريق مسدود لا حل له بعد عامين من القتال وزيادة الدافعية للقتل في الجانب الثاني) والذين خرجوا ايضا على العقائد الايديولوجية المتحجرة، والذين خرجوا ايضا عن الأطر السياسية الفاسدة (الاحزاب على اختلافها). وخرجوا خصوصا على «المزاج الوطني العام». هؤلاء قاموا بناصية رؤوسهم تقريبا باخراج انفسهم من «الرأي العام» الذي يتراوح بين مشاعر الغضب والخوف والانتقام، وقاموا بهذه الوثبة الضخمة للأمام. العقل يقول ان انجازا من هذا القبيل سيتسبب بموجة متواضعة من الدعم، ولكن ما ظهر هو انه أثار موجة عارمة من المعارضة اذا لم نقل الاستخفاف. الجناح اليميني - التقليدي - الديني من الأصل، حيث يعتبرون مبادرة ايلون ضربة بليغة لمذاق الحياة التي هي ارض اسرائيل لشعب اسرائيل، حيث تعتبر المرحلة المقبلة مخصصة لتطبيق توراة اسرائيل. على حد تصورهم. جهاز الدفاع من الأساس والذي يمنع الفلسطينيين في هذه الايام تحديدا من الوصول الى اللقاءات بأجسادهم وحتى مع انفسهم من اجل جمع التواقيع، والحكومة هي ايضا تقوم بذلك أصلا اذ ان كل شرارة تعاون ستفسد عليها مسارها العملياتي القائم على الضغط على كل الملعب الى ان «يستسلموا» (حماقة بحد ذاتها). ولكن ما لليهود العاديين وللتحفظ الجارف من المبادرة لدرجة الاتهام بالانهزامية؟ حتى اذا كان هناك منطق داخلي في الهجمة المركزة من كل «الملتزمين بالصراع» اولئك على المبادرة فان هناك ما يثير الغضب عندما يظهر من يدفع بهذا الصراع الى البعد الشخصي من موقع الموازن للامور.شبيط كتب عن ايلون انه تحول اليوم الى شخص تآمري وغير مركزي في السياسة الاسرائيلية. وايلون لا يحتاج لدفاعي، وكل من لا ينتمي للجهاز ومستعد للتصادم معه يستحق رصيدا أوليا في ظل الوضع الفظيع الذي وصلت اليه اسرائيل اليوم. ومع كل الاحترام لخبرة شبيط ورفاقه في الصراع فأيلون يملك رصيد من يعرف جذور الصراع بشكلها الأعمق، ومعرفته هذه تعني انه يستطيع اكتشاف الشرخ الذي يمكن من خلاله زج براعم التسوية. ما يوجد في وثيقة ايلون هذه هو حكمة الحياة الآن، لا توجد هناك وعود غامضة ولا أوامر عسكرية دائمة للجندي على الحاجز، ولا تفسير لسياسة ايهود باراك. حكمة الحياة هذه هي القدرة على اكتشاف الديناميكية الحقيقية في الشعبين باعتبارها قوة تملي التوجه نحو السلام وليس الخضوع للضغوط الخلاصية والسياسية والامنية. ويفضل لكل الذين يتغذون من المشاجرات لأغراض المساومة أو المناكفة ان يتركوا هذه المبادرة تنهض، أو ان عليهم ان يأتوا للجمهور مع فكرة أكثر قبولاً. بقلم: ران أدليست عن «هآرتس» الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |