الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 التوثيق في اليمن لم ينظم في اطار مؤسسي الا في السنوات الأخيرة وتحديداً عام 1991م عندما تأسس المركز الوطني للوثائق وصدور القانون الخاص بشئون الوثائق مؤخراً تحت رقم 21 لعام 2002م، ولكن على الرغم من التأخر الواضح لنشوء المركز الوطني للوثائق وصدور القانون المنظم لحفظ وتداول الوثائق فقد عرف اليمن اهتمامات فردية بالوثاق وحفظها على مر العصور حيث كان بعض الافراد ممن استهوتهم عملية جمع الوثائق وحفظها في خزانات خاصة بهم داخل منازل او في مقار اعمالهم. ويعتبر القاضي علي ابو الرجال رئيس المركز الوطني للوثائق واحداً من هؤلاء الذين شغفوا وتولعوا بجمع الوثائق وحفظها وهي هواية تعلق بها ابو الرجال منذ صغره اقتدى بوالده الذي كان هو الاخر مولعاً بجمع وحفظ الوثائق لما فيها من صيانة وحفظ لذاكرة الامة والاحاطة بتاريخها واحداثها. من هذا المنطلق اقترن اسم الرجل دوماً بالوثائق وجمعها وحفظها الى ان انتشار المركز الوطني للوثائق على يده وهو المركز الذي يضطلع اليوم بدور ريادي في حفظ الوثائق وتسهيل تداولها بين ايدي الباحثين العلميين وفي هذه المقابلة يسلط ابو الرجال الضوء على دور المركز واهميته. ـ هل يمكن ان تعطونا نبذة عن التوثيق في اليمن؟ ـ اليمن بلد ارتبط اسمه بواحدة من اعرق الحضارات في شبه جزيرة العرب، وهذه الحقيقة تقود الى حقائق اخرى، فهذا البلد شهد الاستقرار الذي افضى الى نظام سياسي قوي ومستقر في اغلب فتراته، مما سمح بإنشاء المدائن، وتأسيس اقتصاد مزدهر يعتمد بدرجة اساسية على الزراعة والصناعة، وللسكان عقائد اقتضت وجود شواهد مادية عظيمة كالمعابد والتماثيل والرموز الدينية الاخرى وحتى شواهد القبور. لكن أكثر الدلائل قوة على حضارية هذا البلد هو الكتابة المعروفة بالنقوش المسندية.. لقد كانت الكتابة المسندية محور الحضارة اليمنية القديمة بأنظمتها السياسية المتعاقبة، ومن خلال الكتابة امكن لنا التعرف على جانب مهم من التاريخ اليمني، وهذا يعني ان التوثيق كان جزءاً من منظومة ثقافية ومعرفية تميزت بها الحضارة اليمنية. وظلت مسألة التوثيق تمثل اهتمام كل الدول التي تعاقبت على حكم اليمن قبل وبعد الاسلام وحتى تاريخنا الحاضر. صحيح ان التوثيق مر بفترات ضعف، وربما كان ذلك ناجماً عن سوء تقدير الاجيال وافتقادها للاستقرار الذي يسمح بمثل هذه الاهتمامات الناضجة، ومع ذلك يمكن القول أن اليمن تمتلك الكثير من الوثائق التاريخية، وهذا يدعو الى التفاؤل، ويجعل من التحول المنهجي في التعامل مع الوثائق الذي بدأ قبل اكثر من عشر سنوات من خلال المركز الوطني للوثائق بداية مرحلة بالغة الاهمية، ويمكن ان نتلاقى من خلالها كل القصور الذي شاب التوثيق في المراحل السابقة. على أنه يجب القول أننا هنا ومن خلال تجربة المركز الرائدة نعتقد أننا نكمل مشوار التوثيق الحافل بالنجاح والجدير بالاحترام. ـ ما هي اهم التجهيزات الفنية التي لديكم بالمركز؟ ـ من المهم هنا أن أنوه الى ان تأسيس المركز الوطني للوثائق قد عكس رغبة المخلصين من ابناء هذا الوطن، وعبر عن الحرص الشخصي لفخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية الذي اولى المركز كل الدعم والمساندة، مما اتاح لنا البدء بخطوات منهجية عملية بالغة الاهمية حرصنا من خلالها على الاستفادة من احدث ما توصل اليه الاخرون وخلاصة خبراتهم وتجاربهم في هذا المجال، وكان ان تم الاتفاق مع منظمة اليونسكو التي اوفدت بدورها رئيس الارشيف البريطاني لعمل دراسة بشأن إنشاء المركز، والتي على ضوئها تم تأسيس المركز عام 1991م. ولدى المركز طاقم من الكفاءات والخبرات الوطنية المتخصصة الذين تلقوا تدريبات مكثفة طويلة وامتلكوا خلال اكثر من عشر سنوات من العمل خبرة طويلة وناضجة جعل المركز الوطني للوثائق يخوض تجربة فريدة وقوية بالنظر الى حداثة عهده، وهذا بالطبع بشهادة خبراء دوليين، وفي المركز ايضاً نظام تقني متكامل لصيانة وحفظ الوثائق بالطرق العادية والالكترونية ومن خلال احدث الوسائط التقنية المتوفرة للمركز، الذي بوسعه اليوم ان يفخر بكونه مؤسسة للمعرفة الى جانبه كونه ارشيفاً منظماً، وهو ما نطمح اليوم الى تأكيده في اكثر من مناسبة. تشريع قانون التوثيق ـ للقانون الجديد اهميته في حفظ الوثائق مستقبلاً؟ لماذا تأخر القانون في اليمن؟ ـ في الواقع صدور القانون رقم (21) لسنة 2002م بشأن الوثائق، ليس مستحدثاً، وبالتالي لم يتأخر صدور القانون المتعلق بهذا الخصوص، فقد سبق وأن صدر قانون الوثائق عام 1994م، ثم صدر قانون بتعديله في عام 1997م، وهذا الحراك القانوني كان يعبر عن حيوية التجربة التي تخوضها البلاد في مجال التوثيق. لقد حظي موضوع التوثيق في اليمن باهتمام خاص على اعلى المستويات وكان نصيب القانون والتشريع كبيرين في تحديث وتطوير واثراء هذه التجربة بدليل صدور هذه التشريعات المتعددة والتطوير حتى صدور القانون رقم (21) لسنة 2002م من القوانين التي ارادت الوصول الى اعلى مستويات الاداء. والذي يعبر عن واقع التجربة التي تعكس حرص المركز ونشاطاته في اجراء المراجعات الضرورية التي تهدف الى بناء هيكلية متطورة تتسم بالمرونة وباستيعاب التطورات التي يشهدها مجال التوثيق في العالم، وتحقق بالتالي الطموحات التي نسعى جميعاً الى تحقيقها والمبنية على الفهم الدقيق لأهمية الوثيقة ومدلولاتها الانسانية والحضارية. وفي اعتقادي أن تجربة التوثيق في اليمن باتت اليوم تقف على ارضية راسخة تدعمها الخبرة والدعم السياسي الذي نلمسه ليس فقط من القيادة السياسية او الحكومة، ولكن ايضاً من المشرعين في البرلمان، ومن النخب السياسية والثقافية الفكرية في البلاد. وتكمن اهمية القانون الجديد في أنه يواكب التطور ويستوعب كل المتغيرات التي يشهدها قطاع التوثيق في العالم، ويحكمها الحرص على توفير كل الامكانيات الضرورية التي تؤمن ادارة سليمة للوثائق الوطنية، وتسير سبل الاستفادة منها، وهذا هو الاهم في نظرنا. والقانون ايضاً اوجد من الآليات ما يساعد على انجاز عمليات جمع وصيانة وحفظ الوثائق الوطنية استناداً الى تجارب الاشقاء والاصدقاء، باعتبارهما رائدين في هذا الجانب على وجه التحديد. والمركز الآن يواصل عمله من اجل انجاز اللوائح التنظيمية التي ستبين طبيعة علاقة المركز مع الوزارات والمؤسسات والهيئات والمصالح الحكومية، بما يضمن ايجاد معايير موحدة في التعامل مع الوثائق في ارشيفات هذه الجهات، وهذه الخطوة مهمة لأنه سيترتب عليها التعامل المستقبلي مع هذه الوثائق في نطاق الاشراف المباشر للمركز الى ان يتم ترحيلها بشكل نهائي الى المركز. ـ هل لديكم في المركز علاقات تعاون مع الارشيفات في الدول العربية والاجنبية، والى اين وصلت؟ ـ بالطبع لدينا علاقات وثيقة وتتسم بالديناميكية مع اغلب مراكز التوثيق والارشيفات في الوطن العربي والعالم، والمركز عضو في المجلس الدولي للارشيف وعضو فاعل في الفرع الاقليمي العربي. وفي الواقع المركز كان حريصاً منذ البداية على اقامة هذه العلاقة، وكانت الحصيلة ان تمكنا من التعرف على تجارب اعرق المراكز والارشيفات العربية والعالمية، ووقعنا معها بروتوكولات واتفاقيات للتعاون اثمرت في حصول المركز على خلاصة تجارب تلك الارشيفات، وتطورت العلاقة الى نوع من التعاون المثمر على صعيد تبادل الخبرات والتجارب، وتبادل الوثائق واقامة المعارض المشتركة. وفي الآونة استطعنا ان نوثق علاقتنا مع الارشيفات ومراكز التوثيق المماثلة في دول مجلس التعاون الخليجي، وتم في اجتماع مسئولي مراكز التوثيق في دول المجلس الذي عقد في اوائل شهر يونيو التوصل الى اتفاق يقضي بانضمام المركز الى عضوية الامانة العامة لمراكز التوثيق في دول الخليج العربي، ونسعى بموازاة ذلك الى اقامة علاقات ثنائية مع مراكز التوثيق في هذه الدول. المستقبل ؟؟ ـ ما هي خططكم المستقبلية، وما هي الصعوبات التي تواجهونها؟ ـ لدينا في المركز الوطني للوثائق طموحات كبيرة تتعلق بتطوير اداء المركز، وتفعيل صلاحيات المركز التي نص عليها القانون لجهة العناية بالوثائق العامة والخاصة اينما وجدت والبحث عنها في مضانها، والعمل على استرجاع الوثائق اليمنية في الارشيفات العربية والعالمية، وتأمين الشروط الملائمة لادارة الوثائق التي تنشئها الجهات الحكومية في كل انحاء البلاد. ويتصدر موضوع انشاء مبنى خاص بالمركز اولويات طموحاتنا في هذه المرحلة.. لقد اعدت كل التصاميم المعمارية ودراسة الجدوى من قبل خبراء دوليين مرموقين، والتي حرصنا على ان تأتي ملبية لطموحات المركز في التوسع وتحديث ادائه وفق احدث التقنيات والمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال. اما هموم المركز فتتعلق بضآلة الامكانيات المالية خصوصاً بعد ان انتهى مشروع الدعم الذي كان المركز يتلقاه من البرنامج الانمائي التابع للأمم المتحدة والذي ساعدنا في الحقيقة على تأمين البنية المعرفية والتقنية المطلوبة للتعامل مع الوثائق، ومكننا ايضاً من بناء خبرات وطنية بات بوسعها ادارة الوثائق الوطنية باقتدار. نواجه حالياً صعوبة في الحصول على مصادر تمويل لانجاز مشروع المبنى، لكن الجهود متواصلة لتحقيق هذا الهدف في ظل التفاهم الذي يلقاه المركز من المسئولين في الحكومة. ما هو دوركم الشخصي في النهوض بالتوثيق في اليمن؟ ـ من الصعب ان يتحدث المرء عن دوره الشخصي في قضية هي في الواقع جزء من واجب وطني، لا يحتمل المن.. ولكن دعني اتحدث عن هواية اصيلة في نفسي حينما وجدتني منشداً الى توثيق كل ما يقع على يدي من اوراق ومراسلات ذات مضمون هام، وبالاضافة الى الصحف التي كانت تصدر في اليمن وتلك التي تأتي من العواصم العربية، وتمكنت بفضل الله من توثيق كل الاصدارات الصحفية الرسمية والأهلية والمعارضة منذ اربعة عقود تقريباً. وكنت حريصاً على تجميع الوثائق واللجوء الى شرائها اذا لزم الامر. هذا الميول كان في الواقع محل تقدير المسئولين في البلاد وتم اختياري للاضطلاع بأول مهمة رسمية لجمع الوثائق، كان ذلك في منتصف الثمانينيات، حينما ترأست اللجنة الوطنية لجمع وحصر الوثائق والتي تشكلت بقرار من رئيس الجمهورية الرئيس علي عبدالله صالح. وبعد اعادة تحقيق الوحدة تم تأسيس المركز الوطني للوثائق، وعينت رئيساً له.. هذا الموقع وضعني امام الاختيار الصعب، لأنه حول اهتماماتي الشخصية بالوثائق الى اهتمام عام مؤسسي، واتمنى ان انجح في المهمة، على الرغم من تداعياتها المثقلة بالمتاعب والمسئوليات المضنية. صنعاء ـ عبدالكريم سلام: الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |