الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 اربعون دقيقة فقط هى مسافة الرحلة الجوية من دبي إلى شيراز جنوب ايران، فما ان تعبر الطائرة مياه الخليج الا وتحط بعجلاتها فوق مدرج مطار عاصمة اقليم فارس الجبلي. بعد الوصول إلى مطار شيراز المتواضع جدا، تقفز إلى الذهن العديد من الاسئلة الحائرة، ماذا بعد الوصول، هانحن في ايران وتجيء الاجابة مترددة ايضا، لان ايران تتكون من الف مدينة وخمسين الف قرية. لابد اولا من التعرف على الماضي، لكي نتعرف على الحاضر والمستقبل لتلك الدولة التي تحتل موقعا مؤثرا على خارطة الاحداث في العالم بحكم كونها تشكل حلقة وصل بين القارات الثلاث آسيا وافريقيا واوروبا وبحكم مساحتها البالغة 1.648.195 مليون كيلو متر مربع والتي تجعلها تحتل المرتبة السابعة عشر في العالم من ناحية المساحة، وبحكم قوتها البشرية اذ يبلغ عدد سكانها قرابة الـ 70 مليون نسمة وبحكم وقوعها في منطقة مليئة بالاحداث الساخنة اذ تحدها من الجنوب دول مجلس التعاون الخليجي وبحر عمان ومن الشمال اذربيجان وارمينيا وتركمانستان ومن الشرق باكستان ومن الغرب تركيا والعراق. البداية كانت من شيراز الجنوبية وشيراز مدينة قديمة قدم الامبراطورية الايرانية ولا يمكن لاحد ان يتعرف على تاريخها الا بعد ان يزورها، هذا هو الانطباع الذي خرجنا به بعد جولة مكثفة في المدينة العتيقة التي تقع على بقعة خضراء من الجبل المسمى بـ «الله اكبر» وبارتفاع 1540 مترا فوق سطح البحر. شيراز اليوم بسكانها البالغ عددهم مليوني نسمة يعيشون على مساحة 220 كيلومترا مربعا تشكو الاهمال ويلاحظ الزائر منذ لحظة وصوله إلى المطار الرث المتهالك ان يد التطوير والتحديث مازالت بعيدة عن شيراز لا ماء للشرب ولادورات مياه صالحة للاستخدام الادمي ولاموظف علاقات عامة يرشدك إلى أي طريق تسلك، بل تسيير امورك بالاشارات لدرجة ان بطاقة الدخول كلها بلغة فارسية ولايمكن للزائر معرفة كيفية املاء البيانات المطلوبة. ولكن ذلك لايمنع الزوار من الشرق والغرب من الذهاب إلى شيراز التي تقول المراجع التاريخية ان تاريخها القديم يعود إلى عصور ماقبل الميلاد و جاء ذكر شيراز في الواح من الطين في خزينة قصر الملك جمشيد. غير ان المدينة ازدهرت بعد الاسلام ووصلت إلى الذروة في العهدين الصفوي والزندي واختارها كريم خان زند احد حكام الدولة الزندية عاصمة لايران ولاتزال ابنيتها الاثرية شاهدا على قدم المدينة ويبدو ان الحكومة الايرانية تنكص عن تطوير المدينة للحفاظ على طابعها التاريخي. ويقال ان شيراز عرفت قديما باسم «دار العلم» نظرا لانها انجبت شعراء عظام امثال حافظ وسعدي في القرن الثاني عشر الميلادي. وتتضمن الجولات السياحية إلى شيراز ضريح الشاعر الايراني المشهور سعدي (600 الى 691 هجرية) والضريح مقام على سفح جبل عند مدخل المدينة وبنيت فوقه في عهد كريم خان زند قبة رائعة الجمال تطل على اشجار وينابيع مياه تتدفق من اعلى الجبل. من اجمل قصائد سعدي الشيرازي (الفراق) يقول فيها : عد لي فعيني منزلك ياسالب القلب اعتدل صيحات ارضي زعقة جازت سماؤك يازحل عن فصل روحي والبدن قصوا كلاما والعلل لكنني في محنتي عاينت روحي تنفصل كما تتضمن الرحلة زيارة إلى (الحافظية) أي ضريح الشاعر خواجة شمس الدين الشيرازي المعروف باسم حافظ لانه كان حافظا للقرآن الكريم وهو من ابرز شعراء ايران في القرن الثاني عشر الميلادي ولاتزال قصائد الشعرية حية ومتداولة حتى يومنا هذا في المجتمع الايراني والاوساط الادبية على وجه الخصوص. في احدى قصائد حافظ الشيرازي التي ترجمها عن الفارسية الدكتور ابراهيم الشواربي يقول: الا ايها الساقي ادر كاساً وناولها فاني هائم وجدا فلا تمسك وعجلها بدا لي العشق ميسورا ولكن دارت الدنيا فاضحى يسرها عسرا فلاتبخل وناولها مابين السعدية والحافظية توجد (دروازة قرآن) أي بوابة القرآن التي يرجع تاريخها إلى الفتح الاسلامي وهي عبارة عن مدخل لمدينة شيراز تقع على بداية الطريق إلى اصفهان ويقال انه في عهد الامير كريم خان زند اجريت فيها عمليات الترميم واقيمت فوقها غرفة صغيرة وضع فيها القرآن الكريم تبركا يصون المارة من المكاره والحوادث. ومن اللافت للنظر ان كعبة الزرادشتتيين لاتزال موجودة حتى الان وتعرف باسم (نقش رستم) وويرجع تاريخها إلى 521 قبل الميلاد وتوجد بجوراها الواح ونقوش من العهدين الاخميني والساساني ومقابر ملوك السلالة الاخمينية وترجع تلك الكعبة إلى اقدم ديانة في التاريخ وهي الزرادشتية التي اتبعها الايرانيين منذ اكثر من سبعة الاف سنة ولاتزال طائفة تمارس طقوس تلك الديانة حتى الان مثل باقي الديانات الاخرى الموجودة في ايران كالبوذية والبهائية والمسيحية واليهودية. وفي شيراز تستهوى السائح تلك المساجد التاريخية الرائعة مثل مسجد عتيق المشيد عام 281 هجرية ومسجد وكيل الذي شيد عام 1187 هجرية في عهد كريم خان زند قرب سوق وكيل القديم وتستوقفنا قلعة كريم خان الاثرية التي كانت المقر الرسمي للدولة الزندية وهي عبارة عن اربعة ابراج دائرية تربطها اسوار بالاضافة إلى القصر القائم وسط القلعة ويرجع بناؤها إلى القرن الثاني عشر الميلادي ولايبعد عنها قصر عفيف اباد الرائع الذي شيده ميرزا علي محمد خان قوام الملك عام 1284 هجرية. كما ان الاسواق التاريخية مثل (خان سوق وكيل) تستهوى الزائر الباحث عن القطع الاثرية او السجاد العتيق او المصنوعات اليدوية، وتنتشر حول السوق بيوت الشاي وهي الاماكن التاريخية التي كان يحتسى فيها الامراء الشاي ويتسامرون فيها مع اصدقائهم ولاتزال حتى اليوم مفتوحة للزوار لشرب الشاي وتدخين النارجيلة على الطريقة الايرانية. تلك الجلسات الشعبية تنقل الزائر ايضا إلى الاجواء الجديدة في ايران فقد تجلس بجواره فتاة مع صديقها الجامعي وهما يدخنان النارجيلة معا في جو حميمي وقد يتبادل اطراف الحوار مع طالبات او طلبة من مختلف الاعمار لاهم لهم سوى التعرف إلى الاجانب ومحاولة التحدث بالانجليزية التي تكاد تكون معدومة في ايران. ايران دولة ملكية في اليوم الثاني من وصولنا إلى شيراز اقترح المرشد السياحي رضا حقيقت جول، ومعنى اسم عائلته الباحث عن الحقيقة ان نتوجه إلى (بارسه بوليس) أي (قصر جمشيد) وقال انه من الافضل ان تتم في الصباح الباكر قبيل ارتفاع حرارة الشمس في تلك المنطقة الصحراوية الجبلية القاسية. بالفعل وصلنا إلى هناك في الوقت الذي اراده رضا، الشمس كانت حارة جدا فالجو صيفي ترتفع فيه الحرارة إلى الاربعين درجة احيانا، وبائع تذاكر الدخول إلى القصر كان منهمكا في شرب الشاي اكثر من اهتمامه بعمله، فالايرانيون صغارا وكبارا مدمنين لشرب الشاي في كافة المدن والقرى ولايميلون كثيرا إلى تناول المرطبات الغازية التي يعتبرونها بدعة غربية ويعتبرون ان قدحا من الشاي يساوي كل الايس كريم الاميركي. الزيارة إلى (قصر جمشيد) الاثري على بعد 50 كلم شمال مدينة شيراز ضرورية بل ان العديد من السياح الاوروبيين الذي التقيناهم في الموقع او في الفندق اكدوا انهم قدموا خصيصا لزيارة ذلك القصر التاريخي الذي يعتبر من اهم المعالم التاريخية في ايران وهو عبارة عن اعمدة من الرخام وايوان وتماثيل عملاقة لاسود وملوك وخدم تمثل بقايا مقر حكم الامبراطورية الاخمينية والذي بناه الملك الاخميني الاول (داريوش) عام 468 قبل الميلاد واستغرقت عملية بناء القصر المعروف باسم (تخت جمشيد) 120 عاما وتم تطوير القصر المقام على مساحة 120 الف فدان في عهد اسلاف داريوش من الملوك الاخمينيين حيث كان اخرهم الملك اردشير الثالث (359 ـ 338 ق.م) وكان موقع القصور يمثل مركز العاصمة الصيفية للاخمينيين ويضم قصر ابادانا والبوابات الثلاث قصري وتجرا وخشايارشاه وتظهر على جدران القصور كتابات مسمارية منحوتة على الحجر تروي تاريخ بناء القصور وبعضا من معتقدات ملوك فارس الفكرية والروحانية. ويقول المرشد السياحي الذى تولى مهمة الشرح ان القصر التاريخي العملاق احرق على يد الاسكندر الاكبر عام 338 ق.م عقب انتصاره الساحق على الملك ارد شير الثالث. ومازال القصر الذي يعرف باسم (بارسه بوليس) يحتفظ ببقايا بعض الاعمدة والتماثيل والسلالم المصنوعة من الصخور والرخام ومتحف يضم قطعا اثرية نادرة عثر عليها في مراحل تاريخية متفاوته في الموقع ذاته. ويقول المرشد السياحي رضا ان القصر تعرض في عهد الفتح الاسلامي إلى تشويه الاثار اذ تم تحطيم وجوه تمثال الملك داريوش واسديه العملاقين الواقفين على صدر بوابة الاستقبال. وعلى مقربة من القصر العملاق توجد مقبرة (كوروش) وتضم رفات الملك كوروش وزوجته الذي حكم بلاد فارس في الفترة من 330 ـ 559 ق.م وتسمى المنطقة التي شيدت فيها المقبرة باسم (باسكارد). وعلى بعد اربعة كليومترات اخرى توجد في بطن الجبل مقبرة ملكية اخرى تضم قبور اربعة ملوك هم خشايار شاه وداريوش الكبير وارد شير الاول وداريوش الثاني وتظهر اسفل الجبل نقوش حجرية هي عبارة عن صورة للملك شاه بور الاول وهناك منحوتة اخرى في الجبل تمثل صورة للملك بهرام الثاني وهو يخوض معركة مع اعدائه والمنحوتة الثالثة عبارة عن مشهد لحفل انتصار شابور الاول 271 ـ 242 (ق.م) على ملك الروم فالرين. تلك الاثار لاتزال تذكر الايرانيين وكل من يزور ايران بالماضي العريق للحكم الملكي الذي استمر في ايران طوال 2500 عام متصلة ولم يسقط الا في العام 1979 عندما اندلعت الثورة الاسلامية من جامعة طهران ولم تتوقف الا برحيل الشاه السابق محمد رضا بهلوي اخر ملوك السلسلة الاخمينية التي بدأت منذ عهد داريوش عام 518 قبل الميلاد. ويتبادر إلى الذهن احيانا بعض التساؤلات حول مصير الملكية ومستقبلها هل انتهت إلى غير رجعة؟ ام ان هناك احتمالات لعودتها مرة اخرى بعد عقد او عقدين من الزمن؟ بعض الايرانيين يتحدثون بحنين جارف إلى زائريهم من الاجانب عن حبهم للملكية وتعلقهم بها والبعض الاخر من الاصلاحيين يعتبر ايران دولة ملكية برداء اسلامي فالاثار كلها والقصور والمتاحف تروي قصصا ترجع إلى الاف السنين من علاقة الايرانيين بالملكية لذلك فان النظام الجمهوري الاسلامي في ايران مازال يبدو في الافق كضيف غريب ينتظر الترحيب به والتعايش معه. اصفهان السفر من شيراز إلى اصفهان برا،صعب جدا بالنسبة لاي مسافر لم يعتد ركوب الجبال والسير عبر دروبها الوعرة القاسية، لاسيما اذا كانت الغيوم ملبدة تلف المكان، حيث تنعدم الرؤية ويتعذر على السائق بسيارته القديمة السير بهدوء واطمئنان. وكان لابد من السفر برا إلى اصفهان، وبما ان المسافة التي تستغرق بين المدينتين نحو 15 ساعة عبر سلسلة جبال (زاغروس) التي ترتفع نحو خمسة الاف متر فوق سطح البحر، كان يتحتم علينا المبيت في منطقة وسطي لاخذ قسط من الراحة فوقع الاختيار على (ياسوج) وهي مدينة صغيرة واقعة في احضان الجبال يتوسطها وادي تنهمر في دروبه الصخرية مياه الثلوج الذائبة صيفا بفعل حرارة الشمس لتشيع جوا باردا في المكان الذي يقصده الالاف من الايرانيين حاملين معهم اغطيتهم للمبيت بجوار الوادي وتحت ظلال الاشجار عدة ايام خلال عطلة الصيف الطويل. والوادي، اذ اقيمت على جانبيه بعض المطاعم والمقاه الصغيرة غير ان الخدمات ليست كافية لكي تجعل من المدينة مقصدا سياحيا بالمعنى المتعارف عليه، الخدمات معظمها بدائية والناس القادمين اليها يفترشون الارض للاصطياف المجاني ربما بسبب ضيق الحاجة او لربما لعدم وجود سوى فندق واحد لم تجر له اية عمليات صيانة منذ افتتاحه حسبما قال لنا المرشد السياحي! انقضت تلك الليلة في ياسوج على رائحة الشواء وصيحات بائعي الذرة المشوية والاغاني الايرانية ذات اللحن الشجي القريب من اغاني المعابد البوذية مع قليل من الاكل وتدخين النارجيلة والاحاديث المتقطعة مع البسطاء الذي يحرصون على الحديث إلى الضيف من باب تجريب اللغة الانجليزية التي تكاد تكون مفقودة عند عامة الشعب الايراني. ودعنا الفندق اليتيم في ياسوج ومن فرط الارهاق وقلة النوم نسيت جواز السفر مما اضطرنا العودة اليه وكأنه حريص على عدم الفراق بعد ليلة مليئة بالتأملات والخيالات. كان يوم جمعة، الا ان وسط (ياسوج) كان يعج بالسيارات الحكومية وبعض الشوارع تم اغلاقها فجأة، بعد لحظات مرت قافلة من سيارات الجيش تنادي الناس بالخروج إلى الشوارع للتظاهر ضد اميركا وبوش، سألت السائق: ماالحكاية؟ هل حصل شئ؟ اجاب رضا الباحث عن الحقيقة «في الواقع اتهم الرئيس بوش نظام الحكم الاسلامي في ايران بانه يعمل ضد مصلحة الشعب الايراني وانه سوف يساند الشعب لتغيير النظام وهذا بصراحة امر مرفوض من الشعب والقيادة لانه تدخل سافر في شئوننا، الناس هنا قد تكون لديها تحفظات كثيرة ضد النظام وقد تختلف مع اسلوب ادارة البلاد لكنها لن توافق على أي تدخل اميركي مباشر او غير مباشر لان اميركا لم تتدخل في بلد وانصلح حاله، دائما تعمل على نشر الفساد والخراب انظر مالذي فعلته في افغانستان، تدمير وقتل وخراب وفوضى حتى الان». الناس كانوا يستعدون للتظاهر وسألني السائق عما اذا كنت مهتما بالانتظار لمتابعة ماقد يحدث من خطب واثارة للمشاعر المناهضة لاميركا، قلت له «الرجاء البحث عن اقصر الطرق للانطلاق من هنا». وانطلقت السيارة مسرعة إلى اصفهان عبر الجبال والاودية، قرى وادعة صغيرة تصادفك وانت في الطريق الجبلي، وحين تشاهد من النافذة الاطفال والعجائز الذي يعيشون فيها تتذكر مشاهد ماقبل ظهور التلفزيون الملون، هل هناك توقفت الحياة؟ اقول مجيبا: لا اعتقد، فايران دولة قارية شاسعة الاتساع والتنوع وتضم الف مدينة وخمسون الف قرية يعيش بها اكثر من سبعين مليون انسان وليس معقولا ان يعيش الجميع في ظروف متساوية او مشابهة لزمن الناس الذين ينعمون بحياة كحياة سويسرا مثلا! اقترح السائق بعد مرور اكثر من اربع ساعات من السير المتواصل الاستراحة لتناول طعام الغذاء في مدينة (سميرم) الجبلية التي اشتقت لونها وشكلها من جبال زاغروس. وصلنا إلى (سميرم) وكان يوم جمعة، وفي ايام الجمع يأخذ جميع الايرانيين عطلة اسبوعية، فكانت المدينة الصغيرة شبه خالية من المارة ومحالها ومطاعمها مغلقة وبينما كان هواؤها الحار يلفح الوجوه اقترح السائق مواصلة السير إلى منطقة اخرى إلى ان مررنا بقرية صغيرة مجاورة واشترينا من احد الفلاحين قطعا من الجبن والعسل واقداح من الشاي لكي تتواصل الرحلة إلى اصفهان بدون مشقة. بدت علامات الارتياح على وجه السائق رضا بعد تناول الشاي والجبن ولانه ظن ان الامور تبعث على الارتياح واصل السير في طريق جبلي يؤدي إلى مدينة (شاه رضا) التي تتوسط المسافة مابين ياسوج واصفهان ليكتشف بعد اكثر من ساعة ان الطريق مغلق، والطرق هناك تغلق لفترات طويلة اثناء الصيف بغرض الصيانة الا انه لم يكن مايشير إلى ان الطريق تحت الصيانة، وكان لابد من العودة لنكتشف ان اخرين ارتكبوا ذات الخطأ الذي تتحملة ادارة رصف وصيانة الطرق! سلك طريقا اخر متهالكا، كان مستخدما منذ اكثر من 15 عاما ليواصل السير نحو (شاه رضا)، وفي تلك المدينة، قسط اخر من الراحة على قارعة الطريق وشاي وماء وبعض الفاكهة لان (شاه رضا) كانت تتمتع باجازة الجمعة ايضا! قبل غروب الشمس وصلنا إلى اصفهان، وتوقفت السيارة بجوار احد الفنادق وسط المدينة المكتظ بالمحال التجارية، الا ان الفندق كان يعاني من انقطاع التيار الكهربائي ويخيم عليه الظلام وقال موظف الاستقبال انه امر عادي لان التيار مقطوع في كل الحي ولاشئ يدعو للقلق، تركنا الامتعة في الغرف وتوجهنا سيرا على الاقدام إلى ضفاف نهر (زايندة) الذي يقسم اصفهان إلى قسمين، تخيلنا ان كل اهل المدينة البالغ تعدادهم مليوني نسمة كانوا هناك يسيرون في الحدائق المحيطة بضفتي النهر او يتحلقون حولها بحثا عن نسمة هواء صيفية، غير ان المرشد قال ان ايام الجمع عادة تكون هكذا الناس يخرجون للاسترخاء ليس بقصد الزحام او التجمهر ولكن الكثافة السكانية هنا مرتفعة لان سكان القرى والمدن المجاورة يتدفقون حيث مياة النهر تتدفق ويعودون ليلا إلى أماكنهم حتى لو مشيا على الاقدام. الايرانيون بسطاء للغاية يحاولون التكيف مع ابسط معالم الحياة في بلادهم تعودوا على حياة الشظف والتعب منذ قرون طويلة ولم يعتادوا حياة الترف والاسترخاء فلاشئ سهل في حياتهم، هذا مالاحظناه في اصفهان خاصة على وجوه الاسر القادمة للتنزه في المدينة من القرى المجاورة. اكثر مايميز النهر هو ذلك الجسر التاريخي المقام فوقه ويسمي جسر (خاجو) الذي قام بتشييده عباس صفوي عام 1065 هجرية ويبلغ طوله 105 امتار وعرضه 7.5 أمتار وقد شيد على مايبدو من الرخام والطابوق وتنساب تحته مياه النهر القادمة من مرتفعات جبل بختياري الاصفر (زرد كوه بختياري) عبر مسافات طويلة، اما الجسر التاريخي الثاني المشيد فوق النهر في اوائل القرن الحادي عشر الهجري اثناء حكم شاه عباس الاول فيعرف باسم (سي ويه بل) أي ثلاثة وثلاثون قنطرة لان الجسر عبارة عن 33 قنطرة يمتد طوله فوق النهر إلى 300 مترا وعرضه 14 مترا ويربط بين شطري اصفهان أي بين الحدائق الاربعة واقيمت على جانبيه صالونات صغيرة لتقديم الشاي والحلوى الايرانية للسياح وكلها تتغني بالتراث بزخرفاتها وانارتها واجوائها التقليدية التي تترك لدى الزائر اثرا بالغا وفوق جزيرة صناعية وسط نهر زايندة اقيمت حديقة ياقوت التي يؤمها الالاف يوميا لتناول الطعام التقليدي او تدخين النارجيلة وشرب الشاي ويصعب الحصول على مقعد فارغ فيها يوم الجمعة بسبب الزحام غير العادي. بعد تلك الجولة كان لابد من العودة إلى الفندق في انتظار برنامج اليوم التالي والذي بدأ في الصباح الباكر بزيارة إلى قصر الاربعين عمود (كاخ جهل ستون) التاريخي وقال المرشد ان الملك شاه عباس الثاني هو الذي بني ذاك القصر في العام 1057 هجرية ويقال ان التسمية جاءت من عدد الاعمدة التي استخدمت في البناء وهي عشرين عمودا يضاف اليها عشرون وهو ظلها في الماء أي في الحديقة المقابلة للقصر والاعمدة عبارة عن جذوع الاشجار المغطاة بالواح خشبية مطلية بالوان مختلفة وابرز مافي القصر قاعة المراي وقاعة المراسم وقاعة جهل ستون. ومن الملاحظ ان الايرانيين يدفعون رسوما باهظة مقارنة بمتوسط الدخل الفردي كمقابل للدخول إلى القصور التاريخية او الاثار القديمة والتي تصل إلى خمسة دولارات للفرد الواحد بالعملة المحلية المعروفة باسم التومان. وتفيد الوثائق التاريخية ان مدينة اصفهان انشئت على منحدر صخري على الجانب الشرقي لجبال زاغروس في عهد الملك كيكاووس غير ان بعض النصوص توحي بان تأسيسها يعود إلى عهد طهمورث ديوبند ثالث ملوك البشدادية في مطلع الالف الثاني قبل الميلاد، أي قبل بدء الحكم الملكي للسلالة الاخمينية التي اتخذت من المدينة مقرا صيفيا لها كما كانت في عهد الاشكانيين والساسانيين مركز تجاري عمره اكثر من 900 عام. وتنتشر في اصفهان المساجد التاريخية ودور العلم الاسلامي نظرا لانها كانت اول مدينة في ايران يدخلها المسلمون ويقال حسب المراجع التاريخية ان الاسلام دخلها في العام 20 هجرياً غير ان الحركة الاسلامية تجذرت اكبر في عهد السامانيين وبعدها اصبحت عاصمة للدولة السلجوقية في القرن السادس الهجري ابان حكم الملك طغرل السلجوقي. واصبحت اصفهان للمرة الثانية عاصمة لايران في عهد ابن السلطان جلال الدين الخوارزم شاه غير انها بلغت ذروة نهضتها في عهد السلطان شاه عباس الصفوي الاول مؤسس الدولة الصفوية وكل الاثار الموجودة فيها حتي يومنا هذا من مساجد ومراكز تسوق ومدارس وقصور ترجع إلى ذلك العصر الصفوي وتلك الاثار هي مسجد الامام ومسجد الشيخ لطف الله وعمارة عالي قابو والبوابة القيصرية وكلها تعود الى القرن الحادي عشر الهجري عندما اصبحت المدينة عاصمة للدولة الصفوية. وحسب المراجع التاريخية فان المدينة تعرضت إلى عمليتي تدمير الاولى حين غزاها الافغان فدمروا جزءا منها وذبحوا ابناءها وذلك في اواخر العهد الصفوي والثانية في عهد ابن السلطان ناصر الدين شاه الذي دمر الابنية الصفوية على ضفاف نهر زايندة ونقل العاصمة إلى طهران. ويسترعي سوق اصفهان القديم الانتباه لتخطيطه المحكم وروعة بنائه ويرجع إلى زمن شاه عباس الاول ويتوسط مسجد وقاعة كان الملك يطل من خلالها على الرعية وهم يبيعون ويشترون أما اليوم فان السوق هو مجرد مركز لبيع وصناعة السجاد والحرف اليدوية الاخرى والزائر عادة يمضي بعض الوقت للتعرف على خبايا السوق الذي تلطف اجواؤه الحارة صيفا نافورة مياه عملاقة وتجوب عربات تجرها البغال شوارع السوق حاملة على متنها الزوار الذين يودون معرفة المكان. الحجاب وحرية العبادة لاتزال كنيسة (وانك) على حالها منذ العهد الصفوي على صفاف نهر زايندة وتزين جدرانها رسوم جميلة مستوحاة من حياة السيد المسيح عليه السلام والى جوارها متحف تاريخي. ويمارس المسيحيون الايرانيون طقوسهم بانتظام في تلك الكنسية او في 14 كنسية اخرى في مدينة جلفا الواقعة إلى الجنوب من النهر، الا ان النساء المسيحيات وغالبيتهن من اصول ارمنية يرتدين الحجاب والملابس الطويلة في اطار الالتزام بتقاليد المجتمع الاسلامي الايراني. فالمرأة في ايران سواء كانت مسلمة او يهودية او مسيحية او بوذية او زرادشتية فانها ملزمة بارتداء الحجاب والملابس التقليدية التي لاتفضي باجزاء الجسم إلى الاغراء او اثارة الغرائز. والحجاب اصبح كنوع من التقليد في ايران لدرجة ان المرأة تحاول تحويله مع الملابس الطويلة إلى نوع من الموضه الراقية ليصبح اكثر جاذبية من الملابس العادية. ويقول البعض ان عقوبة عدم ارتداء الحجاب لكل من هن فوق الخامسة عشر تصل إلى السجن لمدة عام لذلك فان الالتزام واضح من قبل الجميع. وتأكيدا على الالتزام فان المطاعم والحدائق تعلق لافتات تقول انها لاترحب بأي امرأة لاترتدي الحجاب حتى حديقة الحيوان ترفع هذا الشعار والشرطة النظامية (الاداب) تقف على بوابات المطاعم والحدائق العامة تراقب المخالفين وحتى زائرات ايران من الاجانب يأتين ومعهن حجاب! اذن الحجاب اصبح هوية المجتمع الايراني لكنه لم يعبر عن الالتزام التام باحكام الشريعة الاسلامية لانه مفروض على الجميع وليس اختيارا. اصفهان ـ د. جمال المجايدة: الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |