فيما كنت اقود سيارتي على الطريق الرئيسية المفضية الى مدينة حيدر اباد، بعد فترة قصيرة من الهجوم على القنصلية الاميركية في كراتشي وجدتني اخرج من الطريق، وأنطلق في طريق اخرى معبدة ثم بعد ميل تقريبا تحولت الطريق الى درب ترابي الى ان وصلنا الى بستان مسور وسط صحراء قاحلة. وقفنا بجانب السور قبل ان يفتح شرطيان ناعسان لنا البوابة الضخمة، حيث كانت صفوف اشجار الفواكه في الداخل تخفي وراءها الجانب الآخر من البستان، وهو المكان الذي عثر فيه على اوصال جثة مقطعة في 17 مايو الماضي. لم يكن احد ممن تكلمت معهم لديه ادنى شك بأنها جثة الصحافي دانييل بيرل. غير ان اي دليل من الاطباء الشرعيين لم يقدم امام المحكمة السرية التي حوكم امامها في 15 يوليو الماضي اربعة من المتشددين الباكستانيين بتهمتي الخطف والقتل في اطار ما كان حينها نصرا جليا للشرطة والقضاء الباكستاني وقد وجه الاتهام لهؤلاء الاشخاص الاربعة، وأدينوا استنادا الى دليل تقني، تمثل في رسائل الكترونية وملفات عثر عليها في كمبيوترات محمولة وشريط الفيديو المسجل للجريمة، اضافة الى شهادة شاهد عيان، فيما يتعلق بحالة المتهم الرئيسي في القضية، احمد عمر سعيد الشيخ، والتي تقدم بها سائق سيارة اجرة قال انه رأى دانييل بيرل، وهو يحشر داخل سيارة مع سعيد خارج مطعم في احدى ضواحي المدينة في اليوم نفسه الذي شهد اختفاءه (المشكلة الوحيدة في هذا الدليل الاخير، كما اخبرني احد المقربين من دوائر القضية كلها، هو انه غير حقيقي). الشرطة الباكستانية، كما اعترفت الحكومة الباكستانية نفسها ليست هي الاكثر كفاءة في العالم. وحينما تطارد مجرما، فإن تكتيكها المعتاد هو القبض على اي شخص له اي علاقة بالقضية مع اقاربه على امل ان الشخص المطلوب سيسلم نفسه طواعية مقابل اطلاق سراح عائلته. وفي قضية بيرل كانت للولايات المتحدة مصلحة مباشرة وبالتالي كانت الشرطة الباكستانية مجبرة على التعاون مع رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي (الاف .بي. آي) وغيرهم من المحققين وربما كان احد المؤشرات على اهمية القضية ان الشرطة الباكستانية قامت بعمل لم تكن تفعله نهائيا في السابق، وهو انها كانت عادة تحتجز الذكور فقط من عائلة المشتبه به، اما في هذه القضية فقد اعتقلت النساء ايضا. وقد نجحت هذه الخطوة في تحقيق الهدف منها. ففي السادس من فبراير الماضي اعلنت الشرطة الباكستانية انها تمكنت من تحديد سعيد باعتباره المتهم الرئيس في القضية. اما ما لم يعلن عنه (وما لم يحط المحققون الاميركيون به علما) فهو ان سعيد في اليوم السابق كان قد سلم نفسه في مدينة لا هور لوزير داخلية ولاية البنجاب، والذي كان سابقا مسئولا كبيرا في المخابرات العسكرية الباكستانية وشخصا وثق فيه سعيد. اما الاعلان عن «اعتقال» سعيد فلم يأت الا في 12 فبراير حينما كان الرئيس الباكستاني جنرال برويز مشرف الذي وصف دانييل بيرل بأنه صحافي شديد التدخل في الشئون الداخلية الباكستانية ومتورط في الاعيب استخباراتية يزور واشنطن. غير ان محاكمة سعيد لم تكن هي الصورة التي بدت عليها في وسائل الاعلام فقط. فقد اعترف بتورطه في القضية الا انه عاد وتراجع عن اعترافه، كما ان المحققين لم تكن لديهم الا ادلة ظرفية تجعله على علاقة اما بالاختطاف او بالقتل والادلة الظرفية لا تكفي للحكم بالاعدام على متهم. ومن هنا تم اقناع سائق سيارة الاجرة بتوفير هذه الحلقة المفقودة، مع ان هذه كانت استراتيجية خطرة حقا، فما ان بدأ المحققون محاكمتهم، حتى راحوا يتخوفون من تمكن الدفاع من تقديم دليل يثبت وجود موكلهم في مكان آخر وقت وقوع الجريمة وهو ما كان سيجعل دعواهم المهزوزة اصلا مجرد هراء. ثم زعزعت القضية مرة اخرى في مايو حينما وصلت الشرطة للجثة، بعد ان قادها رجل يدعى فضل كريم لمكانها وهو الذي اعترف، كما ذكرت بعض التقارير، بأنه شارك في عملية الخطف.. لكن القضية كان يمكن ان تصل الى لحظة حل الغازها في الاستئناف، ويتحول سعيد الى مصدر ارباك للحكومة الباكستانية. فقد قال لي احد المصادر ان سعيد كان واثقا من مقدرته على التوصل لصفقة مع السلطات، فهو يأمل يتجنب الحكم بالاعدام مقابل صمته عن العمليات التي ادعى تنفيذها في الهند لصالح الاستخبارات العسكرية الباكستانية. قال لي احد اقارب الرئيس الباكستاني، وهو يتحدث عنه: «ستحبينه حينما تعرفينه فهو رجل نزيه ولبق وصادق. وهو يفعل كل ما بوسعه لخير باكستان. صحيح ان قلائل للغاية هم الذين يشككون بنزاهة مشرف، غير اني وجدت ان اخلاص مشرف وجهوده لصالح باكستان لم تعد تحظى بالكثير من الحماس. وقال لي احد اصدقائي القدامى: «لقد تغير وهو الآن نصف الرجل الذي كان عليه سابقا، حيث يحيط نفسه بالمداهنين والبيروقراطيين، كما انه لم يجر عملية تطهير للتخلص من واحد في المئة من الادارة المدنية الباكستانية. يقول الناس عنه انه سريع التحرك، لكنه يقبل بما يقال له بسهولة كبيرة، ويصفه الناس بعبارة تعني بالاوردية «آذان ضعيفة». وقال لي البعض انه نافذ الصبر، ولم يدرك مصاعب حكم باكستان، والعقلية العسكرية فيه لم تتطور لتتكيف مع تعقيدات السياسة. وهو الآن يواجه مطالب من المحكمة الدستورية العليا باعادة الديمقراطية الى باكستان في اكتوبر المقبل، وهي المطالب التي يقول انه يريد الانصياع لها. لكن فيما يقترب الموعد المضروب له، يبدو على نحو متزايد ان العسكري الكامن في اعماقه ليست لديه الرغبة في اعادة مقاليد السلطة الى الساسة المدنيين الذين يزويهم. وفي مسعاه للموازنة بين هذه الاهداف، ارتكب مشرف سلسلة من الاخطاء السياسية جعلته يبدو رجلا عسكريا من الطراز العتيق. البرلمان الذي ينتظر انتخابه في اكتوبر المقبل سيهيمن عليه، في الاغلب، اقوى حزبين باكستانيين وهما حزب الشعب الباكستاني الذي تتزعمه بناظير بوتو وحزب الجمعية الاسلامية بزعامة نواز شريف. واي من الزعيمين ليس ودوداً ازاء مشرف. واذا اراد هذا الاخير ان يكون في بلاده سياسيون مدنيون مذعنون فعليه ان يبتكرهم ابتكارا. ومحاولاته لفعل ذلك لم تفلح إلا في افقاده المصداقية. فالرجل الذي وعد مواطنيه بتطهير الساحة السياسية وظف مرة اخرى الاستخبارات العسكرية في محاولة لشق الجمعية الاسلامية وتأسيس ما يسميه المعلقون السياسيون بـ «حزب الملك» اي تأسيس قوة سياسية جديدة موالية له وهذا ما دفعه لعقد تحالفات مع زعماء محليين كان قد وعد سابقا بمحاكمتهم. غير ان مرشحي مشرف لم يحققوا نتائج جيدة في الانتخابات المحلية خلال العام الماضي، ويجازف مشرف بالتعامل مع برلمان معاد له بعد انتخابات اكتوبر النيابية ورئيس وزراء يتمتع بالسلطتين الديمقراطية والشرعية اللتين ليس لمشرف اي منهما. وفي ابريل الماضي حاول مشرف اكتساب الشرعية باستفتاء طلب من المقترعين فيه منحه دورة رئاسية جديدة لمدة خمس سنوات وكان الرئيس الباكستاني الاسبق جنرال ضياء الحق قد لجأ الى الوسيلة نفسها بعد الانقلاب الذي قاده، والفارق بين الرجلين هو ان مشرف اقتنع بأن قضيته مختلفة عن قضية ضياء الحق. فعندما عرضها على حكومته، لم يعارضها سوى عضو واحد فيها فقط. غير ان المحكمة الدستورية العليا وهي تحاول اصدار حكم في هذا التحدي القانوني للدستور، قررت ان ذلك الاستفتاء لا يتمتع بأي اثر دستوري. واصبح مشرف الآن في موقف صعب. ومع انه قام بحملة انتخابية في مختلف ارجاء باكستان وزار الكثير من التجمعات المحلية الا ان الناخبين في يوم الاستفتاء فضلوا البقاء في بيوتهم. لقد كانت فكرة الاستفتاء من بنات افكار الجنرال توفيق نقفي المسئول السابق في سلاح المدرعات، والذي عينه مشرف رئيسا لما اسماه على نحو فيه الكثير من التبجيل «المكتب القومي لاعادة الهيكلة» وهي لجنة كلفها مشرف باعادة صياغة الدستور. وأخذ نقفي على نحو متزايد يظهر بمظهر الرجل المعين لمساعدة مشرف في تعزيز صلاته وعلاقاته، وهو المشروع الذي لا يسير على نحو جيد فيما يبدو. وكان نقفي قد كشف عن اقتراحاته الدستورية في يوليو الماضي فلم تقابل بالحماس. وفي محاولة منه لابعاد السياسيين القدامى عن الساحة، اقترح الا يسمح لاحد بالترشح في الانتخابات، ما لم يكن يحمل شهادة جامعية، وهي فكرة لا تحظى بالشعبية في بلد فشلت حكوماته المتتابعة فشلا ذريعا في توفير التعليم لابنائه. اما الانتقاد الاقسى فكان من نصيب دور العسكر الذين سيهيمنون على مجلس الامن القومي الجديد ودور الرئيس. فالتعديل الدستوري سيعطي الرئيس الباكستاني الحق في تعيين رئيس الوزراء وتولى رئاسة مجلس الامن القومي كما ان الرئيس «بعد مشاورة مجلس الامن القومي سيحتفظ لنفسه بالصلاحيات المتعلقة لحل الحكومة والبرلمان. والصعوبة امام تحقيق هذه الرؤية الديمقراطية تكمن في ان البرلمان الجديد المنتخب في اكتوبر المقبل يجب ان يوافق على دستور مشرف الجديد، وان يعمل تحت مظلته وبدون استثناء كان كل ممثلي الاحزاب السياسية يصفون هذا الامر بأنه غير مقبول. وقد تجمع الجانب الاكبر من النشطاء السياسيين الباكستانيين في صفوف «التحالف من أجل استعادة الديمقراطية» المعارض لمشرف. في احد المساءات، ذهبت لازور الجنرال نقفي في مكتبه الواقع في مبنى مهيب، وهو يرجع الى مرحلة بنازير بوتو. بدا المبنى الضخم الذي بني على الطراز المغولي، نصف مهجور وبدا الجنرال بملابسه وهيئته اشبه برجال الاعمال منه بالجنرالات. وكان الجنرال ميرزا اسلم بيك رئيس الاركان الباكستاني السابق، قد سألني: ما الذي يجعل رجلا لم ينجح في كل حياته العسكرية في ان يحقق ولو انجازا واحدا، يعين في منصب يؤهله لاعادة صياغة الدستور؟ وقد سألت الجنرال نقفي السؤال نفسه، لكن بصياغة اكثر دبلوماسية من دون ان ابدو مغرورا، فقال: «من الصعب ان اجيب عن هذا السؤال من دون ان ابدو مغرورا. لنكتف بالقول انني ربما لم اكن اسوأ من لبس بزة عسكرية». وفيما مضينا نتجاذب اطراف الحديث اصبح جليا لي انه لا يفهم ما الذي يجعل الناس يعترضون على الدستور الجديد، فلم تكن تمثل بالنسبة له اي مشكلة الحقيقة القائلة ان خطته تعطي الجيش السلطة الدستورية الكاملة التي تجعل التدخل العسكري في الحكم شيئا متكررا واضاف: «مجلس الامن القومي سيحقق الانسجام بين رئيس الوزراء والرئيس ورئيس هيئة الاركان». ومشرف يشغل حاليا المناصب الثلاثة معا. وبعد الانتخابات لن يتبقى له سوى اثنين وابتسم وقال: «هذه هي مراكز السلطة الثلاثة. الدستور الجديد يعطي الجيش دورا سياسيا. يجب ان ندخله في السياسة لنبقيه خارجها». استقبلني مشرف في راولبندي، وهي معقل قوي للجيش خارج العاصمة اسلام اباد، وذلك في قصر جميل يعود الى العصر الكولينالي، يخصص لاقامته باعتباره قائدا للجيش. وكان بمقدوره اختيار مبان اخرى بعد الانقلاب، منها مقر الاقامة الرسمي لرئيس الوزراء، او مقر الاقامة الرسمي لرئيس الدولة، وهو مبنى عصري وجميل شيد بجانب البرلمان بشكل له مغزاه الرمزي. غير ان مشرف رجل عسكري، فقلبه وقوته السياسية يبقيان في راولندي. توقفت سيارتي عند البوابة وقطعت المئتي متر المتبقية سيرا على الاقدام امام الحراس الذين يعدلون وقفتهم حين يلاحظون مروري بقربهم.انتظرت في غرفة بالطابق الارضي تحدثت فيها مع الجنرال رشيد قريشي، رئيس العلاقات العامة في الجيش، الا ان الباب فتح ودخل مشرف بخطى رشيقة، كان يرتدي بدلة قاتمة، زراها العلويان مفتوحان والثالث الاسفل مشدود تحت بطنه. وقال ان ضغوط العمل والام الكتفين قد قللا كثيران من قيامه بلعب الاسكواش، وان رياضته تقتصر الآن على الهرولة بصحبة حارس شخصي في ارجاء القصر الذي يسمى «بيت الجيش» واصبح هو وزوجته قلقين فيما يتعلق بموضوع وزنيهما، بدا انه يشعر بالحر وغير مرتاح، فخلع السترة وبدا يعالج ربطة العنق، حيث بدت بقع العرق على قميصه من الخلف. والرمزية التي تحملها ملابس مشرف تخضع لتدقيق وثيق. فعندما يلقى خطابات مهمة على التلفزيون الباكستاني يحرص على ان يرتدي بزته العسكرية، وحينما ذهب ليلتقي برئيس الوزراء الهندي اتال بيهار فاجبايي في اغرا، ارتدى ملابس تقليدية، مثلما فعل حينما استقبل الرئيس الاميركي بيل كلينتون عام 2000، اما اليوم فهو ذاهب الى حفل زفاف، وبالتالي اراد تجريب هذه البدلة الانيقة، اعرف انه نجا من اربع محاولات اغتيال، وقيل لي ان هذا جعله يعتقد بأنه رجل قدري. بدا لي انسانا عاديا وهو يجلس بجانبي، بدا رجلا في اواسط العمر بعويناته وبعض الشيب يعلو شاربيه وصدغيه، يصارع الزرين اللذين يشدان ياقة قميصه، فوق صدغيه كان الشعر مصبوغا بلون كستنائي وقيل لي ان والدته التي تقيم معه ومع زوجته والتي يتناول مشرف معها طعام الافطار معظم الايام هي التي اصرت على صبغة الشعر. سألته عن ليلة الانقلاب الذي قام به على نواز شريف فقال انه حالما حطت طائرته على الارض، كان همه الاول ما الذي سيقوله للأمة: «كان خطاباً قصيراً لكن مثل هذه الخطب هي الاصعب» عمل على صياغة الخطاب على امتداد ساعتين مع جنرالاته «اردت ان اتحدث بصدق عما في قلبي لم يكن لدي اي مؤشر لما ستكون عليه سياستي او ما الذي سأفعله للبلاد لم اكن مهتماً بالسياسيين، ولم اتعامل ابداً مع اي منهم حتى اصبحت قائداً للجيش» لكنه قال انه بهذا البعد كان راضياً عن ادائه «لا يمكن ان يحقق الانسان بنسبة مئة في المئة ما يريد غير اني انتشلت البلاد من المستنقع الذي كانت فيه، عرضت البلاد سنتين ونصف السنة للخطر الهائل، الا اني استطيع القول وانا راض عن النفس، ان حكومتي قد عملت على نحو جيد «تحدثنا عن الازمة الاخيرة وعن خطر نشوب حرب نووية. اصر هو على القول انها لم تكن محتملة الوقوع ابداً، على الرغم من ان وقوف الجيشين العدوين منذ زمن طويل على اهبة الاستعداد جعل هذه الامكانية موجودة وبرأيه ان النزاع حول كشمير له صلة بحقيقة ان الهند لم تقبل مطلقاً قيام دولة باكستان. قلت ان زيارة فاجبايي الى لاهور عام 1999 قد فسرت الى حد كبير جداً على انها رمز لهذا الاعتراف تماماً ايماءة نوايا طيبة نسفتها ازمة كارجيل غير ان هذا اثار مشرف. قال: «زيارة فاجبايي للاهور لم تكن ايماءة قبول حينما قدم فاجبايي كان ذلك محاولة لتصفية قضية كشمير لكن الشعب الباكستاني رفض ذلك كنت اجلس هنا حينما قرأت المسودة لم تأت على ذكر كشمير ابداً كانت خطته تقوم على الصداقة على حساب كشمير، وكان نواز شريف يريد مسايرتها ولم تتضمن المسودة كشمير الا لاحقاً ونتيجة لاصراري على ذلك لم يأت من اجل التوصل لحل دائم ان كشمير لا تزال جرحاً نازفاً حتى اليوم انها سلسلة من الاحداث لا يمكنك القول انها خمسون عاماً من السمن على العسل لم يكن التسلسل ان فاجبايي اتى ثم حدثت ازمة كارجيل، لا، لم يكن الامر كذلك». هل ينظر مشرف لكارجيل على انها نجاح؟ غير جلسته وقال: «كانت كارجيل نجاحاً عسكرياً» وماذا عن العواقب الدبلوماسية؟ قال: «دبلوماسياً اعادت كارجيل الاضواء الى كشمير وما زالت في مركز الانتباه منذ ذلك الحين كان ذلك انجازاً حققه المجاهدون». قلت بالتأكيد كان الامر يتضمن غير المجاهدين ايضاً. اجاب: «طيب، لاحقاً ـ وقعت مزيد من الاحداث، نعم». رفض مشرف الاعتراف بأن كارجيل كان عملية رسمية، وان باكستان كانت راعية لتسلل المجاهدين الى كشمير الا انه لم ينكر ان بعض العمليات الاخيرة في الهند قد ادت الى أزمة عسكرية وقد اضطر نتيجة الضغوط الدولية لمحاولة وقف تحركات القوات غير النظامية عبر خط المراقبة واصر على انه لم يندم على هذا القرار ما دامت هناك استجابة من طرف الهند تتمثل في مفاوضات ذات معنى. واضاف: «ان الصراع الداخلي لم يعد يتطلب مزيداً من الدعم من جانب باكستان فشعب كشمير لن يستسلم لقد كانت القضية هي قضيتنا القومية منذ عام 1947 ولن نتخلى عنها ليست لدينا اي سياسة لارسال اناس الى كشمير عبر اي مؤسسة حكومية صحيح ان هناك منظمات ظهرت خلال العقد الماضي، وهي مكرسة تماماً لهذه القضية لكن ليست الحكومة الباكستانية هي التي تقف وراء كل هذه المنظمات لقد اعطيت تعهداً ازاء خط المراقبة في التفاهم على المحادثات لكن اذا لم تحدث فعلينا اعادة النظر في هذه السياسة».ورفض مشرف ادانة سياسات المخابرات العسكرية الباكستانية التي ادت الى ازمة عبور الحدود وقال: «للأسف تتعرض المخابرات العسكرية الباكستانية للنقد من الجميع هذه الاتهامات خاطئة ولا اساس لها من الصحة فهي تفعل ما تفعله السي اي ايه او المخابرات الهندية او الموساد انها تفعل ما تريد منها الحكومة ان تفعله انها ليست حكومة داخل الحكومة المخابرات العسكرية مكونة من عسكريين، وهؤلاء العسكريون يخضعون لرئاسة قائد عام وانا القائد العام».ويشير مشرف الى ان هناك مزاجاً عدائياً متزايداً عند المسلمين ضد الغرب وقال: «هذه صراعات سياسية وليست دينية، المسلمون مشاركون في كل نزاع فيها اقول لمن حولي دوماً اننا يجب ان نعالج المشكلة من جذورها تلك الامور التي تدفع الناس الى حدود اليأس والاعمال الانتحارية الغريبة انه الاحساس بالعجز واليأس والفقر والجهل» وقد حسب مشرف حسابات المجازفة بالوقوف الى جانب الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر وفي هذا الصدد يقول: «كنت اعرف ان المتطرفين قلة كنت اعرف التاريخ السياسي لباكستان، اعرف انهم لا يحصلون على الاصوات اعرف انه لا يوجد تأييد لطالبان كان الناس يرتعدون من احتمال امتدادها الى هنا انني رجل متدين، الا ان الغالبية العظمى تدرك ان هذا ليس هو الاسلام الحقيقي وقلة من المتطرفين هي التي تؤيد هذا الشكل».عندما سألته عما اذا كان يحصل على ما يكفي من الدعم الغربي بعد 11 سبتمبر، قال انه ليست لديه اي شكوى ازاء هذا الامر واضاف: «قبل ذلك كان الغرب يرى فيّ ديكتاتورياً وعدواً للديمقراطية كان عليهم الحكم علي من طريقة حكمي هل هو ديكتاتوري؟ هل هو اوتوقراطي؟ كانت القاعدة ان يقولوا ان اي عسكري هو ديكتاتور، لكن الديكتاتور الاكبر في باكستان كان بوتو لقد عين نفسه الحاكم الأعلى لباكستان بفعل قانون الطوارئ انا لم افرض الاحكام العسكرية واشار الى انه يأسف لكون منتقديه لم يفهموا الديمقراطية: «ان يكون الزعيم منتخباً شيء وان يحكم بديمقراطية شيء آخر حينما يكون الحاكم المنتخب ديكتاتورياً فذلك لن يكون ديمقراطية، ان حكومتي ديمقراطية ليس هناك رجال عسكريون يديرون الحكومة باستثناء بعض المواقع التي تحتاج لفاعليتهم في الادارة مثل محطات الكهرباء في كراتشي على سبيل المثال، انا الرجل العسكري الوحيد في الحكومة». كان اقتصادي معروف من كراتشي قد ارسل لي مقالة كتبها يهاجم فيها عددا من الجنرالات وغيرهم من العسكريين الذين اصبحوا يشغلون المواقع الحكومية.وقد ذكر فيها قائمة تضم حوالي مئة منهم. غير ان مشرف قال ان هؤلاء ليسوا عسكريين «انهم ضباط متقاعدون، مثل الجنرال نقفي في المكتب القومي لاعادة الهيكلة». ثم التفت الى الجنرال قريشي: «هل تذكر أي جنرال مازال في الخدمة العسكرية موجود في منصب حكومي؟».. ولم يتذكر قريشي أحدا. ثم واصل الجنرال مشرف تعداد المحاسن الديمقراطية لنظامه. وقال: «لدينا قضاء مستقل. في أي مكان تذهب اليه هناك حكومة مدنية قائمة. الوزارات تعمل في بيئة ديمقراطية. وكلما أردنا اتخاذ قرار نتوصل لاجماع بشأنه، كما أعقد اجتماعاً للحكومة أسبوعياً يدوم بين ست وثماني ساعات».حينما قلت ان التعديلات الدستورية تتعرض لانتقادات شديدة لأنها تعطيه قدراً كبيراً جداً من السلطة شعر بالغيظ وأصر على ان هذه التعديلات وبدلاً من ان تعطيه مزيداً من السلطة فإنها مصممة بحيث تأخذ منه بعض السلطات «حتى الآن أنا القائد الأعلى للجيش والرئيس التنفيذي للبلاد والرئيس. ما هي السلطة؟ السلطة ان يكون المرء رئيساً تنفيذياً. أن يأخذ القرارات ويدير الحكومة ويحرك الاقتصاد والتمويل وتطوير الطرق الساحلية السريعة والتعليم. أنا من أتخذ هذه القرارات الآن. وأريد ان أتخلى عن هذه السلطات لرئيس الوزراء. إذن ما الذي يتبقى منها؟ ما يتبقى هو انني يجب ان أتأكد من ان حكم باكستان يتم على النحو الصحيح. هل هذا غير واقعي؟ أنا أعطيه الصلاحيات كاملة، وان لم يحسن الادارة آخذها منه».وتابع: «في المشهد السياسي لدينا، إذا أطلقت يد رئيس الوزراء فإن الحكومة ستنهب وتسرق، لهذا يجب احتواؤه دوماً. الحكومات المنتخبة تمارس العربدة هنا». وقال ان هدفه هو ان يضمن عدم استدعاء الجيش للتدخل مرة اخرى وهو «أكثر المؤسسات الباكستانية استقراراً وتنظيماً.. لكن هذا الاستقرار يعتمد على الحكومة التي ستبرز بعد انتخابات اكتوبر. وطوال وجودي في باكستان لم أسمع من أحد تعليقاً مشجعاً ازاء ذلك. وسألته ما الذي سيحدث لو عادت بنازير بوتو الى البلاد؟ أجاب مشرف: «ستدخل السجن». ـ وإذا فاز حزبها في الانتخابات؟ ـ إذا فازوا بالانتخابات يحكمون البلاد، أما أنا فسأكون الضامن بأنهم سيحكمون بنزاهة. وإذا ما رفض البرلمان المصادقة على تعديلاته الدستورية؟ قال: «سنعالج هذه المشكلات حين نواجهها، ستكون هناك ترتيبات تضمن ان هذه الاصلاحات لن تلغى». وأصر على ان الاستفتاء الذي أجراه لم يكن خطأ، إنما مجرد افراط في الحماس من جانب مسئولين خفيضي المستوى. وقال: «أنا أعرف حجم الشعبية التي أتمتع بها، الناس يقفون معي، أعلم انه لم تكن هناك حاجة للغش». سألت مشرف عن المدة التي يريد قضاءها في الحكم، فقال: «أنا أريد ان أستريح، لقد أمضيت في الحكم ثلاث سنوات، وهي لم تكن نزهة، أريد ان أرتاح وأتراجع الى الخطوط الخلفية وترك رئيس وزراء يحكم البلاد، أريد أن أترك المسرح وأنا على القمة وعندي شعبية كبيرة». وسألته عما إذا كانت هذه اللحظة قد ولت. فنفى «لا» مع انه اعترف بأن أوقات عصيبة مرت عليه. «كان فتح الاجواء الباكستانية أمام طائرات الحلفاء وتوفير الدعم اللوجستي لقواتهم قراراً صعباً. لقد تغير العالم منذ 11 سبتمبر. إننا نواجه مصاعب، لكنني متفائل. من الجيد ان هذه المصاعب والمشكلات قد برزت، لقد أصبحت واضحة وعلنية، ولم تبق تتفاعل تحت السطح، إننا نعالجها بمواجهتها، لقد تم تحديد اتجاه البلاد. هناك التزام قومي شامل، اعتقد ان 11 سبتمبر أخرج المشكلات للعلن حتى نواجهها.وتوقف. لكن الجنرال قريشي تنحنح ليقول: «اعتقد، لو سمحت لي يا سيدي، انك استطعت تحويل كل مشكلة واجهتنا الى فرصة لنا». ورد مشرف «نعم لقد فعلت.. ذلك حقيقي». ومرت دقيقة صمت، ثم سألته مثلما سألت الجنرال نقفي كيف سيجعل منصبه شرفياً. أجاب: «سنأتي لهذا الأمر لاحقا، انني لست رجلاً سياسياً، لن أخوض انتخابات، دوري هو ضمان الديمقراطية في باكستان».ودخلت زوجة مشرف مرتدية زياً حريرياً موشى بالذهب ومنتعلة صندلاً ذهبي اللون، جلست قربنا بطريقة عفوية، ومضت تداعب بيديها حقيبة يد مخملية في حضنها. أصبحت جاهزة للذهاب الى حفل الزفاف، وأصبحت الساعة العاشرة والنصف مساء. هناك مصور ينتظر الجنرال مشرف وهكذا ارتدى السترة وثبّت ربطة العنق وغادر الغرفة ليقف أمام المصور.وفيما كنا ننتظر عودته تحدثت مع زوجته وسألتها عمّا إذا كانت لديها مشكلات في كونها السيدة الأولى في باكستان، قالت: «كان الأمر سيئاً في الأسابيع الثلاثة الأولى، أصبت باكتئاب، كان الأمر مزعجاً، شعرت بالخوف من اضطراري للتكيف مع أوضاع لم أعهدها من قبل، لقد ترفع عن هذه الأمور. انه لا يؤمن بهذه المشاعر. كان الأمر بمثابة قيادة مرحلة ضخمة، غير ان برويز ما كان يخشى اتخاذ القرارات. كما انه يتحلى بحس مرح رائع. انه يستمتع بالصحبة، وينظم الألعاب في حفلات الأطفال، كما انه يحب الخروج والتنزه». ثم وقفت الزوجة، ونظرت بقلق نحو الباب. عاد زوجها الى الغرفة بمشيته المسرعة نوعاً ما، وفيما كان يقول وداعاً رفع يده بالتحية أيضاً. ثم غادر الزوجان الى حيث ينتظرهما رتل من سيارات المرسيدس السوداء، فهناك دوماً، حسبما قيل لي، سيارات تمويه، من يعرف؟ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويوركر»