تحت وطأة الاحتلال، الفقر، القتل، حروب العصابات والمنظمات، الاغلاق، الطوق، التصفيات، تدمير البيوت والابعاد، يمسك احد ما بخيط ذهبي دقيق ويثير انقلابا. الدستور الفلسطيني المؤقت الذي صيغ عام 1996 ينص على ان وزراء جددا يحتاجون الى مصادقة البرلمان. وحين عين ياسر عرفات في يوليو الماضي خمسة وزراء جدد في اطار ما يسمى بالاصلاحات اتضح للكثير من اعضاء البرلمان ان هذه الاصلاحات ربما تجمل بعض الشيء وجه السلطة الفلسطينية في نظر اسرائيل والولايات المتحدة، ولكنها لا تفي بالغرض الحقيقي: أي معالجة الحكومة بمواطنيها. «توجهنا لاسلوب تقسيم الغنائم بدلا من ان نحمل معا العبء» كتب نبيل عمرو الذي استقال من منصبه الوزاري فور تنفيذ الاصلاحات. وكان عمرو قد عبر عن رأي الكثيرين في البرلمان والجمهور الفلسطيني الذين فهموا ان موسم الاصلاحات يوفر لهم الرافعة لتغيير السلطة، ولكنهم قرروا استخدام مادة في الدستور من اجل اجبار الحكومة على الاستقالة. من اراد اصلاحات في السلطة تلقى اكثر مما كان يطلب. فجأة هناك برلمان عربي يتحدث. نواب الشعب يلقنون كل نظرائهم في دول اخرى درسا في الديمقراطية. ابتدع المثقف المصري امين المهدي ذات مرة مصطلح «الخوف من انزلاق الديمقراطية» ومن الصعب الافتراض ان الخطوة التي اتخذها البرلمان الفلسطيني ستكون مثالا يحتذى به. في اسرائيل، كالعادة، السؤال الوحيد المهم هو ما اذا كان عرفات خسر او كسب، وما هو مقدار «مناسبته». لا أحد في الجهاز السلطوي، بما في ذلك في الاستخبارات، قدر ان نتائج اجتماع البرلمان ستكون هكذا. ذلك لان المعركة الاسرائيلية موجهة كلها للالقاء على عرفات بكامل المسئولية عن ما يحدث في المناطق، وبصورة طبيعية نسب اليه القدرة على توجيه كل خطوة، بما في ذلك النقاش البرلماني. لذلك فان السؤال لم يكن كيف يعمل ممثلو المجتمع الفلسطيني بل ما اذا كانت اسرائيل تفقد شيئا من انتصارها اذا تركت عرفات يخطب امام اعضاء برلمانه. لان المعركة تعتبر معركة شخصية ضد عرفات، بدون الاخذ بعين الاعتبار امكانية ان المجتمع الفلسطيني سيعمل ضد سلطته الصدامة نفسها التي يعمل بها ضد الاحتلال الاسرائيلي. ان العمى والصم تجاه ما يجري في المجتمع الفلسطيني يولدان الان الاستنتاج غير الناضج: الضغط العسكري هو الذي اثار هذا التحرك. ولكن الخطوة الديمقراطية هذه لم تجر من اجل اسرائيل او الولايات المتحدة. لا شك انها تسارعت بسبب ضغط الاحتلال لانه في مثل هذه الظروف تتحول الاخطاء الصغيرة ايضا الى اخطاء غير قابلة للغفران، وفساد الاقلية يبرز اكثر على خلفية الفقر العام. ولكن لا يجب التعلق بالاوهام، فالمطالب الاساسية للفلسطينيين لم تتغير لانهم قرروا اعادة ترتيب البيت من الداخل. ومن ناحية ثانية لا يوجد الان حكومة في اسرائيل توافق على ازالة القفازات اذا تغير النظام الفلسطيني حقا. انتهاج الديمقراطية لدى الفلسطينيين وايضا التنازل لصالحهم عن اراضي؟. عن «هآرتس»