في يوم الغفران، واكثر من أي وقت آخر في السنة، يكون الانسان محكوما بحريته. هو نفسه يختار قائمة الاخطاء التي سيطلب الغفران عنها. لا يوجد حساب نفس حقيقي لا يجري من منطلق الخيار الحر: لا يمكن لاحد ان يفرض هذا الحساب على احد. ماذا نحن؟ كيف عشنا؟ ما هي رحمتنا؟ ما هي قوتنا؟ قيل في صلاة اختتام العيد. نحن نتدبر امرنا بدون اجابات كاملة، ولكننا نحتاج الى الاسئلة الكاملة. في مساء رأس السنة العبرية ما قبل الماضية دخل الاسرائيليون والفلسطينيون في فصل آخر من المواجهة، المتعطشة للدماء، بينهم. فصل مرعب، لم يكتبه القدر بل من صنع الانسان. يدعوه الفلسطينيون انتفاضة الاقصى، «حرب تحرير» بالنسبة لهم. وندعوه نحن «حربا وجودية» بالنسبة لنا. الواقع تغير بمفاجأة تامة، كرعد في يوم صاف. قبل ثلاثة ايام من رأس السنة استقبل ايهود باراك ياسر عرفات في منزله في كوخاف يائير. الضيافة كانت ودية، الجو مريح، الحوار عميق. البرودة والمرارة التي نتجت عن فشل كامب ديفيد تبددت. من شرفات كوخاف يائير كان يمكن ان ترى اضواء قلقيلية، بلدة فلسطينية هادئة، لم يفصل بينها وبين اسرائيل شيء. هنا، قال احد الحضور، وهو يشير باتجاه الحقول المتسترة بالظلمة الساكنة، هنا سيقام قريبا مجمع اسرائيلي - فلسطيني مشترك، هو الاكبر في الشرق الاوسط. بعد ايام من الزيارة التصالحية، اندلعت الانتفاضة. منذ ذلك الحين وهي التجربة المركزية، المقررة في حياتنا. انها هي التي تحدد حياتنا وحياة الفلسطينيين. هي التي ترافقنا اينما توجهنا، من غرف الولادة وحتى غرف الاموات. هي التي ترزح كالسد على القلب، مثل القلعة، هي علامة السؤال الكبيرة التي تبدأ وتنهي نهارنا. نقطة الانطلاق الفلسطينية لبدء المواجهة كانت نظرية «بيت العنكبوت». عبر عنها الشيخ نصرالله، زعيم حزب الله. حسب هذا المفهوم، صحيح ان اسرائيل قوية عسكريا، ولكنها تتفكك مدنيا. مقتبسا مقالات اسرائيليين «محللين، محللات، اشتراكيين، اشتراكيات، باحثين، باحثات في الثقافة» شرح نصرالله كيف ان المجتمع اليهودي منقسم وضعيف، مدلل ونائم، وهن مثل بيت العنكبوت يمكن تدميره بالضغط. يمكن اخضاعه بسرعة. اقوال نصرالله عن قدرة الصمود المعدومة لاسرائيل تبناها عرفات ورفاقه. لقد تلاءمت مع وجهة نظرهم ازاءنا، حد لا بأس به وجهة نظرنا ازاء أنفسنا، هل آمنوا آنذاك انه بعد عامين وبعد مئات القتلى وآلاف الجرحى، وبعد كل الجنازات، الآلام، المخاوف والتخبطات، سيظهر داخل الجمهور الاسرائيلي تصدعات عميقة من الانكسار واليأس؟ في الايام المخيفة من العام العبري ما قبل الماضي كان القليل ممن اجابوا على هذا السؤال بالايجاب . في اليوم الثامن من الانتفاضة وقبل مساء يوم الغفران نشرت يديعوت احرونوت مقالة كتبتها انا تحت عنوان «لا تخطيء يا ياسر!» . في كتاب د. داني دور «صحافة تحت التأثير» حظيت بلقب «المقالة المدهشة» في الاسبوع الاول من الانتفاضة، لقد كتبت بها ما يلي: «الخوف الوجودي عاد ليستقر الى جانبنا، هذا خوف يهودي قديم، ولكن لا تخطيء يا ياسر، هذا الخوف لا يشلنا. اسرائيل تفضل الحل العادل على الدم النازف. انها بحاجة الى دعم الرأي العام الذي يعطى تلقائيا لكل حكومة منتخبة». توقعات المقالة من الايام المرعبة في السنة العبرية ما قبل الماضية تحققت وبعد 700 يوما من المواجهة العنيفة يجب القول ان المجتمع الفلسطيني ايضا مصنوع من الفولاذ. لديه الكثير من قوة الصمود، ليس له ما يكفي من القوة للسؤال. صلوات يوم الغفران لا تتم بكلمات رخوة، الصيغة مباشرة، بارزة، فظة، «أذنبنا، خنا، سرقنا، عذبنا..». في الضوء الساطع لا يمكن اخفاء العار. انه نحن. من صُنع يدينا، ليس ثمة ناطق عسكري يستطيع الغاء ثقل وزنه الاخلاقي. يجدر بهم، الفلسطينيون، ان يتبنوا الحوار الصارخ. بعد عامين من الانتفاضة، فان حساب النفس الاسرائيلي ليس عميقا بما فيه الكفاية، لكنه يزداد ويتعاظم صداه. في الايام المرعبة كنت مشتاقا لان أسمع نساء فلسطينيات بالأسود يهتفن باتجاه عرفات: الى أين تقودنا يا ياسر؟ وكنت أريد ان اتأثر من الطلاب في جامعة بير زيت الذين يحرقون شعارات تحمل صور بن لادن في مظاهرة غضب الشعب الفلسطيني شعب صغير يعاني ويتألم، مهمل، الخلاف بيننا وبينهم يمكن حله فقط على طاولة المفاوضات، كذلك ليس بواسطة الحصار واعادة احتلال مناطق ليست لنا. عن «يديعوت احرونوت»