يستمد هذا الكتاب أهميته من انه يرصد بدقة، عبر الاحصاءات والوقائع والمقابلات الميدانية، مسيرة جانب بالغ الاهمية من ابناء الشعب الفلسطيني في الشتات، حيث نتابع ملامح الواقع السكاني للاجئين الفلسطينيين في سوريا والعلاقة المعقدة التي ربطتهم بوكالة «الاونروا» وتضاريس التكوينات السياسية والعمل الوطني في صفوفهم لنصل في النهاية الى موقفهم من حق العودة. ومؤلف الكتاب، علي بدوان، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، عضو اتحاد الكتاب العرب، له العديد من الكتب التي تتناول ملامح ومحطات عديدة في كفاح الشعب الفلسطيني، احدثها «مخيم جنين» الذي نشرته «البيان» مؤخرا. يقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين، الذين وفدوا إلى الاراضي العربية السورية اثر النكبة عام 1948 بحدود 90 ألف لاجئ (1)، دخلوا الأراضي السورية من المناطق الحدودية المشتركة بين فلسطين وسوريا البالغ طولها 79 كيلومترآً من زاوية جبل الشيخ شمال هضبة الجولان حتى جنوب بحيرة طبريا. وبعضهم جاء عن طريق الأردن، والبعض الآخر عن طريق لبنان عبر الممرات البرية شمال فلسطين، أو عبر الطريق البحري بين عكا، حيفا، يافا إلى صيدا، صور، بيروت، طرابلس، اللاذقية حيث شجعت ودفعت القوات المتبقية من الانتداب البريطاني قبل يوم 15 مايو 1948 المواطنين الفلسطينيين على المغادرة عبر المنافذ البحرية، وبعضهم وصل إلى الأراضي السورية عبر الأردن بعد اجتياز الضفة الغربية، خاصة من أهالي قرى جنوب وشرق مدينة حيفا، ومناطق المثلث، واللد، الرملة، يافا. ووصلت الدفعة الثانية من اللاجئين الفلسطينيين إلى سوريا بعد العام 1956 آتين من التجمعات الفلسطينية التي لجأت إلى الأراضي اللبنانية، ففي الفترة الممتدة بين أعوام 1948 ـ 1956 استمر قدوم اللاجئين الفلسطينيين إلى سوريا من لبنان وبشكل أقل من الأردن، في سياق سعي العائلات الفلسطينية لتجميع شملها الذي تفرق بفعل نكبة 1948. (2). واستكملت هذه الدفعة بعدة مئات من الفلسطينيين الذين طردوا من المناطق المنزوعة السلاح على الحدود الفلسطينية ـ السورية في الشمال والوسط وعلى أجزاء من الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا على امتداد الحدود، وبعد تجفيف بحيرة الحولة، ومسح عشرات البلدات الفلسطينية، وعلى مساحة تقارب 62 ألف دونم من الأرض الزراعية شديدة الخصوبة ومن قرى (3)، منصورة الخيط، يردة، كراد الغنامة، كراد البقارة، السمرة، النقيب العربية، التوافيق، كفرحارب، جسر المجامع، خان الدوير، مداحل المنشية، دفنة، حقاب، الدوارة، بيسمون، العلمانية، تليل، الدرباسية، الجليبينة، ومنطقة غرب بلدة الحمة (4)، الذين أقاموا في منطقة الجولان وتابعوا لجوءهم الثاني بعد عدوان يونيو 1967 إلى مناطق دمشق ودرعا، وتحديداً بين أعوام 1951 1958 عندما نشأ خط حدودي جديد بين فلسطين المحتلة وسوريا بفعل الأمر الواقع والعدوان الاسرائيلي. فقد كان من نتائج حرب فلسطين عام 1948 نشوء خط جديد بين سوريا وفلسطين المحتلة هو خط الهدنة، بحيث اصبح قطاع الحمة وجنوب شرق بحيرة طبريا، ومثلثان صغيران الأول إلى الغرب من نهر الأردن جنوب بحيرة طبريا عند جسر بنات يعقوب، والثاني إلى الغرب من بانياس في الجبهة السورية من خط الهدنة، مناطق مجردة من السلاح مساحتها بحدود 70 كيلو متراً مربعاً وفق أغلب المصادر الموثوقة والمعتمدة. رمال الأيام تتهاوى كانت سوريا تسيطر عشية عدوان يونيو 1967 على 18 كيلومتراً مربعاً من أصل 70 كيلو متراً مربعاً تشكل المساحة الإجمالية للأراضي التي كانت منزوعة السلاح، في مناطق القطاع الشمالي في تل العزيزيات، بينما سيطرت دولة الاحتلال على ثلث المنطقة. وتحددت المناطق المنزوعة السلاح وفق التالي: المنطقة المنزوعة الشمالية قرب بانياس وكانت خاضعة لسيطرة القوات السورية في تل العزيزات، بينما سيطرت إسرائيل على ثلثها بواسطة القوة العسكرية وفلاحة الأرض، مساحتها 4 كيلومترات مربعة المنطقة المنزوعة الوسطى شمالي طبريا حيث سيطرت سوريا على قسم صغير من الهوامش الشرقية لهذه المنطقة، بينما كانت السيادة السورية تامة على الساحل الشمالي الشرقي والشرقي من بحيرة طبريا بطول يقارب 20 كيلومتراً، ومساحتها حوالي 34 كيلومتراً مربعاً، ويوجد في إطارها أربع قرى فلسطينية هي: كراد الغنامة، كراد البقارة، منصورة الخيط، يردة، وبها مستعمرة واحدة هي مشمار هايردن، المنطقة المنزوعة الجنوبية، وتمت السيادة السورية على المناطق الصغيرة شمال قرية النقيب، ومنطقة صغيرة جانب قرية حارب، ومساحة واقعة غربي بلدة خربة التوافيق العليا كذلك على الحمة، وكل ضفة اليرموك ومساحتها 32 كيلومتراً مربعاً وبها ثلاث قرى فلسطينية هي: الحمة، النقيب، السمرة، ومستعمرة واحدة هي عين جيف . والحقيقة انه خلال حرب فلسطين عام 1948، لم تتوقف الأعمال الحربية على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية حتى توقيع اتفاق الهدنة في 22 أبريل 1949 في جزيرة رودس . ووفدت إلى سوريا دفعات جديدة من الفلسطينيين بعد عامي 1970 ـ 1971 مع تمركز فصائل المقاومة والعمل الفدائي الفلسطيني فوق الأراضي اللبنانية والسورية، بينما لم يتم تسجيلهم في سجلات اللاجئين إلى سوريا حيث اقتصرت السجلات فقط على دفعات اللاجئين الفلسطينيين الذين توافدوا إلى سوريا بين عام 1948 وحتى العام 1956. أقام اللاجئون الفلسطينيون في سوريا بعد وصولهم إلى الأراضي السورية في مواقع وتجمعات ومخيمات تركزت بشكل رئيسي في منطقة دمشق وباقي المدن السورية. وقضوا عدة سنوات في الإقامة داخل ثكنات الجيش الفرنسي الذي كان لتوه قد غادر سوريا بعد استقلالها (5)، فيما استقر آخرون لسنوات عديدة داخل المنشآت الحكومية قيد الإنشاء وداخل الجوامع الكثيرة المنتشرة في دمشق (6)،حيث كان كل جامع يضم عشرات الأسر بكامل أفرادها تفصل بينهم البطانيات (7) أقام آخرون في حي الاليانس حي الأمين منطقة الشاغور وسط العاصمة دمشق الذي كان يضم عدة آلاف من اليهود السوريين الذين كانوا لتوهم قد غادروا سوريا نحو فلسطين (8) . وبين أعوام 1953 ـ 1955 استطاعت الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية والعمل، والتي انشئت في سوريا من توزيع الأراضي على اللاجئين بقصد السكن المؤقت وبواقع 24 متراً مربعاً مساحة أرضية للعائلة الواحدة مع دعم متواضع من الإسمنت والمواد الأولية. وهكذا تم بناء التجمع الفلسطيني الأكبر في سوريا في منطقة بساتين الميدان والشاغور جنوب دمشق وأطلق عليه اسم (مخيم اليرموك) من قبل مفتي فلسطين المرحوم الحاج أمين الحسيني تيمناً بمعركة اليرموك (9). أيام حالكة السواد وفي تلك الأيام الحالكة السواد في تاريخ الشعب الفلسطيني والتي لم تغادر ذاكرة الجيل الذي عاش وعي النكبة في سنواتها الأولى حيث تشتت العائلات الفلسطينية الواحدة، وفقدت عملية التواصل بين من بقي على أرض فلسطين وبين من حطت بهم الأقدار خارج فلسطين الى الشتات، فكان المذياع وارسال رسائل الأهل الى ذويهم عبر أثير اذاعة دمشق الوسيلة الوحيدة في التواصل. وكم من العائلات اللاجئة تركت ولداً او رضيعاً أو أجزاء كبيرة من الأسرة الواحدة على أرض فلسطين (10). كما عاشت أعداد إضافية من اللاجئين الفلسطينيين الوافدين إلى سوريا في مناطق أرياف محافظات دمشق وحمص وحماه وحلب والجولان وحوران تحت سقف خيام الاونروا والمساعدات الدولية، وعاشت ظروفاً بالغة القسوة في مناطق شديدة البرودة والرياح، وأكثر من مرة اقتلعت الرياح الخيام من فوق رؤوس ساكنيها، إضافة إلى انتشار الأمراض واتساع حالات وفيات الأطفال وكبار السن نتيجة المآل الصعب الذي عاشه اللاجئون الفلسطينيون سنوات اللجوء الأولى (11). وحسب محددات النمو الطبيعي والتزايد السكاني (المواليد ـ الوفيات) فان زيادة واضحة طرأت على عدد اللاجئين الفلسطينيين ككل، وتضاعفت أعدادهم عدة مرات منذ سني النكبة وهناك احصاءات عديدة توضح مجموع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا خلال سنوات مختارة بين أعوام 1960 ـ 2000 حسب الجنس والنسبة (12). والآن، يقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فوق أراضى الجمهورية العربية السورية، وفق بيانات وكالة «الاونروا» بـ 651،391 ألف لاجيء، وتقرير المفوض العام بيتر هانسن والمقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في يونيو 2001 (13) بزيادة 2.3% مقارنة مع عام مضى حيث بلغ عددهم قبل عام من تاريخه 199،383 ألف لاجيء منهم ما نسبته 13% من مواليد فلسطين الذين تخطوا العمر الزمني البالغ 54 عاماً، وتشير بيانات وكالة الاونروا إلى أن الفئات العمرية للاجئين الفلسطينيين المسجلين في قيودها كما يلي: 36.51% من عمر 15 سنة وأقل، 82،53 % بين 16 ـ 59 سنة، 67،9 % من عمر 60 سنة وأكثر، (14) وتشكل نسبة النمو السكاني وسط اللاجئين الفلسطينيين في سوريا واقعاً تزايدياً عن السنة التي سبقت بنسبة 3،3% ، وبنسبة تبلغ 3.6 % إلى مجموع اللاجئين الفلسطينيين بشكل عام (15)، وتبلغ نسبتهم إلى مجموع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سجلات « الاونروا » 10.3%، ونسبتهم إلى السكان في سوريا 4،2 بالمائة من مجموع سكان سوريا (16)، وتبلغ نسبتهم إلى المجموع العام لكل أبناء الشعب الفلسطيني 2،6 % مسقط منهم أعداد ليست بالقليلة لم يتم اعتمادهم في سجلات «الاونروا» لاسباب متعددة، فضلاً عن وجود عدة آلاف من اللاجئين العرب السوريين الذين كانوا يقيمون في فلسطين لحظة النكبة عام 1948، وتعرضوا للتهجير واللجوء كما تعرض الفلسطينيون، وخسروا أملاكهم في فلسطين من عقارات وأراض ومصالح مختلفة (17) ، والحال فإنهم بقوا خارج كشوف «الاونروا». كما بقيت أعداد إضافية من اللاجئين الفلسطينيين من أبناء القرى التي أحتلت بعد العام 1948 على شريط بحيرة طبريا معظمهم من عرب البقارة والعتامنة. وبذا فان المجموع الفعلي للاجئين الفلسطينيين في سوريا والمقيمين منذ عام 1948، والمسجلين في الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية السورية حتى إبريل 2002 يقارب 423 ألف لاجيء فلسطيني (18). وساعدت في تنظيم شئون اللاجئين الفلسطينيين، خاصة القانون رقم 450 الصادر في تاريخ 25 يناير 1949 الذي أقر إحداث الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب التي ترتبط بدورها بوزارة الشئون الاجتماعية والعمل السورية، ويتألف ملاك هذه الهيئة من دوائر الإدارة المركزية ودوائر المحافظات حيث يوجد لاجئين فلسطينيين دمشق، ريف دمشق، حلب، حمص، حماه، اللاذقية، درعا. واعتبر القانون المشار إليه بأن غاية الهيئة العامة للاجئون الفلسطينيون تقديم المعونة لهم وتأمين مختلف حاجاتهم، وإيجاد الأعمال المناسبة لهم، كما تتولى تنظيم سجلات مدنية بأسماء اللاجئين وأحوالهم الشخصية، وتأمين إعاشتهم وكسوتهم واقامتهم، فضلاً عن استلام كل ما يخصص لهم من تبرعات وهبات عبر الهيئات الدولية وتوزيعها عليهم ، والتنسيق مع وكالة الاونروا في تقديم الخدمات المشتركة لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين فوق الأراضي السورية. وجاء القانون الرقم 260 الصادر بتاريخ 10/7/1965 الذي ساوى الفلسطيني بالمواطن السوري من حيث الأنظمة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم في القوات المسلحة العربية السورية ولاحقا في جيش التحرير الفلسطيني بعد تأسيسه، مع الاحتفاظ بالجنسية الفلسطينية، فاللاجئون الفلسطينيون في سوريا يخضعون لخدمة العلم منذ عام 19 (11). إن القانون الرقم 260 لعام 1956 وفر فرص اندماج الفلسطينيين في سوريا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في هذا البلد بما تضمنه من نص واضح يعتبر من خلاله الفلسطينيين المقيمين فوق أراضى الجمهورية العربية السورية كالسوريين أصلا في جميع ما نصت عليه القوانين. وجاء في 2 اكتوبر 1963 القرار رقم 1311 الذي نظم استصدار وثائق السفر للاجئين الفلسطينيين المقيمين في القطر العربي السوري (11). ويحق للاجئين تملك أكثر من محل تجاري، والانتفاع بالحقوق الناتجة عن الإيجار، واستثمار المتاجر، والانتساب للنقابات المهنية السورية، بيد أن الملاحظ أن هناك فروقاً في تملك الشقق السكنية، فلا يحق للفلسطيني اللاجئ التملك إلا شقة سكنية واحدة (12). أسرار الهرم السكاني يعتبرالمجتمع الفلسطيني في سوريا مجتمعا فتيا تتسع قاعدته العمرية الصغيرة باضطراد مع مرور الزمن بفعل عامل الخصوبة لدى المرأة الفلسطينية، وظاهرة النمو الأسرى حيث تزداد أعداد أفراد المجتمع الفلسطيني في سوريا بمعدل شبه ثابت في وحدة الزمن (في المتوسط 3.5% سنوياً)، ونتائجه في زيادة عملية الإنجاب و النمو الطبيعي لنسبة السكان، فنسبة 2،43 % منه دون سن الخامسة عشرة، ونسبة 62% منه دون سن السادسة عشرة، لذا يتمتع اللاجئون في سوريا بكونهم مجتمعاً فتياً تكبر فيه قاعدة الهرم السكاني الممثلة بالأطفال والشباب ما قبل السابعة عشرة. ففي التوزع العمري وفق أهرامات العمر يطغى طور الشباب، ويليه طور الإنتاج، وطور مابعد الإنتاج. ويتحدد شكل الهرم السكاني لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بمسقط مثلثي على المستوى أشبه بالمثلث المتساوي الساقين ذي القاعدة العريضة، مما يترتب عليه تراجع نسبة القوة البشرية العاملة، وازدياد أعباء الأسرة والإعالة تجاه متطلبات الحياة اليومية الصحية والاجتماعية والتعليمية، أما نسبة كبار السن 65عاماً وأكثر فتكاد تكون 2،3 %. ومن هنا يتمتع مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بخصوبة مرتفعة نسبياً وتكاد تماثل نسبة الخصوبة في المجتمع السوري وتعادل 35،7 وتحدد الخصوبة القدرة الإنجابية للمرأة الواحدة في سن حياتها الاخصابية، وتبلغ بالنتيجة 43 بالألف وتعتبر التنمية البشرية بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا تنمية بشرية متوسطة وفق مقاييس برنامج الأمم المتحدة، بينما حجم القوة البشرية بينهم بلغت بالمتوسط عام 1998 نسبة 54.5%. وبالنتيجة إن مرد اتساع قاعدة الهرم العمري السكاني وطغيان الطور الشاب في الهيكل العمري للتجمع الفلسطيني في سوريا يعود إلى: 1ـ ارتفاع معدلات الخصوبة الكلية للمرأة الفلسطينية في سوريا مقارنة حتى بالمرأة العربية بالأقطار المجاورة وبالحدود النسبية. مع التراجع الملموس خلال السنوات الخمسة الأخيرة «المحدود والمتدرج البطيء» لمعدلات الإنجاب تبعاً لتعقيدات الحياة الاقتصادية وضعف مردود الأسرة ودخول المرأة سوق العمل الإنتاجي. وبالإجمال فإن عوامل التأرجح في النمو السكاني للاجئين الفلسطينيين في سوريا لم تبرز على السطح بعد، ولم تسبب حتى بتجلياتها الأولية أية تغييرات حادة في النمو السكاني للفلسطينيين فوق الأراضي السورية. وعليه، كان لارتفاع نسب التعليم عند المرأة الفلسطينية في سوريا، ودخول العديد من الإناث في سن العمل سوق الإنتاج، وفق وتيرة متزايدة، الأثر الكبير في التراجع المحدود لمعدلات الخصوبة للمرأة الواحدة للعام الواحد كما تم ذكره . 2ـ عدم وجود هجرة غير طبيعية عدد الذكور 104 لكل 100 أنثى أي أن نسبة الذكور تبلغ 51 % داخل مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وهي نسبة اعتيادية وطبيعية جداً في المجتمعات المستقرة . 3ـ وجود مقدرة حيوية على التزايد خلال وحدة الزمن بفعل وجود: مقدرة كامنة على التزايد، ومقدرة فعلية ضمن شروط وتحت ظروف الواقع المعاش. إضافة لما تقدم، وصل العمر المتوقع عند الفلسطينيين في سوريا خلال الأعوام الأخيرة نحو 68.5 سنة للذكور، وحوالي 72.5 سنة للإناث . في حين يصل العمر في الدول المتقدمة إلى 78 سنة للذكور. وتعتبر هذه المؤشرات مهمة وضرورية لما تلقيه من رؤية لواقع التجمع الفلسطيني في سوريا. خاصة وأن العمر المتوقع للذكر والأنثى يحمل دلالاته بما يتعلق بدرجة تطور المجتمع ورقية ودرجة استفادته من الخدمات المقدمة له بجوانبها الصحية والاجتماعية والتعليمية عبر وكالة الأونروا، والحكومة السورية والجهات الفلسطينية المعنية (14). وبالنسبة للقوة البشرية بين الفلسطينيين في سوريا فتبلغ 8،63 % من إجمالي المجموع المقدر في نهاية العام 1995 بـ 339.729 نسمة وهي تتفاوت بين الذكور والإناث. وبالتالي فان حجم القوة البشرية الفلسطينية في سوريا في العام المذكور 2.320.349 فلسطيني. وفي دراسة منشورة صادرة عن مكتب الإحصاء الفلسطيني بدمشق فان عدد المشتغلين من الفلسطينيين في سوريا وصل عام 2000 إلى 54725 مشتغلاً مقابل 45869 مشتغلاً في العام 1995، وأن القطاع العام في سوريا يستوعب أكثر من ثلثي عدد المشتغلين بأجر (14) حيث تتألف القوة البشرية من قسمين : فئة من هم خارج قوة العمل لكنهم لا يعملون ولا يرغبون بالعمل كالطلبة والمتقاعدين وربات البيوت والذين يعيشون من إيراد استثماراتهم. والفئة الثانية فتضم فئة قوة العمل ذوي النشاط الاقتصادي. مقابل ذلك بلغ معدل النشاط الاقتصادي الخام للاجئين في سوريا نحو28.9 %. والغالبية تعمل في القطاع الحكومي السوري وبشكل رئيسي في الخدمات العامة التي تتضمن قطاع التعليم والصحة والأعمال الوظيفية والمحاسبة وغيرها. ووفق البحوث الميدانية التي أجراها المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني فان هناك نحو 74 % من إجمالي العاملين الفلسطينيين في سوريا يعملون بشكل دائم في حين لا تتعدى نسبة المشتغلين بأعمال موسمية أو متقطعة 2% (14). أما مساهمة المرأة الفلسطينية اللاجئة في سوريا في النشاط الاقتصادي فقد بلغت عام 1998 نحو 5،23 %، استحوذ قطاع الخدمات على 5،59 % منهن، والصناعة التحويلية 5،26 % ، وباقي النسبة توزعت على القطاعات الاقتصادية المتبقية، ولوحظ أن 70 % يعملن بصورة دائمة نظراً لأن الغالبية يعملن في القطاع العام (15). ويلحظ وجود دخول الأطفال سوق العمل لأسباب شتى، وفق ندوة تحليل بيانات واقع التعليم وعمالة الأطفال الفلسطينيين في سوريا التي أقامها المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني منها لاعالة أنفسهم 7،37 % ، 15 % لاعالة أسرهم، 9،42% لمساعدة أسرهم، 4،4% لأسباب غير مذكورة (15). وبالنسبة لمؤشرات التنمية البشرية عند الفلسطينيين في سوريا فقد دلت المعطيات والإحصائيات المتوفرة بأن التنمية البشرية متوسطة لديهم وفق المقاييس الدولية لمنظمات الأمم المتحدة. فقد بلغت ما بين 1000 - 1200 دولار سنوياً شأنه في ذلك شأن متوسط دخل الفرد للمواطن السوري بشكل عام (15). الخصائص الاربع وباختصار شديد، يعتبر التجمع الفلسطيني اللاجيء في سوريا مجتمعاً نشيطاً ومبادراً على كل محاور الحياة، كما هو حال التجمعات الفلسطينية اللاجئة في البلدان العربية المختلفة. ولم يشكل في أية لحظة عامل إعاقة، أوعالة، ان كان على محيطه أو في مكان اللجوء الجغرافي. وكما بادر الفلسطينيون للمساهمة ببناء دول الخليج العربي خلال عقود استقلالها الأولى، فان اللاجئين الفلسطينيين في سوريا خاصة وأن نكبة فلسطين تزامنت مع سنوات الاستقلال الأولى لسوريا العربية، شكّلوا عامل بنّاء في الجوانب الاقتصادية والثقافية التربوية التعليمية والسياسية وفي باقي أوجه الحياة في القطر العربي السوري. وبرز منهم أسماء لامعة في صفوف الأنتلجنسيا العربية وفي حياة سوريا على مختلف الصعد، ويمكن تلمس بعض المؤشرات من خلال الأمّيه شبه المعدومة في الوسط الفلسطيني اللاجيء في سوريا وارتفاع نسب التعليم والتعليم العالي. وساعد على هذا القرار 256 لعام 1956 الذي ساوى بين السوري واللاجيء الفلسطيني المقيم والمسجل في سجلات الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا من حيث الحقوق والواجبات، فضلاً عن ما ولدته النكبة والم اللجوء والشتات من طاقات أعطت نتائجها بسيادة روحية الاقدام عند الفلسطيني، وسيطرة إرادة التحدي أمام معترك الحياة بعد نكبة ضياع الوطن (16). إن المجتمع الفلسطيني اللاجيء على أرض سوريا العربية يتمتع بمجموعة من الخصائص التي تؤكد على عمق انتمائه الوطني وتمسكه بحق العودة. فهو مجتمع يتأكد فيه: 1ـ الهوية الوطنية التي تميزه كمجتمع فلسطيني يحمل أبناؤه الجنسية العربية الفلسطينية المندغمة في الإطار القومي على أرض سوريا العربية. 2ـ اعتباره جزءاً من الوعاء الحاضن للحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات. فجميع قوى وفصائل الشعب الفلسطيني تنشط وسط هذا التجمع، فضلاً عن النقابات والاتحادات والمنظمات الشعبية. 3ـ حفاظه على الموروث الشفهي ولذاكرة الوطن في صفوف الأجيال التي نمت ونشأت خارج فلسطين بعد نكبة 1948 (16). 4ـ ديمومة الحلم المشروع في العودة إلى أرض الوطن، والحفاظ على الكينونة الخاصة التي يميزها المخيم الفلسطيني بما يعنيه من ترميز لحق العودة. الهوامش 1ـ انظر : كتاب القدس واللاجئون أمام مفاوضات اللاتوازن ـ علي بدوان ـ دار الأهالي/ دمشق ـ الطبعة الأولى ـ 2000 صفحة87 كذلك: الشرق الأوسط اللندنية / اللاجئون في سورية (علي بدوان) العدد 7857 تاريخ 2 يونيو 2000 2ـ يمكن تأكيد عودة بضع مئات من اللاجئين الفلسطينيين من سوريا بين أعوام 1949 ـ 1952 بطرق مختلفة الى فلسطين، ومنهم عائلة السيدة لطيفة عابدي المقيمة الآن في مخيم اليرموك حيث عادت كامل أسرتها الى حيفا عام 1949، وبقيت مع اسرتها الصغيرة فقط في سوريا، وقد أجرينا معها لقاء حوارياً تناول لحظات النكبة الأولى عند وصول قوافل اللاجئين الفلسطينيين الى سوريا . 3ـ انظر: كتاب علي بدوان: قضايا هضبة الجولان ـ الشرعية الدولية أم تربيع الدائرة / دار الميزان ـ دمشق ـ 2000 الطبعة الأولى . 4ـ أنظر: كتاب علي بدوان: قضايا هضبة الجولان ـ الشرعية الدولية أم تربيع الدائرة /الفصل الثالث ـ دار الميزان «دمشق» الطبعة الأولى 2000 ـ ص 63 .حيث يقدر عدد الفلسطينيين الذين طردوا من قراهم الواقعة في قلب وعلى تخوم المناطق المعزولة السلاح على خط الحدود الفلسطينية / السورية بين 1951 ـ 1958 بحدود 800 مواطن آنذاك وجميعهم خارج كشوف وسجلات وكالة الغوث الدولية «الأونروا» . 5ـ تحديداً موقع مخيم النيرب/ حلب ومخيم حمص. 6ـ المنشآت الحكومية قيد الانشاء مثل مشفى دمشق المركزي المجتهد .. ومساجد أحياء: الميدان، الشاغور، الصالحية، ساروجة.. 7ـ مقابلات مباشرة مع عدد من اللاجئين الفلسطينيين ومنهم السيدة لطيفة عابدي ومنور الأسود ...... حيث السكن الجماعي لأكثر من ستة أعوام داخل الجوامع و المنشآت الحكومية . 8ـ وهو الحي المعروف في دمشق باسم حارة اليهود في منطقة الشاغور. 9ـ زار مفتي فلسطين المرحوم الحاج أمين الحسيني تجمع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك عام 1954 بعد فترة قصيرة من إقامة هذا المخيم وفق شهادة السيدة لطيفة عابدي. وتلاها زيارة الملك المغربي الراحل محمد الخامس الذي وضع حجر الأساس لمستوصف الاونروا في اليرموك عند شارع فلسطين، ومازال هذا المستوصف إلى الآن يحمل اسم: مستوصف محمد الخامس . 10ـ في العام 1995 حدث أول تواصل مباشر بين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وذويهم في فلسطين المحتلة عام 1948 عندما وصلت الدفعة من أناء الجليل والمثلث الى دمشق ووقعت مشاهدات تراجيدية بكل ما للكلمة من معنى، فالطفل الذي بقي في فلسطين عند أقاربه عام النكبة جاء الى مخيم اليرموك ليرى والديه واخوته وقد تجاوز عمره الخمسين عاماً... وتكررت المشاهد بصور مختلفة . 11ـ من الأمراض التي استوطنت بين اللاجئين الفلسطينيين سنوات اللجوء الأولى أمراض: السل، التيفوئيد، الرمد، التراخوما، فقر الدم ...وتعود إلى ذاكرة الجيل الذي عاش وعي مراحل النكبة الأولى مشاهد وفيات الأطفال وتردي الحالة الصحية ، مما دفع الهيئات الدولية للإسراع ببناء وكالة الاونروا، فضلاً عن جهود خدمات المنظمة الدولية التي حملت اسم : الاتحاد اللوثري العالمي في تقديم الخدمات الصحية للاجئين الفلسطينيين في سوريا. 12 ـ معطيات مؤسسة اللاجئين في سوريا + دراسة الباحث الفلسطيني نبيل السهلي ، والمنشورة ضمن سلسلة دراسات مركز شمل للاجئين والشتات في رام الله عام 1997 + تقارير المفوض العام لوكالة الاونروا ، المقدمة إلى السكرتير العام للأمم المتحدة بين أعوام 1993 ـ 2001. وتشير بيانات تقرير المفوض العام إلى أنه من المؤكد بأن أعداد اللاجئين المسجلين الموجودين في مناطق عمليات الاونروا أقل من العدد الحقيقي للاجئين الفلسطينيين تقرير المفوض العام 2001 ص 76. 13ـ انظر : تقرير المفوض العام لوكالة الأونروا السيد بيتر هانسن، والمقدم للسكرتير العام للأمم المتحدة في يونيو2001. 14ـ انظر: تقرير المفوض العام يونيو2001 ـ ص23 ـ مصدر سبق ذكره . 15 ـ المصدر السابق . 16ـ يمكن احتساب هذه النسبة في العودة للتعداد العام للسكان في القطر العربي السوري. 17 ـ كان يقيم في فلسطين لحظة النكبة عشرات الآلاف من المواطنين العرب، من سوريا خاصة من أبناء مناطق دمشق وحوران والجولان ولبنان والأردن، وحسب اللقاءات التي أجريت مع أعداد منهم، فإن مدن : القدس، حيفا، صفد، عكا، يافا، طبريا، بيسان، نابلس ... استحوذت على القسم الأكبر منهم. وغالبيتهم كان يقيم بقصد العمل أوالتجارة، أو السكن الأسري العائد للتداخل العائلي المشترك، واكتسبوا صفة المواطنية الفلسطينية التي كانت تعطى لكل عربي يقيم على أرض فلسطين لفترة تتجاوز الثلاثة أشهر. ومازال الحي الشامي في مدينة حيفا (سوق الشوام) يحتفظ باسمه حتى هذه اللحظة. 18 ـ أنظر: صحيفة الحرية الفلسطينية ـ لقاء مع علي مصطفى المدير العام للهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا ـ العدد 902 ، 1976ـ بتاريخ 28 اغسطس 2002 ص4.