في العقد الاخير، قدم عدد من الزعماء والكبار المدنيين والعسكريين للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية امام محاكم دولية او محلية (مثلا ميلوسفيتش من يوغسلافيا ـ سابقا وفينوشا من التشيلي). والقانون الدولي الانساني، الذي تطور خلال عشرات السنين من الحروب الدامية، لا يزال حيا وقد يتعزز بالاجراءات التي ستتخذها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ان قرار المحكمة العليا بشأن النقل القسري لمكان سكن افراد عائلات «انتحاريين» فقط اذا كانوا قد ساعدوا «الارهاب» ويشكلون خطرا امنيا يستوي مع الميل الدولي لفرض قوانين الحرب الانسانية. غرض قوانين الحرب ـ حسب نص اعلان سان بطرسبورغ عام 1868 ـ هو القضاء بقدر الامكان على شغب الحرب. ان بلورة هذه القوانين التي كان رجال الجيش شركاء فيها، استندت وتستند على الالتزام بايجاد توازن حساس بين الاحتياجات العسكرية من جهة والاعتبارات الانسانية من جهة اخرى. على المستوى المبدئي، اتيح للطرفين المتحاربين مجال عمل واسع جدا ولكن حسب قواعد لاهاي عام 1907 قيدت حريتهم في اختيار وسائل المس بالعدو. وبلغة المحكمة العليا ليست كل وسيلة فعالة هي وسيلة قانونية. هل القائد العسكري لمنطقة خاضعة للسيطرة الحربية (احتلال باللغة الشائعة) مخول بأن يحدد نقل احد سكان المنطقة من مكان سكنه الى مكان آخر في نفس المنطقة؟ تساءلت المحكمة العليا واجابت: من ناحية قانونية مصدر صلاحية وقوة القائد العسكري هو قواعد القانون الدولي بشأن السيطرة الحربية والتي تشكل جزءا من قوانين الحرب. هذا المصدر هو قانون جنيف الرابع لحماية المدنيين اثناء الحرب (1949) والذي يحدد في احكامه التوازن اللازم بين الاحتياجات العسكرية والامنية وبين حقوق الانسان. ميثاق جنيف الرابع، الذي يستند على مبدأ انه خلال السيطرة الحربية تمنح الدولة المحتلة حق الحيازة او السيطرة فقط للتفريق عن حق الملكية او السيادة ـ وذلك بهدف تجنب اجراء تغييرات ديمغرافية في المنطقة المحتلة. وعلى ضوء ذلك لا يجوز لها اجراء النقل باكراه او ابعاد افراد او جماعات الى اراضي أي دولة اخرى، مهما كان الدافع. ولنفس السبب مُنعت الدولة المحتلة من نقل اجزاء من سكانها المدنيين الى الارض المحتلة (المادة 49). وينص الميثاق ايضا بالصدد الذي يبحث في المحكمة العليا: لا يعاقب أي فرد على مخالفة لم يرتكبها بنفسه. والعقوبات الجماعية وكذلك كل وسائل التخويف او الردع محظورة: (مادة 33). ومقابل المحظورات المذكورة اعلاه يجيز الميثاق للدولة المحتلة ان تطبق على السكان في المنطقة المحتلة احكام القانون التي تهدف الى ضمان امن الدولة، قوات الاحتلال، والمؤسسات وخطوط المواصلات التي تستخدمها. ومحاكمة كل منتهكي القانوني امام المحاكم العسكرية للدولة المحتلة وفي حالات خطيرة الحكم عليهم بالاعدام (مادة 64) وليس هذا وحسب: عندما تعتقد الدولة المحتلة ان ثمة حاجة بحكم الضرورة الامنية لاتخاذ وسائل امنية تجاه سكان المنطقة يحق لها، على الاكثر ان تخصص لهم مكان سكن او اعتقالهم (مادة 78). لذلك فان توازن قوانين الحرب الانسانية هو من جهة الحظر المطلق على الابعاد الى ارض اخرى واتخاذ وسائل ردعية او عقوبات جماعية ومعاقبة انسان على مخالفة لم يرتكبها، ومن جهة ثانية اجازة التشريع الامني، والتقديم لمحاكمة جنائية وفي حال وجود ضرورة امنية مطلقة ـ الاعتقال الاداري او نقل مكان السكن بالاكراه. في قرارها حددت المحكمة العليا بصورة مشددة الشروط التي يجوز، عند توفرها، للقائد العسكري ان يقرر نقل مكان السكن بالاكراه والتي لا يجوز تجاوزها: معاقبة الشخص على فعل ارتكبه، تقديم المشتبه بهم للمحاكمة الا اذا كان ذلك مستحيلا بسبب عدم كفاية الادلة، نقل مكان السكن بالاكراه كوسيلة اخيرة لتجنب خطر امني كامن في الشخص بعينه، وفي كل الاحوال يحظر استخدام ذلك لغرض ردع غيره. وهذه الشروط التي حددتها المحكمة العليا تستوي مع خط التوازن حسب قوانين الحرب الانسانية المفصلة في ميثاق جنيف. قرار المحكمة العليا يشكل سابقة مهمة ليس فقط بسبب انه حسم قضية طرحت امامه، بل ايضا لما يعنيه من اندماج في خطوة دولية تهدف الى فرض احكام القانون الدولي الانساني وردع منتهكيه. عن «يديعوت أحرونوت»