تفيد التجربة التاريخية في أماكن مختلفة من العالم، مثل شمالي ايرلندا وسريلانكا بأن احدى العقبات الكبرى في الطريق العسير، حتى اتفاق السلام النهائي هي تصاعد العنف في الفترة الانتقالية. فمن جهة، أو حتى من الجهتين، تنهض أو تنبعث محافل ترى في الاتفاق الذي يطل من الأفق خطرا على مصالحها الجماعية على المدى البعيد، وتستخدم كل الوسائل التي في حوزتها للتخريب على مسيرة السلام. «معرقلو السلام» اولئك على علم جيد بالتأثير المدمر لانفجارات العنف المتكررة على آمال قيادتهم في تجنيد التأييد الجماهيري الواسع. وفي بعض الاحيان تشجع القيادات نفسها بعض المحافل على استخدام العنف ولا سيما لممارسة الضغط على الطرف الآخر. ومهما كان العنف مبادراً له فان تأثيره على الطرف الآخر يؤدي في أغلب الاحيان الى العداء والى سياسة غير متنازلة مثلما حصل بالفعل في السنوات الماضية بين اسرائيل والفلسطينيين. هناك سبيل واحد للتصدي لحاجة الطرفين للتعبير عن استيائهما من الجوانب المختلفة للمسيرة دون ان يحدثا تصعيدا في العنف وهو ان يستبدل الفلسطينيون استخدام الارهاب بأساليب مقاومة غير عنيفة: كالمظاهرات الجماهيرية، ومقاطعة البضائع والاعتصامات واغلاق الطرقات. في منتصف شهر اغسطس الماضي جرت برعاية المنظمة الأميركية «سيرش فوركومون جراوند» استطلاعات للرأي العام متوازية في اسرائيل وفي مناطق السلطة، في محاولة لتوقع احتمالات مثل هذا التغيير الاستراتيجي. وحسب الاستطلاع، فان معظم الجمهور الفلسطيني، 62 في المئة، يعتقدون بوجوب البحث عن أساليب جديدة للتعبير عن مقاومتهم للاحتلال.ويؤيد 80 في المائة منهم اقامة حركة مقاومة تنتهج نشاطات غير عنيفة. وأكثر من 60 في المائة من الذين أجريت معهم المقابلات قالوا انهم مستعدون للمشاركة بأنفسهم في نشاطات المقاومة غير العنيفة، مثل مقاطعة البضائع، ونحو 40 في المئة كانوا مستعدين للمشاركة في نشاطات فيها بعض المخاطرة مثل التصدي بأجسادهم للجرافات التي تصل لهدم المنازل. أما نتائج الاستطلاع في الجانب الاسرائيلي - اليهودي فلا تقل اثارة للاهتمام: فقد اعتقد 78 في المئة من الذين أجريت معهم المقابلات ان للفلسطينيين حقا مشروعا للكفاح في سبيل اقامة دولة مستقلة، شريطة ان يستخدموا أساليب غير عنيفة. ويعتقد 56 في المئة بأن للفلسطينيين حقا مشروعا للكفاح ضد توسيع المستوطنات، شريطة ان يستخدموا لهذا الغرض اساليب غير عنيفة.وللنتائج أهمية عظمى، ذلك انها تشير ليس فقط الى ان الطرفين غير راضيين عن الوضع الراهن، بل وايضا الى انهما مستعدان للنظر في امكانية ادخال تغييرات مهمة على مواقفهما والسياسة التي يتبعانها، باتجاه تخفيض مستوى العنف. ويبدو ان الفلسطينيين مستعدون للنظر في امكانية الانتقال الى الاساليب غير العنيفة لتقديرهم بأن الارهاب لم يؤد الى النتائج المرجوة، ولا سيما في تجنيد التأييد الدولي لكفاحهم. أما الجمهور الاسرائيلي فيتبين له انه رغم سياسة القبضة الحديدية فان الثمن الدموي يتصاعد فقط.وفي أعقاب ذلك يمكن للمرء ان يفهم الاستعداد للمرونة أكثر في المفاوضات على الحدود. بيد انه لأجل ان يحصل مثل هذا التغيير في الطرف الفلسطيني وان يلقى الاستجابة من الطرف الاسرائيلي فانه ثمة حاجة الى مبادرة وتأييد القيادات السليمة لمثل هذا التغيير بعيد الأثر في الظروف الراهنة. ومع ذلك، فان الاغلبية الساحقة، 86 في المئة، من الجمهور الاسرائيلي - اليهودي يقدرون بأن احتمال ان تقوم في الطرف الفلسطيني حركة مقاومة غير عنيفة هو احتمال طفيف أو معدوم، بل ان 57 في المئة من المشاركين في الاستطلاع قالوا انه حتى لو كان واضحا بأن الفلسطينيين يبتعدون عن استخدام العنف وينتقلون الى المقاومة غير العنيفة، فانهم لن يروا في ذلك برهانا على تنازلهم عن هدف تدمير اسرائيل. ومن الصعب بالتالي ان نتنبأ بأن يبقى هذا التسامح على حاله، اذا ما استبدل الفلسطينيون «الارهاب» بالمقاومة غير العنيفة، فما بالك انه في حينه سيتبين للجمهور في اسرائيل بأن عطف الرأي العام العالمي سيكون لمن يستخدم استراتيجيات غير عنيفة. عن «هآرتس»