وضع أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سيمون كوزينتس القانون الاقتصادي الشهير المعروف باسم قانون كوزينتس، ومفاده ما يلي: (1) تميل المجتمعات المتخلفة والفقيرة نحو المعاناة من قدر كبير من عدم المساواة. (2) غير ان هذه المجتمعات حين تنهض من واقع الفقر وتتحول نحو التنمية يصبح عدم المساواة، في بداية الأمر أكثر سوءا. (3) لكنها حين تصل مستويات حديثة ومتقدمة يظهر نوع من العودة المنتظمة نحو مزيد من المساواة. إذا صدق هذا القانون فسيكون اكتشافا عظيما، فهو يعني بالنسبة لأوروبا الغربية وأميركا مستقبلا يمتد من 2005 الى 2025. بعيداً عن مقولة ان الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً. وللأسف فإن الاقتصاد ليس ولن يكون علماً دقيقاً مثل الفيزياء، أو الرياضيات. فقانون كوزينتس بدأ يواجه الرفض بفعل الحقائق الصريحة في التاريخ الاقتصادي حتى قبل وفاة عالم الاحصاء التاريخي هذا. فبعد ان بدأت شعبية سياسات النهج الجديد والحزب الاجتماعي الديمقراطي، أخذت رياح الاقتصاديات المتقدمة في اميركا الشمالية وأوروبا الغربية ودول غرب المحيط الهادي تهب في العقود الأخيرة بقوة نحو مزيد من عدم المساواة في معظم اقتصاديات السوق. ولنذكر حقيقة قوية على سبيل الايضاح. فقبل 40 عاما من الآن كان معدل مرتب المدير التنفيذي الأميركي في شركة كبيرة يبلغ 40 ضعف معدل مرتب موظف جديد في الشركة نفسها اما الآن فقد بلغ الرقم 400 ضعف ـ أي معدل مرتب المدير التنفيذي قفز 10 أضعاف. وتشير احصائيات مؤسسة جيني عن اللامساواة عن تحول مشابه أيضا في دول أوروبا الغربية والدول الاسكندنافية. وفي المقابل فإن من الصحيح ايضا ان معيشة الفقراء في المناطق ذات الانتاجية المرتفعة قد تطورت وتواصل تطورها بحيث تفوق الدخول الحقيقية للفقراء في المجتمعات الأفقر. وبالتالي فإن مقولة «الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً» هي تلخيص منقوص للتحولات العالمية المعاصرة. لو أن الهند عام 1950، أو لنقل كوريا الجنوبية عام 1950، كانتا حينها محاطتين بدول فقيرة بقدر فقرهما من كل جانب، فهل كانت التنمية فيهما بين عامي 1950 و2002 اسرع ام ابطأ يا ترى؟ كل الأدلة الممكنة تعطي اجابة واحدة غير ذات لبس على هذا السؤال. والاجابة ذاتها تسري على السؤال لو كان موضوعه اقتصاديات أوروبا الشرقية بعد تخليها عن الشمولية على الطراز السوفييتي.إن اي مجتمع فقير، ما ان يبدأ بالتنحية، حتى يستفيد قطعا الى حد كبير من وجود مناطق ذات انتاجية اعلى منه في محيطه. اذ لن يكون بمقدوره ان يأمل فحسب باستيراد بعض من تقنياتها المتقدمة، بل ان قوانين الميزة النسبية حين تطبيقها على التجارة الدولية تؤكد بأن حكما بأن الحصول على الموارد من العالم المتطور سيطلق نموا يقوده القطاع التصديري ويميل لتوفير توجه تصاعدي في اجور صافي السوق الحقيقية في المجتمعات الناشئة. فمن اليابان الى هونغ كونغ وسنغافورة، وكوريا كان النمو القائم على التصدير النموذج المشترك بينها. فما الذي يجعل روسيا أو المجر حالة مختلفة من الآن وحتى عام 2010؟ إن تقريرا حديثا أعده استاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، زافير سالامارتن لصالح المكتب القومي للبحوث الاقتصادية يوثق فعلا هذه الفرضية المفرحة. وفيما يلي اقتطف بضعة سطور من هذه الدراسة المطولة المنشورة عام 2002.في السنوات العشرين الأخيرة «تراجعت نسب الفقر بشكل مهم» اذ ان العدد العالمي للبشر الذي يحصلون على دخل حقيقي يقل عن دولار واحد في اليوم «تراجع ليصبح أقل ب235 مليون شخص». كما انخفض عدد الذين يحصلون على دخول يومي يقل عن دولارين ب450 مليون شخص.. وكانت آسيا صاحبة القدر الأكبر من هذا النجاح خصوصا بعد عام 1980. وأميركا اللاتينية خفضت معدلات الفقر بشكل مهم في السبعينيات لكن هذا التقدم توقف في الثمانينيات والتسعينيات. أما أسوأ القارات حالا فكانت افريقيا التي ازدادت فيها معدلات الفقر بشكل واضح..نعتقد ان هناك تسعة مؤشرات لعدم المساواة متضمنة في التوزيع العالمي للدخل. كل هذه المؤشرات شهدت تقليصا مهما لعدم المساواة على مستوى العام خلال الثمانينيات والتسعينيات». كيف يمكن لهذه الجملة الأخيرة ان تكون صحيحة؟ لنتذكر فقط ان مليارين من مليارات العالم الستة يعيشون في دولتين فقط هما الصين والهند. ولنتذكر ايضا انه بعد ان بدأ هذان العملاقان بالسير في ركب الاقتصاد العالمي الجديد، قفزت الدخول الحقيقية فيها.. بقدر مشابه لما حصل في غربي الهادي في الفترة السابقة لذلك. ولألخص لكم فيما يلي احدث ما توصل اليه خبراء التاريخ الاقتصادي للعالم كما جاءت في كتاب «اقتصاد العالم: منظور ألفي» الذي نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للبروفيسور ـ آنفوس ماديسون، وحساباته قادته للتقديرات التالية: كان دخل الفرد في افريقيا عام 1000 للميلاد يفوق دخل الفرد الأوروبي حينها بما يقل عن 10 في المئة! وهذا يعود الى ان الناتج الاجمالي الأوروبي قد تراجع بنسبة 10 في المئة بين عهد الامبراطورية الرومانية في السنة الأولى من التقويم الميلادي وعام 1000 للميلاد. لكن حوالي عام 1500 للميلاد بدأت أوروبا بتوظيف المعارف العلمية الجديدة لتتفوق في نموها على المناطق الأخرى من العالم: فما بدأ في ايطاليا الكاثوليكية سرعان ما انتشر الى هولندا البروتستانية لتصبح في المقدمة ليستمر ليستمر طوال القرون الثالثة التالية.. حتى عام 1836 حينما اصبح لبريطانيا اليد العليا. وفي عام 1904 جردت أميركا بدورها بريطانيا من المقدمة لتواصل تربع على القمة حتى الآن. وتدحض احصاءات وحسابات ماديسون التقديرات السابقة التي تزعم ان الصين كانت متقدمة على الغرب عام 1800 تليها بفارق بسيط اليابان. وتقول هذه الحسابات ان مستوى دخل الفرد في عهد ماوتسي دوغ في الصين كانت بالكاد تصل الى10 في المئة من مستوى اوروبا الغربية.ويبدو من كل ذلك ان العلوم الى جانب آليات السوق التنافسية كما يشير شهادة التاريخ الاقتصادي على المدى الطويل هي النموذج الوحيد لتحقيق النمو الانتاجي المستديم. فدخل الفرد في بورتوريكو في الحقبة «الاستعمارية» كانت الاعلى في اميركا اللاتينية. وفيما استطاع نظام كاسترو في كوبا على مدى العقود الاربعة الماضية ايصال التعليم والخدمات الصحية الى كل الفقراء في الريف والمدن، فإن دخل الفرد الحقيقي انخفض بنسبة 36 في المئة. وهذه القصة تنطبق ايضاً على الصين الماوية.ولنتذكر ايضاً ان اوروبا الشرقية الستالينية والمانيا الشرقية كانتا على تناقض صارخ في الانتاجية والنمو مع اقتصاديات اوروبا الغربية ذات السوق الحر. وان كان هذا التناقض صارخاً فإن هناك تناقضاً آخر مدوياً بين شمال وجنوب الجزيرة الكورية. بمقدور المرء ان يفهم سبب استياء الفقراء في افريقيا والشرق الاوسط من العالمين النامي والمتقدم. ومن الطبيعي لطلاب الجامعات ذوي النظرة المثالية في المجتمعات الغربية الغنية ان يحتجوا في الشوارع ضد العولمة. فهؤلاء يشعرون بالصدمة حين يرون اطفالاً يعملون في مواقع عمل صعبة وفي بنايات ملوثة. الا انهم لا يأخذون في الاعتبار ما الذي سيحصل للدخول الحقيقية عند قاعدة الهرم في تلك المناطق الفقيرة لو ادت القوانين الحمائية الى اعادة فرص العمل المتوفرة عندهم الى مجتمعات اكثر غنى. لنحاول ان نفكر بعمق فيما سيعنيه ذلك بخصوص اللامساواة في العالم. هل هذا يعني اني اعتقد بأن كل شيء على ما يرام في العالم؟ لا.. ان الدول الغنية مطالبة بأن تتعلم كيف توازن الاقتصاد المشترك المعاصر بين آليات شبه قائمة على مبدأ عدم التدخل في السوق والسياسات العامة لتنظيم وتخفيف اسوأ اشكال اللامساواة التي لابد وأن يكون ظهورها حتمياً في الاسواق الحرة الساعية لمزيد من التحرر. ما ذكرته هو رأي اخصائى امضى عمره يعمل اقتصادياً اكاديمياً. وقد قدمت لرأيه ببعض الادلة التي توصل لهذا الرأي. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»