لا وجود للأشجار ولا للهواتف. وكلما ارتفعت اكثر في تسلقك للجبال التي تشكل حاجزا طبيعيا وراء ساحل البحر الاسود، في تركيا وتمتد الى منطقة القوقاز. في جورجيا، كلما قل وجود مثل هذه الاشياء. وفي القرى النائية وعلى امتداد الطرق الوعرة المنحدرة، التي طوعت للاستخدام كطرق للمواصلات، تزول المكونات المألوفة للحياة واحدا تلو الآخر. وما يتبقى هو رحابة السماء والمنحدرات الكئيبة المكسوة بالنباتات الشوكية والأعشاب البرية وصخب سيول الانهار الجليدية في وديان معتمة. في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، قام شاب يوناني يدعى ياسون ببناء قارب اسماه «آرغو» واستدعى 50 محاربا لكي ينضموا اليه في رحلة من اليونان الى طرف العالم المعروف: كولشيس وهي منطقة كانت تغطي في السابق الجزء الاكبر من الجانب الغربي من جورجيا المعاصرة وكانت تمتد على طول ساحل البحر الاسود من القوقاز الى طرابزون. وفي هذا المكان كان هناك كنز ذهبي معلق على شجرة بلوط ويقوم على حراسته ثعبان لا يعرف النوم ابدا، ولقد اقسم المحاربون الذين قدموا مع ياسون على اخذه بطريقة او بأخرى من «أبيتز» ملك كولشيس. ولقد اصبحت الاشياء التي نفذت للوفاء بهذا القسم من ايمان وقرابين وتعويذات سحرية قاتلة، واحدة من اشهر الاساطير في العالم القديم. بالطبع لم يكن لياسون اي وجود، وذلك هو السبب الذي جعل من الضروري ابتكاره. وأي شخص كان يصغي لهذه الحكاية، عندما وثقت كتابة في القرن الثالث قبل الميلاد، أدرك الفكرة العميقة من ورائها والتي لا صلة لها بالأميرات الساحرات او ارادة الآلهة ولها كل العلاقة بقصة الاستيطان اليوناني لساحل البحر الاسود. فقد كانت هذه المنطقة منطقة خطيرة معروفة حتى اليوم بعواصفها المفاجئة ومشهورة، على الاقل بالنسبة لأولئك الاشخاص الذين سردوا الاسطورة، بقبائلها المتوحشة وعاداتها البربرية. ومع ذلك، فإن الاغريق نجحوا تدريجيا في اقامة صف من المدن على طول الساحل الشمالي لتركيا وباتجاه الشمال الشرقي الى كولشيس، وهي تمثل نقاط الاتصال المثالية للتجارة عبر البحر واليابسة. غير ان الإغريق لم يكونوا سوى جزء من تاريخ طويل ومعقد عايشته هذه البلاد. فالانسان الاول ظهر في جورجيا قبل حوالي 1.8 مليون سنة والآن في القرن الحادي والعشرين، يمزج سكان غربي جورجيا العادات والرموز المستقاة من الثقافات الدينية المختلفة التي جاءوا منها كالوثنية والمسيحية واليهودية والاسلامية والخلفيات القومية مثل البابلية والعربية والرومانية والروسية. والحياة على الشريط الضيق من السهول بمحاذاة الساحل الشرقي التركي على البحر الاسود، الموصول من البحر والبر مع العالم الخارجي، هي وحدها التي ظلت تجاري التقويم الزمني، حيث تبدو الحداثة في طرقها والسيارات ومظهرها العام. وبخلاف ذلك، فإن الاراضي الواقعة خلف الجبال الوعرة في كل من شرقي تركيا وجورجيا تنتمي بدرجة غير عادية الى الماضي. وبصرف النظر عن الاختلافات في اللغة والملبس لدى الجماعات العرقية في تركيا في جورجيا، فإن الناس يشتركون في جذور ضاربة العمق والتاريخ. ولا يزال عالمهم هو عالم الشرف المقدس والتضحية بالدم والانتقام وتربية الحيوانات والكدح الطاحن للنساء. يعتبر الناس الذين يعيشون في الجزء الغربي من تركيا كل من يقطن الى الشرق من سامسون من قبيلة اللاز. والأمر الذي يظهره هذا القول هو الاعجاب الذي يشعر به سكان منطقة البحر الاسود في تركيا ازاء الريفيين في المنطقة. ويجسد حوالي 200 ألف شخص من اللاز الصلة القديمة بين جورجيا وتركيا، عندما كانت المنطقة المقسمة الآن بحدودهما المشتركة تعرف باسم «مملكة لازيكا» او كما عرفت في وقت لاحق تحت الحكم العثماني باسم «لازستان». يشتهر اللاز بكونهم مستقلين تماما في نمط حياتهم، حتي انهم يقولون انه لا احد يستطيع ان يتحمل رجال اللاز سوى نسائهم. غير ان اللاز ليسوا هم العرق المميز فقط في هذه المنطقة الشرقية. فهناك مجموعات عرقية اصغر مثل الهيمشن والروم والجبني. وعلى الرغم من ان سكان منطقة البحر الاسود في تركيا لا يزالون يحتفظون بعاداتهم وأزيائهم التقليدية، الا ان بعض تلك العادات اخذ يتلاشى ويذوب في البحر الواسع المسمى الحياة المعاصرة. ضرار عمير