انهم «يقومون بتلميعه»، هكذا قالوا في زوايا الشوارع في شرقي القدس مؤخراً في ظل التقارير وعناوين الصحف حول محاكمة مروان البرغوثي في المحكمة المركزية في تل ابيب. والمقصود من هذه العبارة كان ان السلطات الاسرائيلية عرفت بأمر الجلبة الحاصلة وانها تقوم بابراز شخصية البرغوثي في أوساط الرأي العام وتعده لامكانية استبدال ياسر عرفات. محاكمة البرغوثي أكسبته بالفعل شعبية كبيرة في الشارع الفلسطيني. الجميع يرونه في محطات التلفزة في العالم ويسمعون تصريحاته المتكررة حول كونه رجل معسكر السلام. والاستنتاج هو ان كل هذه المحاكمة ما هي الا مسرحية اسرائيلية، وان هناك احتمالا قائما لان تكون جزءاً من سياسة المؤامرات الهادفة الى تحويل عضو البرلمان الفلسطيني وأمين سر حركة فتح مروان البرغوثي الى الزعيم الفلسطيني الجديد. ومن يعتقد بذلك هم بالأساس فلسطينيون راغبون في استئناف عملية السلام عما قريب. فمروان البرغوثي بالنسبة لهم هو زعيم جاء من الداخل، أي انه ليس جزءاً من المتفرغين السياسيين القدامى في منظمة التحرير الفلسطينية الذين جاءوا من الخارج. البرغوثي كان في المعتقلات الاسرائيلية في السابق وتعلم العبرية، ويعتبر شخصا نظيفا له مواقف معتدلة وملائمة لادارة المفاوضات. الاتهامات الاسرائيلية له بأنه أرسل القتلة لقتل الاسرائيليين لا تعتبر اتهامات موثوقة في المناطق. المتحدثون الاسرائيليون ادعوا ان الكثيرين في القيادة الفلسطينية قد ساعدوا القائمين بأعمال العنف، ومن بينهم مسئولون كبار في الاجهزة الامنية في الضفة وغزة (توفيق الطيراوي، رشيد أبو شباك وغيرهم). اذا كانوا قد قالوا ان هناك أدلة تثبت تورط عرفات نفسه بدعم الارهاب، وان السلطة الفلسطينية كلها «ملوثة بالارهاب» فما هو الامر الخاص اذا بالنسبة للبرغوثي؟ ولماذا يلاحقونه هو بالتحديد؟. التفسير الحقيقي لمحاكمة البرغوثي يختلف على ما يبدو كليا. هذه المحاكمة تعتبر دليلا من نواح كثيرة على امكانية استئناف المفاوضات السلمية بين الجانبين اليوم. ومع بدء المحاكمة جاءت الامور التي أدلى بها رئيس الوزراء ارييل شارون بمناسبة العيد اذ صرح ان اتفاقات اوسلو لم تعد قائمة. وسائل الاعلام الفلسطينية أبرزت هذه التصريحات، وعضو المجلس الوزاري الفلسطيني غسان الخطيب قال بأن من يرى حظر التجول والاغلاق المفروضين على الضفة بسبب الأعياد اليهودية يدرك ان السياسة الاسرائيلية لا تفضى الى التسوية وانما الى اتجاه معاكس: اقامة حكم اسرائيلي مباشر وكامل في كل المناطق. محاكمة البرغوثي هي جزء من السيناريو التشاؤمي. فاذا انتهت المحاكمة بادانة البرغوثي وسجنه فسينضم الى ألوف السجناء الامنيين الموجودين الآن في السجن الاسرائيلي ومكانتهم مثيرة للخلاف. الامور معروفة، هؤلاء السجناء يعتبرون في نظر الفلسطينيين مقاتلين سقطوا في أسر العدو. أما اسرائيل فتنظر اليهم على انهم أشخاص يتوجب استنفاد العقوبة الصادرة بحقهم حتى آخرها. وحتى اتفاق اوسلو لم ينجح في تسوية الخلاف حول مكانة السجناء الامنيين الذين سجنوا وحوكموا في اسرائيل. عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين لم تؤد تقريبا الى اطلاق سراح سجناء امنيين محكومين وانما قصرت من فترات الحكم المفروضة عليهم. وفي الواقع لم توافق حكومات اسرائيل أبدا على اطلاق سراح سجناء امنيين كبار طواعية، وانما فعلت ذلك تحت ضغوط صفقات تبادل الأسرى. اسرائيل أطلقت سراح 2000 سجين فلسطيني تحت ضغط الصفقات. وحسب معطيات الصليب الاحمر يوجد في السجون الاسرائيلي اليوم أكثر من 8 آلاف سجين أمني فلسطيني. والمعطيات الاسرائيلية مشابهة جدا (يتوجب الحصول عليها بشكل منفصل من جهاز «الشاباك» والشرطة ومصلحة السجون). والفلسطينيون يدعون ان هذا العدد يصل الى 9 آلاف سجين. ومن الواضح ان العدد يتزايد بصورة يومية. وتتزايد معه الاحتجاجات في السجون وخارجها وتتزايد مطالب الفلسطينيين بأن يكون اطلاق سراحهم شرطا مسبقا لكل مفاوضات. عن «هآرتس»