بعد سويعات من هجمات 11 سبتمبر، ظهر الرئيس جورج بوش لفترة وجيزة امام الاعلام في قاعة باركسديل الجوية بولاية لويزيانا، وقال: «الرسالة واضحة، الولايات المتحدة ستمسك بالمسئولين عن هذه الافعال الجبانة ، وتعاقبهم» كان ذلك رد فعل واضحاً ومحدداً على الهجمات غير ان بوش وبعد تسعة ايام، قدم الى مبنى الكونغرس ليحدد «القاعدة» باعتبارها الجهة المسئولة عن هذه الهجمات، وحدد ايضا خطة عمله المفصلة: الولايات المتحدة ستطارد «القاعدة» في جميع انحاء العالم وعلى الداعم الحكومي الرئيسي للقاعدة وهي طالبان ان تتعاون مع اميركا بالكامل في هذا الامر، أو انها ستفقد السلطة في افغانستان، ثم قال بوش جملتين جديرتين بالذكر، غير انهما اقل وضوحاً: ان حربنا تبدأ بالقاعدة لكنها لن تنتهي بها، الحرب لن تنتهي، إلا بعد اكتشاف وايقاف وهزيمة كل جماعة ارهابية ذات بعد دولي. ان الفرق بين الانتقام من القاعدة واعلان الحرب على الارهاب يماثل الفرق بين الرد واعلان مبدأ استراتيجي جديد، وبداية من ذلك الخطاب بدأ بوش يصعد من رهانه على المبدأ الاستراتيجي، ففي الخطاب التالي مباشرة امام الكونغرس، وهو خطاب حالة الاتحاد في يناير الماضي قال: دولتنا ستواصل عزمها وثباتها واصرارها على تحقيق هدفين رئيسيين، الاول هو اننا سنغلق كل معسكرات الارهابيين، ونفرق شملهم، ونعرضهم على العدالة، والثاني هو اننا يجب ان نمنع الارهابيين والانظمة التي تسعى لامتلاك اسلحة كيماوية وجرثومية ونووية من تهديد الولايات المتحدة والعالم. وهكذا وجدنا بوش يعلن مبدأ استراتيجيا ثانيا، حيث يوسع نطاق فهم اميركا للحرب من مواجهة المنظمات الارهابية الدولية ليمتد الى الحكومات التي لم تكن بالضرورة على علاقة بالقاعدة او متورطة بهجمات 11 سبتمبر، وفي ثلاث خطب لاحقة ألقاها في الكليات الحربية في ديسمبر وابريل ويونيو اوضح بوش تماما ان الولايات المتحدة تنوي الاطاحة بحكومات اخرى غير حكومة افغانستان وفي خطاب يونيو وهو الاكثر قوة بين الخطب الثلاث قال ان مباديء الحرب الباردة القائمة على الردع والاحتواء لم تعد كافية للولايات المتحدة وانما من الآن وصاعداَ، يجب ان ننقل المعركة الى ارض العدو ونجهض خططه ونواجه اسوأ التهديدات قبل ان تظهر وبمعنى آخر شن الحرب ضد الدول الاخرى بشكل وقائي. ومع ان كل هذه التعبيرات مهمة، فإن الحرب ضد الارهاب، هي العبارة التي شاعت وليس بوش هو وحده الذي يستخدمها، فالصحافة والمعارضة الديمقراطية تفعل ذلك ايضا، بل انها نجحت في الاختبار الاساسي للخطابة الرئاسية، لقد دخلت صميم اللغة السياسية، واصبحت تؤطر الطريقة التي يفكر بها الناس حول رد الفعل الاميركي على هجمات 11 سبتمبر بشكل انساهم ان الحرب ضد الارهاب لم تكن النتيجة الوحيدة والحتمية والمنطقية على تلك الهجمات. خلال وضع مسودة خطاب بوش الاول دار جدال حتى داخل ادارته نفسها حول استخدام كلمة «حرب» على الرغم من ان اول شيء قاله بوش عمليا بعد سماعه نبأ ارتطام الطائرة الثانية بمركز التجارة العالمي وهو اننا في حرب ربما كان في صف استخدام الكلمة، فالرؤساء الاميركيون كانوا يعلنون حروباً رمزية ضد اعداء غير تقليديين اي ليس ضد دول او تحالفات ذات سيادة، على الاقل منذ اعلن ليندون جونسون الحرب على الفقر عام 1964، فبفعلهم ذلك كانوا يحصلون على نتائج بينة، ذلك ان اعلان الحرب يعد العامة بجهود ضخمة لحل المشكلة الماثلة مع الطلب ضمنيا في المقابل منهم توفير مستوى الدعم الذي لا يحصل عليه السياسيون عادة إلا في الظروف الاستثنائية. لكن لذلك مساوئه ايضا، فالارهاب، شأن الفقر والتضخم والمخدرات لن يجلس امامك على الطاولة ليوقع استسلامه غير المشروط امام كاميرات التلفزيون، والعامة قد تمل الحرب التي تستمر سنوات، وبالتالي قد تصبح خطابة الحرب فخاً، اي هجوم ارهابي واحد ناجح ضد الولايات المتحدة، حتى لو كان هجوماً قليل الشأن، سيفتح بالتأكيد باب الجدل حول «خسارة» هذه الحرب ضد الارهاب، والادارة الاميركية تعي ذلك ولهذا السبب اعلن بوش حربه بالتوازي مع الاشارة الى ان نتيجة الحرب لن تكون نهايات محددة وطلب كثير من الصبر من جانب العامة، ولهذا السبب ايضا تحدث المسئولون الاميركيون وتحديداً وزير العدل جون اشكروفت عن الهجمات المستقبلية باعتبارها حتمية واقعة، ومع ذلك نجحت الادارة الاميركية في اقناع البلاد على مدى عام كامل بأنها في حالة حرب من ناحية الفكرة. وعلى الرغم من ان بوش حدد اعلانه الاولي للحرب ضد الارهابين بعبارة ذوي البعد الدولي، إلا انه استمر عمليا بتقديم الوعود بالقضاء نهائياً ليس على القاعدة فحسب بل على كل منظمة جهادية اخرى تعمل عبر الحدود، بل انه وجه الدعوة لدول مثل اسرائيل وروسيا والهند وغيرها لتطلب المزيد من المساعدة الاميركية في مواجهتها المعارضة السياسية المسلحة لانها تهاجم المدنيين ويمكن تصنيفها كارهابية وكان هذا الالتزام من جانب بوش ضخماً جداً. الجزء الثاني الاوضح وقعاً في خطاب بوش الاول هو ان كل دولة في كل منطقة عليها ان تأخذ قرارها الآن، اما ان تكونوا معنا او ان تكونوا مع الارهابيين، يمثل التزاما مخيفا آخر من جانب الولايات المتحدة لان اجبار كل دولة في كل منطقة بالوسائل القهرية على التقولب ضمن صيغة معنا وضد الارهابيين، امر اكثر تعقيدا من الشكل الذي وضعه بوش، فالمثال الاكثر وضوحا على الدول التي وقفت معنا ضد الارهابيين امر اكثر تعقيداَ من الشكل الذي وضعته بوش، فالمثال الاكثر وضوحا على الدول التي وقفت معنا ضد الارهابيين وهي باكستان لاتزال على نحو واضح تخرق انذار بوش بأن من اليوم فصاعداً ستعتبر الولايات المتحدة اي دولة تواصل ايواء او دعم الارهاب دولة معادية، لان باكستان هي موطن الجماعات الانفصالية التي تعمل في كشمير، والسبب الذي يجعل الرئيس الباكستاني برويز مشرف اقل التزاما بمبدأ بوش هذا هو انه لو فعل سيطاح به وتصبح باكستان اقل بكثير في وقوفها معنا مما هي عليه الآن. وفي الاشهر الاخيرة اخذ بوش وآخرون في ادارته يتحدثون عن دعم الديمقراطية في الشرق الاوسط، بينما يذكرنا مشرف الذي وصل للسلطة بانقلاب عسكري وغيّر الدستور الباكستاني لجعل الانتخابات في بلاده امراً قليل الشأن لأبعد قدر ممكن، يذكرنا بأن السياسة الاميركية في الكثير من انحاء العالم لا تتناسب ابداً مع الواقع على الارض كما ان المعيار الذي يقترحه بوش للقيام بأعمال عسكرية وقائية ضد الأنظمة التي تهدد الولايات المتحدة سيمثل مشروعاً هائلاً آخر اذا ما نفذ حرفياً لان هناك اكثر من عشر حكومات ليست حليفة رسمية او يعتمد عليها للولايات المتحدة وتمتلك بعض الامكانيات التسلحية الجرثومية او الكيماوية فإذا ما اخذنا بوش على المحمل العلني لكلماته تكون الولايات المتحدة ألزمت نفسها تحت شعار الحرب ضد الارهاب بمجموعة جديدة من الالتزامات السياسية الدولية اكثر تعقيداً او طموحاً وصعوبة في تحقيقها مما تشير اليه عبارة بوش الاشكالية تلك. منذ شهور لم يعد هناك جدال حقيقي حول الحرب ضد الارهاب وذلك شيء يمكن فهمه، فقد بدأنا ننسى المدى العميق من الرعب الذي بثه الهجوم في نفوسنا والى اي مدى كان الاحساس بالحاجة للتناغم بعد هجوم كان يتجاوز الخيال ليس بالنسبة للاميركيين العاديين بل حتى لأهم خبراء الارهاب وبدا ما كان سائداً من بعض الانشقاق في الايام الاولى التي تلت الهجوم بأنه يجب وضع حد له بادارة تعافي وطنية حربية سرية قد اصبحت مهتمة بمشكلة زيادة البطالة بين النقاد السياسيين الوطنيين الحماسيين. وبعد انقضاء العام الاول، بدأ الصف الاول من الديمقراطيين ـ وفقط الصف الاول من الديمقراطيين لأن معظم المرشحين الديمقراطيين لمقاعد في الكونغرس الآن ما زالوا على دعمهم الثابت للرئيس ـ بدأ الصف الاول منهم بالافصاح عن نقد ببعض الحدود لادارة الرئيس بوش لهذه الحرب وباقتراح طريقة مغايرة لمتابعتها ويختلف هذا النقد من ديمقراطي لآخر، مع ان من الممكن بدون اي تجن وصف الرؤية التي تبرز هذا النقد بأنه شيء من مثل «الحرب ضد الارهاب: نسخة مطورة». ففي خطاب امام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك فبراير الماضي قال آل جور انه لم يعد يشعر بأنه مقيد أمام انتقاد سلوك بوش في هذه الحرب كما كان يشعر في اوائل الشتاء الا انه امتدح تحديداً فكرتا بوش الرئيسيتان اللتان كان بوش قد اوضحهما وهما الحرب ضد الارهاب ومعارضة اميركا للأنظمة المتمردة اما الانتقاد الذي عبر عنه فهو ان بوش لم يكن يفعل ما يتجاوز محاولة تنفيذ هذه الاهداف عبر وسائل ليبرالية مثل المساعدات الخارجية والدبلوماسية. ومنذ ذلك الوقت ألقى معظم الديمقراطيين ممن يمثلون آمال حزبهم في الرئاسة كلمات تدور حول بعض الافكار نفسها وقال هؤلاء بشراسة ان بوش كان يعمل بشكل فردي ولم يقدم ما يكفي من الالتزامات لاعادة اعمار افغانستان ولم يمول بما فيه الكفاية الجهود التربوية غير الأصولية في الشرق الاوسط ولم يعمد لزيادة الامكانيات الاستخباراتية ولم يتحرك باتجاه تطوير مكتب الامن الداخلي ليصبح بمثابة وزارة حكومية (ومنذ ذلك الحين تبنى بوش الموقف الديمقراطي ازاء تلك النقطة الاخيرة)، واخذت كلمات من مثل «تواصل» و«التزام» و«مشاركة» و«تعاون» بالتكرر كثيراً في هذه الخطابات. والرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون وقف بدوره امام مجلس العلاقات الخارجية في يونيو الماضي ليتحدث عن السياسة الخارجية حاول فيه الوصول الى صياغة اكثر عملية مما قاله الآخرون: قال انه يدعم تبني استراتيجية تقوم على «شركاء اكثر وارهابيين اقل» (او بصياغة اخرى «اعداء أقل وأصدقاء اكثر») وتتضمن مساعدات دولية خاصة بالتربية والصحة والتخفيف من الديون الدولية وزيادة جهود حفظ السلام الدولية. اما عضو مجلس الشيوخ جون كيري الذي يتحلى بأكبر قدر من المصداقية في الخبرة العسكرية بين الديمقراطيين والذي يفكر في خوض السباق الرئاسي فقد فتح جبهة ثانية مع بوش بداية الصيف حينما انتقده واصفاً اياه بأنه رئيس لهيئة اركان عامة، خصوصاً لسماحه بهروب الصف الاول من قادة القاعدة بمن فيهم اسامة بن لادن كما يحتمل، وذلك باعتماده على المقاتلين الافغان ليخوضوا عنه حرباً برية بالوكالة في معركة تورا بورا ديسمبر الماضي. وكان موقف كيري متسقاً مع موقف غيره من الديمقراطيين، فهؤلاء يريدون مزيداً من الحرب ضد الارهاب وليس التقليل منها، وفي حالة كيري فإن المطلوب الزج بالمزيد من الجنود الاميركيين على الارض في افغانستان ويبدو ان ابرز الوجوه السياسية في واشنطن تخوض الآن لعبة محمومة الفائز فيها والمنتصر هو الانجح في توظيف 11 سبتمبر ليكون قاعدة لاستراتيجية اميركية كبرى جديدة تتمتع بالاستمرارية والرسوخ نفسيهما اللذين تمتعت بهما الاستراتيجية التي اقترحها جورج كينان عام 1946 وهي احتواء الكتلة السوفييتية. ومع ان الديمقراطيين مختلفون فيما بينهم حول فكرة بوش المتمثلة بامكانية ان تطيح الولايات المتحدة بأنظمة حاكمة قائمة واستبدال اخرى بها الا انهم يتفقون على اعلان الحرب ضد الارهاب وحول استخدام 11 سبتمبر ذريعة لتوسيع مدة القوة الاميركية الساحقة اكثر مما هي عليه الآن وقد قال لي احد مسئولي السياسة الخارجية في الادارة ان السجال حول السياسة الخارجية داخل ادارة بوش اكثر سخونة واثارة ما يبدو عليه من الخارج.كان هذا المسئول يتحدث عن الصراع بين صقور الادارة ومعتدليها وهو الصراع الذي يصفه الاعلام عادة بأنه جدال يدور بين وزير الدفاع دونالد رامسفيلد (الصقر) ووزير الخارجية كولن باول (المعتدل)، بالطبع هذا الوصف دقيق، غير ان اعشاش الصقور الذين يرون ان على الولايات المتحدة البقاء قوة عظمى وحيدة في العالم لعقود كثيرة مقبلة وان القوة وليس التعاون الدولي هي افضل وسيلة لتحقيق هذه الغاية اعشاش هؤلاء توجد في اماكن اخرى غير البنتاغون وحده.فنائب الرئيس ديك تشيني هو صقر يمضي مع الرئيس وقتاً اكثر مما يمضيه رامسفيلد كما ان هناك صقوراً نافذين في الصف الثاني والثالث من السلطة بعد تشيني ومعاونيه سواء في مجلس الامن القومي او حتى وزارة الخارجية نفسها (خصوصاً جون بولتون، مساعد وزير الخارجية لشئون الحد من التسلح والأمن الدولي) مثلما يوجدون ايضاً في وزارة الدفاع. ومن بين الأسباب التي تجذب الانتباه لهؤلاء الصقور هو انهم يبدون وهم يخرقون كل القواعد وينجون بفعلتهم. فعالم السياسة الخارجية يفخر بحفاظه على الاجماع على ثنائية الحزب، وبالتالي فإن الخروج على هذا الاجماع يفترض نظرياً ان يجرد الخارج عليه من نفوذه لكن الصقور تحدوا الاجماع طوال ثلاثين عاماً منذ انقلبوا ضد الانفراج في العلاقات مع الاتحاد السوفييتي في عهد الرئيس نيكسون كما انهم اليوم يتمتعون بنفوذ اكبر من اي وقت سابق. ويفترض بالرئيس بوش ان يصر على الولاء الشخصي المطلق وعلى ابقاء اي سجال سياسي داخل الادارة تماماً، غير ان لدى الصقور أهدافاً اخرى غير اعادة انتخاب بوش، فهؤلاء اعلنوا أو سربوا مواقفهم مسبقاً وقبل بوش (بول وولفويتز نائب وزير الدفاع أعلن بعد اقل من اسبوع على هجمات 11 سبتمبر ان أميركا «ستقضي على الدول التي ترعى الارهاب»). وأوساط هؤلاء تتضمن وجوها أساءت السلوك خلال الحملة الانتخابية لبوش مثل وليام كريستول رئيس تحرير «ويكلي ستاندارد» الذي كان مناصراً لجون ماكين. أما موقف واشنطن من الصقور فيبدو انه رفض رسمي موشى بالاعجاب، فهؤلاء أظهروا رعونة كانت لتجعل احتفاظهم بمناصبهم مستحيلاً، ومع ذلك حصلوا على مناصب رفيعة واحتفظوا بها. كما ان عزمهم العملياتي وجرأتهم الفكرية تعطيهم نفوذاً غير متناسب مع حجمهم، لدرجة ان كل بيانات بوش المتعلقة بالمباديء الاستراتيجية لسياسته يمكن تتبع آثارها لنجدها من عند الصقور. وربما كان افضل مصدر لاستيضاح الجدال الديمقراطي العام والمضاد لهؤلاء الصقور، هو كتاب صدر في مارس الماضي بعنوان «القوة الاميركية.. لماذا لا تستطيع الدولة العظمى الوحيدة العمل منفردة؟» لمؤلفه جوزيف ناي الابن عميد كلية كيندي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد الاميركية والشخص الذي كان سيحصل على منصب رفيع في الادارة الامريكية لو نجح في الانتخابات. ويعترف ناي ان أميركا متفوقة بالقوى الى نحو بعيد الآن، إلا انه يقول ان هذا ليس إلا وصفاً مؤقتاً وليس شيئاً يمكن ان يصبح أبدياً. ويؤكد على ان أميركا يجب ان تستخدم «القوة الناعمة» في سياستها الخارجية وهي مزيج معقد من التحالفات واتفاقيات المساعدات تجعل باقي دول العالم تحافظ على المصالح الأميركية وتعطيها سمعة أفضل في الخارج. ومن بين الوجوه الاخرى الحتمية في صياغة السياسة الأميركية الخارجية لو كان جور في موقع بوش الآن هناك ريتشارد هولبروك مبعوث الأمم المتحدة الخاص السابق الذي قال حينما تحدثت معه مؤخراً ان الصقور الذين يحيطون ببوش الآن يسيئون جوهرياً فهم الدور الذي تلعبه المنظمات الدولية التي ساهمت الأمم المتحدة في تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. وقال هولبروك: «ان هذا النظام بجمله قد صيغ على يد رجال مثل روزفلت وترومان وتشيسون لربط الدول الاخرى بمصالحها ولمنع ظهور أي دول تتمرد عليها. صحيح ان بعض المنظمات سيطرت عليها مصالح اخرى مثل اليونسكو. غير ان النظام الدولي بمجمله كان يصب في مصلحتنا أكثر مما يصب في مصلحة الآخرين. ولنتذكر ان بوش الأب كان سفيراً في الأمم المتحدة وهو يفهم هذا». وخلال ادارة كلينتون كان جوزيف ناي مساعداً لوزير الدفاع، وبعد ان عاد الى جامعة هارفارد أصبح عضواً في مجموعة استشارية تدعى مجلس السياسة الدفاعية الى جانب صقور مثل وولفويتز وريتشارد بيرل وهي اللجنة التي تحصل على تقارير دورية من البنتاغون. وحينما تسلمت ادارة بوش السلطة، أصبح ريتشارد بيرل رئيس اللجنة فيما لم يعاد تعيين ناي وغيره من الديمقراطيين فيها وأصبحت بكاملها عشاً للصقور. وقد التقيت ناي منذ فترة قصيرة وقال لي: «هناك تباين بين التقليديين والصقور في الادارة أكبر من التباين بين التقليديين والديمقراطيين خصوصاً فيما يتعلق بالمدى الذي يجب فيه علينا ان نمضي في سماع آراء الآخرين». ولم يسبق للتضارب بين إيمان الديمراطيين بالمعاهدات والمنظمات الدولية وعدم ثقة الصقور بها مثل هذا العمق، إذ ان هذا التضارب أخذ يعكس وجهات نظر مطلقة التضارب في الطبيعة البشرية. هل يفترض ان تجعل الناس يسلكون بالطريقة التي تريدها عبر القوة والسلطة أم عبر التشجيع والصداقة؟ الصقور يجيبون عن هذا السؤال بالشكل الأول قطعاً خصوصاً حينما يكون محور السؤال هو الدول العربية. وهم يرون ان رسائل التهديد القاسية التي دأب بوش على ارسالها الى حكومات الدول الاخرى عبر خطاباته ورفضه المشاركة في المنظمات الدولية قد أعطت أكلها فعلاً بزيادة نفوذ أميركا. والكثير من السجال السياسي في أوساط السياسة الخارجية يدور حول المقالات المنشورة في الدوريات ذات التوزيع الضيق، وكانت المقالة التي أثارت أكبر قدر من اللغط هذا الصيف قد نشرت في «بوليسي ريفيو» وهي مجلة محافظة وجزء من معهد هوفر ونشرت تحت عنوان «القوة والضعف» لروبرت كاغان وهو أحد الصقور البارزين. وروبرت كاغان هذا يتعرض لأسوأ مصير يمكن ان يتعرض له انسان من هذا النوع، إذ بسبب عمل زوجته يعيش كاغان الآن في العاصمة البلجيكية بروكسل وهي أحد احضان «المجتمع الدولي». وعن ذلك يقول كاغان ساخراً ان الاوروبيين يؤمنون بالتأكيد بالقانون الدولي والتعددية. لكن من الذي يلومهم على هذا الايمان؟ إذ ان الدول الضعيفة تفتقر الى الموارد والارادة اللازمين والاحتفاظ بالقوة العسكرية التي دائما ما كانت لديهم. وقد وصل هذا التباين حداً جعل الصقور المفرطين بالثقة في أنفسهم يحجمون عن أخذ كل من يختلف معهم مأخذ الجد، كما ان من يعتبرونهم عاطفيين وسذج ليسوا المؤمنين بالتعددية بل الواقعيين التقليديين من عالم السياسة الخارجية، أي أولئك الذين يرون في أنفسهم متشددين بما فيه الكفاية للحديث عن السياسة الخارجية الأميركية ضمن معايير القضايا العملية مثل المصالح القومية وتوازن القوى، فالحملات الاخلاقية الهادفة لاعادة تشكيل العالم لم تستطع النفاذ لهؤلاء الواقعيين. وبالنسبة لهم فإن الصقور هم العاطفيون والسذج، بل وحتى الرعناء الى حد الخطر لأنهم يفرطون في تقدير المدى الذي تستطيع الولايات المتحدة المضي اليه في فرض ارادتها على العالم بالقوة دون التعرض لعواقب ذلك. وطوال العام الماضي كان الواقعيون هم الكلب الوحيد الذي لم ينبح، فمع ان الواقعيين يقدسون القوة الأميركية عملياً، إلا انهم بخلاف الجميع في واشنطن ـ صقور الادارة ومعتدليها، ديمقراطيين وجمهوريين في الكونغرس ـ فإنهم لا يعتقدون بضرورة شن حرب على الارهاب. فطوال الصيف الحالي شد عجائز السياسة الخارجية الأميركية مثل برنت سكوكروفت وجيمس بيكر وزبيغنيو بريزنسكي الكثير من الانتباه اليهم وهم يعبرون علناً عن شكوكهم الواقعية بأي نتائج محتملة لغزو العراق، فرد نائب الرئيس تشيني بخطاب يؤكد الاستعداد للحرب، إلا ان الجدل الواقعي الأوسع حول الحرب ضد الارهاب ظل غائباً عن المستوى القومي. وقد قابلت عدداً من وجوه الواقعية هؤلاء مؤخراً بهدف جعل آرائهم علنية. والأشخاص الذين قابلتهم هم من الوجوه المعروفة في عالم العلاقات الدولية والاوساط الاكاديمية مثل جون ميرستيمر وستيفن فان ايفيرا وباري بوسن وستيفن والت، غير ان هؤلاء ردوا كلهم بأنهم لم يكونوا على اتصال جدي مع أي مسئول في الادارة على مدى العام الماضي. ويبدو فعلياً ان وجهة نظرهم لا تحظى باهتمام أحد في واشنطن . ترجمة: جلال الخليل عن «نيويوركر»