وثيقة مباديء السلام التي بلورها عامي ايلون وساري نسيبة هي وثيقة مثيرة للاهتمام. فخلافا لمعظم الوثائق الاسرائيلية - الفلسطينية التي وضعت في السنوات الاخيرة، فانها تتضمن انجازين اسرائيليين ملموسين. الاول هو اعتراف بالشعب اليهودي، بحقوقه في ارض اسرائيل وفي ان اسرائيل هي دولته الشرعية. والثاني هو ما بدا كتنازل فلسطيني حقيقي عن مطلب تحقيق حق العودة في نطاق الخط الاخضر. واذا كان يائير هيرشفيلد ورون بونداك طرحا هذين المبدأين الأساسيين كشرط اسرائيلي أساسي لدى وصولهما العاصمة النرويجية في بداية العام 1993، فلعله من المحتمل جدا ان يكون الواقع اليوم مغايرا. يحتمل جدا ألا يكون الاتفاق الذي صيغ في حينه في اوسلو قد صار العاديات المأساوية الدامية التي نعيش فيها اليوم ليل نهار. أما من الناحية العملية فان اتفاق ايلون - نسيبة هو اتفاق عليل. نظر لكونه يتطرق الى خطوط الرابع من يونيو 1967 كأساس للحدود المستقبلية ويقرر ألا يبقى أي مستوطن خلف تلك الحدود فانه يوجد آلية من شأنها ان تؤدي الى اقتلاع نحو 400 ألف اسرائيلي (نحو 210 آلاف في الضفة وغزة، وأكثر من 170 ألف يهودي- اسرائيلي في شرقي القدس). ومعنى الامر هو كارثة انسانية، ليس لها أي مبرر. ولما كان الاتفاق يتعهد بأن تكون المنطقتان الجغرافيتان للدولة الفلسطينية متصلتين فيما بينهما من دون التحفظ على ذلك بعدم المساس بالسيادة الاسرائيلية، فان الاتفاق يوجد آلية من شأنها ان تؤدي الى تقسيم اسرائيل الى قسمين: بنتوستان يهودي شمالي محور غزة - الخليل، وبنتوستان يهودي جنوبيه. ولما كان الاتفاق يتضمن ذكرا للمبادرة السعودية، التي تتحدث عن حق العودة وعن القرار 194، ولقرارات الامم المتحدة بشكل عام، بما فيها، كما هو معروف، قرار التقسيم رقم 181، فانه يفتح فتحة لتآكل المباديء الأساسية التي هي انجازه الأساسي. ولما كان الحل الذي يقترحه الاتفاق لمسألة القدس هو حل طوباوي تماما، فان الآلية التي من شأنه ان يوجدها في أكثر الاماكن حساسية في العالم هي آلية الفوضى. بيد انه فضلا عن المشكلات المحددة التي تنطوي عليها، ثمة في وثيقة ايلون - نسيبة اشكالية مبدئية: ففي سبتمبر 2000 شرعت الدولة الفلسطينية على الطريق في هجوم مبادر اليه على دولة اسرائيل. وحتى قبل ان يولد، اختار الكيان السياسي للشعب الفلسطيني العمل على هزها وجرحها وسد سبيل التنفس أمامها. وكان هدف هذا العمل العنيف استراتيجيا: انتزاع التنازلات الاقليمية وغير الاقليمية من اسرائيل بالقوة، تلك التنازلات التي آجلا أم عاجلا ستؤدي الى ضعضعة أسس وجودها، ولما كانت هذه هي الحال، فان كل سير اسرائيلي راهن الى ما هو أكثر من الخط الذي كانت تسير عليه المسيرة السياسية عشية رأس السنة قبل عامين هو بمثابة الاستسلام ومعناه انتصار فلسطيني في المعركة الراهنة. في مقابلة تلفزيونية لا تُنسى أجرتها مع عامي ايلون، ايلانا ديان، قبل نحو نصف عام طرح حجة أصيلة: لا يجوز لاسرائيل ان تنتصر، هكذا ادعى في حينه رئيس المخابرات السابق، واتفاق التفاهم الذي بلوره ايلون مع نسيبة يضمن ان يتحقق المطلب المبسط عمليا. فالاتفاق يضمن ان تهزم اسرائيل في المعركة. فاذا ما نجح الفلسطينيون في أعقاب العمليات الانتحارية لعامي 2001 و2002 في تحقيق الانسحاب الكامل الى حدود الرابع من يونيو 1967 والتنازل عن السيادة في حائط البراق، فليس صعبا التخمين ماذا سينجحون في تحقيقه في أعقاب جولة عمليات اخرى. فاذا حصل انه في أعقاب القتل والازمة وتثبيط المعنويات التي ألحقها بنا جيراننا في العامين الاخيرين نجحوا في تحقيق استعداد اسرائيل لتقسيم اسرائيل الى قسمين واقتلاع مئات آلاف الاشخاص من منازلهم، فلا حدود لما يمكن ان يحققوا حين يهاجموننا مرة اخرى بعد التوقيع على الاتفاق وتطبيقه. فحسب ايلون - نسيبة فان مردود الارهاب هائل. وامكانية إنزال اسرائيل على ركبتيها هو أمر في متناول اليد. عامي ايلون هو اليوم على أغلب الظن شخص غير مركزي. ففي تصريحاته الغريبة وأفعاله غير المتزنة حول نفسه ممن كان قائداً متفوقاً لسلاح البحرية الى شخصية سياسية شبه غريبة الأطوار. غير ان خطوات ايلون يجب ان تجلب المجتمع الاسرائيلي بشكل عام الى الوصف المتفق عليه للهدف السياسي للحرب الراهنة. وهذا الهدف يجب ان يكون واضحا: العمل على ان يحصل الفلسطينيون بعد هدوء العنف على قدر أقل مما كانوا سيتلقونه عشية اندلاع العنف. يمكن العودة الى خطة كامب ديفيد، كما يقترح ايهود باراك، ويمكن الحديث عن مسار كلينتون ناقص، كما يقترح آخرون. بيد ان على اسرائيل بهذه الطريقة أو تلك ان تضمن ان يكون درس الفلسطينيين هو ان العنف غير مجد. أما اذا كان الدرس مغايرا - فان كل اتفاق سلام يوقع معهم لن يصمد. كل اتفاق سلام لن يكون سوى مقدمة لجولة اخرى من القتل والارهاب وسفك الدماء. عن «هآرتس»