غير منظمو قمة الارض الموعد الاصلي لقمتهم بحيث لا يكون قريبا جدا من يوم 11 سبتمبر حينما يكون من المفترض برئيس الولايات المتحدة ان يكون في بلاده لاسباب امنية ورمزية. غير ان الرئيس بوش اختار الا يشارك في القمة على الرغم من ذلك. ويأتي قراره هذا برهانا آخر على القول السائد ان ادارته ترى في مثل هذه الاجتماعات الدولية مناسبات تنتهي دوما بمحاولات للضغط على بلاده واجبارها على تقديم تضحيات لا مبررة علميا ولا متوازية باجراءات مساوية في الجوهر من قبل الدول الاخرى.وفيما لا ينكر احد ان ادارة بوش قد زادت من معوناتها الخارجية فإن قرار الرئيس بوش بعدم حضور قمة الارض يمكن ان يكون له معنى آخر ايضا، وهو رفضه الاعتراف بوجود اي علاقة بين العدالة الاقتصادية العالمية والهجمات التي تعرضت لها بلاده العام الماضي. فقد نظر الى الواقع الاقتصادي العالمي والطريقة التي يفرض بها الواقع سياسيا على انهما سبب من بين اسباب اخرى لحدوث هذه الهجمات. غير ان هذا التفكير سرعان ما نحي جانبا بالتركيز على الدوافع الدينية لمنفذي الهجمات وخلفياتهم الاجتماعية.على جانب اليمين في اميركا تحديدا بدا البعض سعيدا جدا بحقيقة ان منفذي الهجمات هم من ابناء عائلات طيبة الحال بل وغنية ايضا. وكانت هذه الحقيقة مبررا لهم لرفض فكرة الحاجة لأي اجراء عاجل بخصوص العدالة العالمية وان ذلك وسيلة ضرورية لمنع اي هجمات مماثلة في المستقبل او لتقليصها. فالفقر ليس هو المشكلة.لقد اتخذ هؤلاء هذا الموقف على الرغم من الحقيقة التاريخية الثابتة بأن اي هجوم حدث على واقع سياسي قائم سواء كان ثورة او تمردا او اجراء اقل شيوعا مثل الارهاب نادرا ما يكون منبعه طبقة الفقراء فعلا وانما من الطبقات الاقرب اليهم والتي تعاني من مشكلاتها الخاصة بها لكن التي لها علاقة بمشكلات الفقراء.بالطبع من غير المفترض بأحدنا ان يقتنع بأن قمة جوهانسبيرغ ستكون قمة القرار الحاسمة،بل ويمكن لنا ان نصدق ايضا بأن التفكير الخطابي والمصالح الذاتية وربما اللاعقلانية ستكون كلها حاضرة في ارجائها، حتى يرى ان محاولة الفصل تماما بين القضايا محل النقاش والارهاب هو محاولة للتهرب. ومع ان الصلات بينهما قد تكون مغيبة جزئيا او معقدة، فإن الزعم بعدم وجودها هو آخر الاستنتاجات المحتملة. وهذه الفكرة هي جزء من الرسالة التي يحاول ايصالها كتاب جديد للفيلسوف تيدهوندريك الذي مثل التفكير بعدم المساواة والبحث عن المسئولين عنها مهمة اشتغل بها طوال حياته.لقد كانت الكتابات التي تقدم بها الفلاسفة والمؤرخون والمنظرون الاجتماعيون بخصوص يوم 11 سبتمبر متنوعة ومثيرة وأحيانا غريبة كما لما تكن دوما مفيدة. فقد يقف المرء حائرا على سبيل المثال امام ما اسماه جان بودريلار «أم الاحداث» واصفا ذلك اليوم في مقالته المعنونة «روح الارهاب» او فيما اذا كان محقا بالزعم ان الكابوس الحقيقي للغرب هو انه «اصبحنا اغنياء... دون ان يكفوا هم عن كراهيتنا» وبالتالي تصبح معالجة عدم المساواة الاقتصادية بالنسبة له امرا لا طائل منه لان المشكلة الحقيقية هي الرغبة في السيطرة من جانب ومقاومتها من جانب آخر .ان من المريح لنا حقا ان ندير ظهرنا للشطط الفكري عند بودريلار، حتى وان كانت لديه فكرة ثاقبة هنا او هناك، ونلتفت لهوندريك الذي يتمثل عنصر القوة لديه بسبر دقيق ومحكم للجور واللامساواة والمسئولية الاخلاقية. فلن نجد عند هوندريك انعكاسات لتلك الاوجه البدائية في افلام الكوارث الهوليوودية او لطبيعة المشاهد التي رأيناها.واذا ما بدى احيانا بأنه يعود الى ارضيات قديمة فإنه يحولها جديدة ويجعل القاريء يراها معاصرة بالطريقة التي يبقي بها تحقيقه فيها مفتوحا بعدم السماح لنفسه او للقاريء بالهروب الى الامام وذلك بتركيزه على القضية الاخلاقية وبحذره الدائم من الميل المعروف عند المحظوظين لتفضيل تلك النظريات التي تحافظ على طهارة الذيل عندهم. ونخرج من كتابه بدرس لم نتعلمه مسبقا بكل فصوله او نستوعبه بكل اجزائه او الحالين معا.يفتتح هوندريك كتابه «بعد الرعب» بنوع من الرياضيات الاخلاقية الجافة حينما يقدم حسابا بعدد الارواح التي ازهقتها او قصرتها او نغضتها تلك الطريقة التي يسير عالمنا وفقها اليوم. ويعود مرارا وتكرارا للقاريء ليذكره بالنتيجة التي توصل اليها وهي «العدد الهائل من اعمار البشر التي عاشوها قصيرة ومنغصة ومتعبة وهزيلة ومزدراة».ولا يزعم هوندريك بأن هذه الحصيلة هي حصرا نتيجة الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي تمارسها الدول الغنية، الا انها كذلك الى حد كبير، وأن هذا الواقع كان له ان يتحمس لو أردنا، الا انه لم يفعل. ومع ان ترك الناس يموتون ليس مثل قتل هؤلاء الناس، الا ان ذلك لا يبريء من المسئولية الاخلاقية الثقيلة لتركهم يموتون للتفرج على هذا «العالم من البائسين» وهو يتواصل. وأحيانا تجد هوندريك وهو يفقد صبره على محاولته الحفاظ على ابقاء هذا الجدل مفتوحا والتقدم به بسرعة ثابتة دون تسارع، حيث ينفجر فجأة بعبارة من مثل: «لقد تركناهم يموتون وكأنهم ذباب وما زلنا نفعل ذلك». صفعة كهذه يتعرض لها قاريء ذو ضمير حي تأتيه وكأنها ضربة السوط.وفيما يحاول مقارنة خطايا 11 سبتمبر بخطايا الواقع العالمي الذي تهيمن عليه الدول الغنية وربطها ببعضها، يسمح هوندريك لنفسه بتغريدة بيانية اخرى خارج السرب، «لو اخذنا عدد الناس الذين ماتوا بسبب المجاعات عام 2001 واحتسبنا نصيب يوم واحد هو 11 سبتمبر، يكون لدينا 24 ألف انسان ماتوا جوعا».مثل هذه الجملة تثير في اذهاننا من جديد رد فعل بعض الناس في افريقيا وغيرها على هجمات 11 سبتمبر حينها ممن كانوا يصارعون مصائرهم في اكثر انحاء القارة السمراء بلاء مثل الكونغو طبعا لا احد يقول انهم لم يشاركوا غيرهم بالغضب والرعب الذي احسه الاميركيون والاوروبيون، لكن مخزونهم من هذه الاحاسيس عمليا كان منخفضا لانهم كانوا مسبقا في ميادين للقتل والموت.ويعود هوندريك مرارا لا ليؤكد نفيه لان يكون خطآن اثنان غير متشابهين بل ولينفي ايضا ان خطأين يصنعان صوابا. ومع ذلك فهو يؤمن بأن «ظرفا انسانيا حتميا» سبق الهجمات بدونه ما كانت لتقع، كان «معاملتنا الوحشية لاولئك الموجودين خارج دائرة المحظوظين التي تضمنا، اولئك التاعسين...» وان لم يتمكن بشكل قطعي من اثبات ذلك فإن طرحه يبدو بالتأكيد صحيحا. ترجمة: جلال الخليل عن«أوبزرفر»