بعد اسابيع على خلو ليالينا من مشاهد النيران والسؤال المتكرر عن جوازات سفرنا او فواتير الغاز او رخص السواقة، او اي شيء يثبت اننا من سكان الحي، عاد كل شيء الى سيرته الاولى غير ان كلاً منا اصبحت له مشاعر مختلفة.انا وزوجتي، فوكيلو، كنا محظوظين حقاً فقد كنا نعبر الشارع هناك حينما تهاوى البرج 2 مطلقاً صوت رعد لشلال منهمر من الفولاذ والزجاج، فجأة رأينا أنفسنا نغرق في غيمة من الغبار ارتفعت 25 طابقاً كانت من الكثافة بحيث بدت كتلة صلبة كانت غيمة قوامها ارضيات مفتتة وزجاجاً متشظياً وطاولات محطمة وكمبيوترات مهشمة واطعمة وخزائن وبشر.اضعنا وزوجتي بعضنا وسط تلك الغيمة واستطاع كل منا ان يهتدي لطريق العودة الى شقتنا بمفرده لنحتفي سوية ببقائنا على قيد الحياة.كنا ايضاً محظوظين على نحو آخر، اذ ان الحي المكون من 14 مبنى الذي نسكن فيه شمال مركز التجارة ظل يحصل على الكهرباء كان التلفزيون والانترنت والهواتف كلها تعمل عندنا كذلك كنا نحن. فطول الايام التسعة التي تلت الهجوم كنا نكتب القصص الاخبارية للصحف عن تلك المأساة لكني في اليوم العاشر لم اكتب شيئاً بل اكتفيت لأول مرة بالجلوس على الاريكة والتفكير في هذا الدمار والبكاء. لكن الحياة تقدم ايضاً تعازيها بطريقتها. ففي الشارع قابلنا بعض جيراننا لأول مرة. كنا نقف على نواصي الشوارع معاً، عمال يدويون وخبراء تجارة الكترونية، أمهات وأبناء، نحدق كلنا في أكوام البرجين الملتهبة. كنا نسأل بعضنا عن الابناء والكلاب والناجين، وسرعان ما اختفت مشاعر الذعر والخوف والغضب وحل مكانها الاحساس المشترك بالضعف. هذا هو ما لازمنا.. الضعف ومن هذا الاحساس بالضعف برز هاجس الموت القوي، لقد عرفنا كلنا اننا في ذلك الصباح الرهيب كان يمكن ان نموت فيما يحاول أحدنا ان يصل الى قطعة خبز لافطاره. كما عرفنا ايضاً أين نعيش وهذه المعرفة جعلتنا بشراً أكثر من ذي قبل، إذ حتى في الشوارع الأكثر ضجيجاً في السابق أصبح الغرباء عن بعضهم يقولون «صباح الخير». والآباء يحتضنون عيالهم أكثر من سابق عهدهم ويصطحبونهم الى شاطيء البحر لرؤية غروب الشمس، لكن أحداً لا يتحدث بثقة مطلقة عن المستقبل. عن «ناشيونال جيوغرافيك»