تنبأ حسني مبارك الرئيس المصري في حديث متلفز مؤخرا بعواقب مدمرة على الشرق الأوسط في حال تمت مهاجمة العراق على نحو تنذر به التقارير المتواترة حول نوايا الادارة الأميركية في المرحلة المقبلة. وقال مبارك: «نخشى ان حالة من الاضطراب والفوضى قد تهيمن على المنطقة». والرئيس مبارك زعيم عربي من الطراز الكلاسيكي، ويبدو انه لم يستوعب أبعاد اللعبة الدائرة حالياً (الشجاع الجديد ما بعد 11 سبتمبر). ماذا توقع مبارك من صقور البنتاغون بعد سماع عباراته التحذيرية؟ أن يصيبهم الذعر ويقولوا: «لا نعرف كيف نشارك، إننا لم نفكر أبداً بهذا الأمر، والأفضل لنا الآن بعد ان سمعنا هذا الكلام ان نوقف كل جهودنا الحربية على الفور»! ربما لايزال هؤلاء يحاولون اخفاء ابتساماتهم حيال ما سمعوا حتى الآن. لكن مبارك والصقور الأميركيين يتفقون على أمر واحد، وهو ان الحرب على العراق قد تنذر بكارثة بالنسبة للعديد من الانظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، والرئيس مبارك يعتقد ان هذا سيناريو كابوسي، في حين يعتقد صقور البنتاغون انه أمر جيد. وبالنسبة لهؤلاء الصقور الأميركيين، فإن انتشار الفوضى والاضطراب في انحاء مختلفة لن يكون تأثيراً جانبياً غير مرغوب به للحرب على العراق، بل مؤشرا على ان كل شيء يسير حسب الخطة الموضوعة. ويرى هؤلاء ان العراق مجرد نقطة بداية أو «محور تكتيكي» ـ بحسب تعبيرهم ـ لاعادة قولبة الشرق الاوسط على الخطوط الأميركية ـ الاسرائيلية. ويتناقض هذا كلية مع المفهوم المألوف في العلاقات الدولية، والذي يعتبر الاستقرار مفتاح السلام، وسواء أعجبك جيرانك أم لا، عليك ان تجد طرقاً للعيش معهم. أما الصقور فيقولون: «إذا لم يعجبك جيرانك فتخلص منهم»! يقول هؤلاء الصقور ان الرئيس بوش قبل بخطتهم وجعل من زعزعة «الانظمة الاستبدادية» هدفاً مركزياً في سياسته الخارجية، ويستشهد هؤلاء بمقاطع من خطابات ألقاها بوش مؤخراً كدليل على صحة هذا التوجه. وإن كان من غير الواضح بعد ما إذا كان بوش يدرك حقاً ما وافق عليه.سبق ان تناولت الآراء السياسية المتطرفة العريضة نظرية «القناني الخشبية» للشرق الأوسط، أي ان كرة واحدة موجهة نحو العراق يمكن ان تطيح بعدة أنظمة اخرى، كما يحدث في لعبة البولينغ، لكن النظرية احتلت مرتبة متقدمة في الولايات المتحدة على خلفية «الحرب على الارهاب».تعود جذور هذه النظرية ـ جزئياً على الأقل ـ الى بحث نشره في عام 1996 معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية في اسرائيل تحت عنوان: «بداية نظيفة.. استراتيجية جديدة لضمان أمن المملكة» وكان المقصود من ورقة البحث هذه أن تعطي خطوط برنامج عمل لحكومة بنيامين نتانياهو المقبلة آنذاك. وكما يوحي العنوان، فإن المقالة المطولة نصحت نتانياهو بالانقطاع كلية عن الماضي وتبني استراتيجية قائمة على أساس جديد تماماً، أساس يستعيد زمام المبادرة الاستراتيجية ويتيح للأمة المجال لتسخير كل طاقاتها الممكنة لاعادة بناء الصهيونية. ويشير البحث الى أمور عدة من بينها امكانية الاستغناء عن اتفاقيات أوسلو الموقعة حديثاً: «اسرائيل غير مقيدة بأي التزامات بموجب اتفاقات أوسلو إذا لم يف عرفات بتعهداته، وانه يمكن التشجيع على بروز بدائل لقاعدة نفوذ عرفات»، مضيفاً ان لدى الاردن افكاراً بهذا الخصوص. كما حثت ورقة البحث اسرائيل على التخلي عن أية أفكار متصلة بمبادلة الأرض بالسلام مع العرب، واصفة هذا المبدأ بأنه يمثل «تراجعا ثقافيا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا». وجاء في الورقة ذاتها ايضاً: «ان حقنا في امتلاك أرضنا التي عشنا على أمل استعادتها لألفي عام، هو حق مشروع ونبيل. والأساس الوحيد لأى حل مستقبلي يجب ان يستند فقط على القبول العربي غير المشروط لحقوقنا وخصوصاً في بعدهم الاقليمي أي «السلام مقابل السلام». رسمت هذه الورقة خطة تستند اليها اسرائيل «لصياغة شكل محيطها الاستراتيجي» ابتداء بالاطاحة بالرئيس العراقي واعادة تأسيس المملكة الهاشمية في بغداد. وبالتخلص من الرئيس العراقي واخضاع العراق للنفوذ الهاشمي الاردني سيشكل الاردن وتركيا مع اسرائيل محوراً لاضعاف وصد سوريا. وأشار البحث الى ان بامكان الاردن ايضاً ترتيب الوضع في لبنان بـ «فطام» أو ابعاد ابناء الجنوب اللبنانيين عن سوريا وايران عن طريق اعادة ترسيخ روابطهم السابقة مع غيرهم في المملكة العراقية الهاشمية الجديدة. وخلص البحث الى ان اسرائيل لن تحتوي اعداءها وحسب، بل ستتجاوزهم. وأكدت الورقة ان نجاح الخطة مرهون بكسب تأييد أميركي عريض لهذه السياسات الجديدة. ونصحت نتانياهو بصياغة السياسات بلغة مألوفة للأميركيين بطرق المواضيع التي تناولتها الادارات الاميركية خلال الحرب الباردة والتي تنطبق على اسرائيل ايضاً. ومن الوهلة الأولى لا يبدو هناك فارق كبير بين هذه الوثيقة الاسرائيلية التي تعود لعام 1996 وبقية الابحاث الصادرة عن معاهد الأبحاث الصهيونية المتشددة باستثناء الفارق في أسماء المؤلفين.وكان كبير «صانعي الرأي اللامعين» الذين أعدوا ورقة البحث ريتشارد بيرل الذي يشكل الآن منصب رئيس مجلس سياسات الدفاع في البنتاغون. كما كان ايضاً من بين الفريق المؤلف من ثمانية أشخاص الذي أعد الوثيقة دوغلاس فايث، وهو محام من المحافظين الجدد يشغل الآن منصب مساعد وزير الدفاع لشئون السياسة، وهو أرفع أربعة مناصب في البنتاغون. وقد عارض فايث معظم اتفاقات السلام التي وضعتها اسرائيل على مدى السنين الماضية، وهو يرى الشرق الأوسط بذات منظار «الخير مقابل الشر» الذي كان يرى فيه الحرب الباردة من قبل. واعتبر عملية أوسلو السلمية مجرد انسحاب احادي الجانب يثير قضايا الموت والحياة للدولة اليهودية. وضم فريق صانعي الرأي ايضاً ديفيد ورمر وزوجته ميراف التي شاركت في تأسيس جمعية خيرية مقرها واشنطن تقوم بتوزيع مقالات مترجمة في صحف عربية لرسم صورة رديئة للعرب. وبعد أن عمل مع بيرل في معهد انتربرايز الأميركي يعمل ورمر الآن في وزارة الخارجية كمساعد خاص لجون بولتون مساعد وزير الخارجية للسيطرة على التسلح والأمن الدولي. وكان خامس اعضاء الفريق جيمس كولبيرت من المعهد اليهودي لشئون الأمن القومي (جينسا) مقره واشنطن وهو معقل لصقور المحافظين الجدد، وكان من بين اعضاء مجلسه الاستشاري ديك تشيني (نائب الرئيس الحالي) وجون بولتون ودوغلاس فايث.أحد الاهداف المعلنة لمعهد «جينسا» اطلاع البنتاغون ولجنة العلاقات الخارجية الأميركية على الدور المهم الذي تلعبه اسرائيل في دعم المصالح الديمقراطية في منطقة المتوسط والشرق الأوسط. وعملياً، ينصب جزء كبير من جهود المعهد في ارسال كبار الضباط الاميركيين المتقاعدين في رحلات لمجرد المتعة في اسرائيل، حيث يقوم العديد منهم بعد قضاء هذه الرحلات بكتابة مقالات صحفية أو رسائل رأي تليق بالصقور للنشر في الصحف الأميركية. وقام جيسون فيست يتفحص نشاطات معهد «جينسا» بالتفصيل في مقالة نشرها في العدد الأخير من مجلة «ذي نيشن»، وتشير المقالة الى علاقات المال والأعمال المثيرة للاهتمام بين الضباط الأميركيين المتقاعدين في لائحة المعهد اليهودي من جهة والشركات الأميركية التي تورد السلاح لاسرائيل من الجهة الأخرى. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ان العديد من الأشخاص الذين كتبوا وثيقة «بداية نظيفة» يشغلون الآن مناصب مهمة في واشنطن، يتضح ان الخطة المرسومة لكي تتجاوز اسرائيل خصومها باعادة صياغة الشرق الاوسط تبدو أكثر قابلية للتحقيق اليوم مما كانت عليه في عام 1996. حتى انه ربما يمكن اقناع الأميركيين بالتضحية بحياتهم لانجاز هذه الخطة. لا تزال الخطة المرسومة منذ ست سنوات لصياغة المحيط الاستراتيجي لاسرائيل كما هي تقريباً، لكن اضيفت اليها «زجاجتان خشبيتان» هما دولة عربية اخرى وايران الى جانب العراق وسوريا ولبنان على لائحة الانظمة المراد اسقاطها بالرمية البارعة.وبغض النظر عما يفكر به أعضاء المعارضة العراقية، فإن الخطة لاحلال ملكية هاشمية مكان نظام الرئيس العراقي هي ايضاً خطة حية، ودليل على ذلك الظهور المفاجيء للأمير حسن في اجتماع الضباط العراقيين في المنفى بلندن في شهر يوليو الماضي.وقد تولى مهمة الترويج للأمير حسن كملك مستقبلي للعراق مايكل روبين الذي يعمل حالياً في معهد «انتربرايز» الاميريكي لكنه سيلتحق قريباً بعمل جديد في البنتاغون للتعامل مع ما بعد صدام.أحد المظاهر المثيرة للفضول لهذه الحركة التي يتبناها المحافظون الجدد من قلة محدودة من الناس داخل الولايات المتحدة وخارجها يأخذونها على محمل الجد. هؤلاء الناس شأنهم في ذلك شأن الرئيس المصري، ربما يتصورون ان أي شخص يشغل منصباً كبيراً في الولايات المتحدة يمكن ان يكون طائشاً الى هذا الحد.لكن أحداً لا يستطيع اتهام المحافظين الجدد باخفاء حقيقة نواياهم، فهم يكتبون عنها بشكل دائم في الصحف الأميركية. وقبل اسبوعين فقط، نشرت صحيفة «واشنطن تايمز» مقالة لتوم نيومان رئيس معهد «جينسا» توضح الخطة بمفردات واضحة مدروسة. ويقول نيومان في المقال: «ان الاردن على الأرجح ينجو من الحرب المقبلة بفضل المساعدات الأميركية». إن أفول نجم الرئيس العراقي سيقدم مساعدة كبيرة لحركة الانشقاقيين في ايران، وسيكون على الفلسطينيين أن يدركوا بأن مستقبلهم يكمن مع الغرب. وعلى الأرجح ستتغير الأوضاع السورية من دون شك لتتحرر بذلك لبنان ايضاً. ولكن هل يمكن لأحد ان يراهن على هذا السيناريو حقاً؟ ترجمة: علي محمد عن «جارديان»