تطفح الصحف بالاحصائيات حول عدد قتلى الانتفاضة والأضرار المادية التي تسببت بها، وبأجواء الكآبة التي عممتها لدى الكثيرين، لا شك أننا أصبنا على المدى الفوري: لكن عشية رأس السنة العبرية، وبعد مرور عامين على اندلاع الانتفاضة، وعام على العملية التي استهدفت أبراج التوأم (في نيويورك)، يتضح على المدى البعيد، أن الانتفاضة، بالذات، أنقذت إسرائيل من رذائل كبيرة كان يمكنها أن تتطور فيما لو تواصلت عملية أوسلو، كما هي، لسنوات أخرى. لقد تراجعت الروح الشريرة التي حلقت في هذه المنطقة طيلة سنوات كثيرة، وضعف كثيراً التفكير بأنه يمكن ايقاع الهزيمة بإسرائيل «الصليبية» بقوة الذراع، أو فرض إملاءات سياسية عليها: لقد سادت هذه المفاهيم العالم العربي في سنوات الخمسينيات والستينيات، وتلقت ضربة قوية انعكست في هزيمة الدول العربية في حرب يونيو 1967، وفي السنوات الأخيرة حظيت هذه المفاهيم برعاية حزب الله والتنظيمات الاسلامية الفلسطينية، لكنها منيت بالهزيمة مرة أخرى، وتعززت قوة الردع الإسرائيلية منذ بدء الانتفاضة، وإذا كان الرجوب قد وصفنا في السابق بأننا «نمر من ورق» ووصفنا نصرالله ب«بيت العنكبوت» الواهن، فقد اتضح أنه يمكن لهذا النمر الافتراس إذا هددوا وجوده وسيتذكر كل قائد فلسطيني هذه العبرة مستقبلا. رئيس الحكومة، الاسرائيلية ارييل شارون، محق في قوله إنه لهذا السبب بالذات وبسبب فشل الانتفاضة، سيرجع الفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات في ظروف ليست مريحة بالنسبة لهم، قياساً مع السابق، ومن الواضح أنه يخطئ من يستحضر الآن خطة كلينتون. لقد فوت الفلسطينيون، بذنبهم، الفرص التي انطوت عليها الخطة، وبعد أن حاربوا وخسروا سيضطرو الآن إلى دفع ثمن هذا الخطأ التاريخي والاكتفاء بالقليل، على كل حال، لا شك أنه سيعاد فتح باب المفاوضات التاريخية. الجدار الفاصل يقام أمام ناظرينا - هناك 300 آلة ثقيلة تعمل الآن على طول 50 كم من أصل 115 كم، هي طول الجدار - وهذا يعني أن المجتمع الاسرائيلي سينفصل قريبا عن الفلسطينيين، وسيتم الفصل الاتني، أيضا: يهود سيرجعون تدريجيا إلى هنا، وعرب سيهاجرون إلى هناك: لقد تراجع حلم عرفات باقامة دولة فلسطينية علمانية واحدة. صحيح أن عرب 1948 ابتعدوا عن الاتجاه لاسرائيل وتقربوا من الفلسطنة، لكنهم فهموا، أيضاً، أنهم بالغوا، وفزعوا، من الواضح لهم الآن، أنهم إذا قاموا بخطوة أخرى، يمكن أن يتحول الحديث عن استبدال مناطق (بما في ذلك قرى المثلث) مع السلطة الفلسطينية إلى خطوة عملية، من هنا يمكنهم بالأساس تحسين علاقاتهم مع الغالبية اليهودية، وهذه المهمة ملقاة أولا على عاتق المواطنين العرب.نلاحظ في السنة الأخيرة بروز طفرة استيطانية كبيرة في الشمال وفي الجنوب، كعبرة ناجمة عن الهجوم العربي، لقد بدأ شارع عابر اسرائيل مساهمته في الربط بين العمود الفقري الشرقي لاسرائيل وبين الاستيطان اليهودي في مركز اسرائيل، ويتواصل تقدم خطوط القطار نحو البلدات القائمة على اطراف البلاد، وفوق هذا كله، عادت الصهيونية وازدهرت، خلال العامين الاخيرين - هذه الصهيونية المتعنتة، المتمسكة بالأرض على الرغم من كل المصاعب، في منطقة لا يملك فيها الضعيف او من يعتبر نفسه في مرحلة ما بعد القومية، أي فرصة: لقد جلبت لنا الانتفاضة تضامناً اجتماعياً لم نعرف مثله منذ سنوات طويلة، وثبت مرة أخرى، أن إسرائيل تتوحد وتتقوى في ساعة الحرب، صحيح أن إسرائيل ضعفت اقتصاديا، لكن الفلسطينيين انهاروا. عشية رأس السنة العبرية، يحق لكل إسرائيلي الشعور بالفخر: لقد واجه مجتمعنا طوال عامين تهديداً وجودياً، لكنه انتصر عليه. لقد جاء عرفات والبرغوثي وياسين لتخريب المجتمع الاسرائيلي، لكن هجمتهم تحولت إلى بركة، كما حصل في لعنة بلعام بن بعور، في حينه قال بلعام التوراتي عن شعب اسرائيل «شعب سينهض كالأسد»، ومن المؤكد أن هذه البركة صحيحة اليوم، أيضاً.