منذ ان بدأت العمليات التي بادر اليها الفلسطينيون ضد اسرائيل تحققت عدة فترات من الهدوء. في البداية حاول الطرفان التوصل الى وقف للنار بوساطة شخصيات مثل الجنرال زيني، ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الـ سي.آي.ايه، جورج تينيت. ولكن هذه المساعي فشلت، غالبا على يد الفلسطينيين. أما اسرائيل من جهتها فقد وضعت حدا لفترة هدوء واحدة بتصفيتها لزعيم التنظيم، رائد الكرمي، الذي كان مسئولا عن إعدام اسرائيليين من رواد مطعم في طولكرم. وكان لكل فترات الهدوء قاسم مشترك اذ لم تستغل لاتخاذ خطوة سياسية وانتهت بعمليات أكثر جسارة. في نهاية احدى فترات الهدوء التي انتهت بأعمال عنف خطيرة وبخسائر اسرائيلية عديدة بدأت حملة «السور الواقي»، والتي سيطرت فيها اسرائيل على المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين ولكنها انسحبت منها بعد ذلك. ومرة اخرى تحققت فترة هدوء قصيرة نسبيا، وعاد الفلسطينيون الى ارهاب الانتحاريين، وفي هذه المرة ارتفع فيها نصيب التنظيم «أي فتح». وأفادت استطلاعات الرأي العام الفلسطيني بارتفاع التأييد الفلسطيني للانتحاريين. وبشكل طبيعي تقريبا تدحرجت اسرائيل الى عملية عسكرية أوسع من «السور الواقي». ففي حملة «الطريق الحازم»، سيطر الجيش الاسرائيلي على المدن الفلسطينية وبقي فيها حتى اليوم. أي، احتلال الاراضي الفلسطينية بدون أخذ المسئولية المدنية عن السكان، وحظر تجول متواصل على المدن واعتقال آلاف المشبوهين. ينبغي ايلاء الاهتمام الى انه تصدر عن الجيش الاسرائيلي ايضا أصوات لا تكتفي بما قاله رئيس الاركان يعلون، الذي دعا الى الحاق الهزيمة بالارهاب الفلسطيني من دون أي شرط، وهم يعتقدون بأن الجيش الاسرائيلي أدى بعملياته العسكرية الى عدة فترات هدوء ينبغي للقيادة السياسية ان تستغلها في مبادرة سياسية. وحتى رئيس الاركان السابق شاؤول موفاز، بدأ يعبر عن نفسه بهذه الروح. وعندما لا يتحقق هذا فلا غرو في ان العمليات «الارهابية» تعود من جديد. بمعنى انه عندما لا تستغل القيادة السياسية الانجاز العسكري، فاننا نعود مرة اخرى الى نقطة البداية فتضطر اسرائيل كل مرة الى رفع المستوى وتشديد اجراءاتها العسكرية. النظرة المبسطة تقول انه اذا عاد الارهاب مرة اخرى، فمعنى هذا ان الحملة العسكرية فشلت. ولكن الأدق القول انه اذا لم تنته الخطوة العسكرية بخطوة سياسية، فان الانجازات العسكرية تتبخر. والاخفاق تقوده عمليا القيادة السياسية. أما بيان شارون الصادر مؤخراً بأنه يتبلور تغيير لدى الفلسطينيين وأن أحد زعمائهم اتصل به فلا يزال لا يمكن النظر اليه حتى كبداية مبادرة سياسية. في هذه المرحلة يحاول وزير الدفاع بن اليعازر تطوير الخطة المسماة «غزة ـ بيت لحم أولا». وليست هذه بخطة سياسية شاملة، بل مجرد نموذج للهدوء، يمكن الانطلاق منه للقيام بخطوة سياسية. وبالمقابل، فان رئيس الوزراء يتعاطى باستخفاف مع هذه الخطة. وحين تضاف الى اقوال شارون الاستخفافية الخطوات الاستفزازية للمستوطنين في اقامة المزيد فالمزيد من المواقع الاستيطانية غير الشرعية يغدو واضحا أننا ننزلق نحو نهاية فترة الهدوء، الا اذا طرأت انعطافة سياسية مفاجئة. اذا ما انتهت فترة الهدوء النسبي الراهنة بأعمال عنف متجددة، فان أحدا في الجيش الاسرائيلي ينبغي ان يسأل ما هي المرحلة العسكرية التالية: هل سنعود الى احتلال الاراضي التي سبق ان احتلت؟ هل سنبقى هناك الى الأبد فيما يخضع معظم الشعب الفلسطيني لحظر التجول طوال الوقت؟ هل سنبدأ بالتخطيط لعمليات الترحيل، والى أين؟ هذا ما يريده اليمين المتطرف، أو ما يقودنا معصوبو العيون نحوه. ومن هذا الامر ينبغي لنا ان نحذر كما نحذر الأفعى السامة. عن «هآرتس»