لا حاجة لتعيين لجنة فحص برئاسة ضابط برتبة جنرال للتحقيق في الأحداث الأخيرة التي قتل بها مواطنون فلسطينيون، ومن بينهم عدد من الاطفال. وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر نفسه الضابط الذي يعمل في ظروف المعركة، ورئيس هيئة الاركان موشيه يعلون، يعرفان الوضع والتفاصيل حتى من دون قيام قائد معين من الشمال بفحص الامور بتكليف منهما. تعيين ضابط برتبة جنرال يهدف بالتأكيد الى ايصال رسالة للجمهور في ان وزير الدفاع ينظر بجدية للادعاءات بوجود مس بالأبرياء. ولكن في الواقع يكفي وجود ضابط صف ذي خبرة ميدانية قليلة للادراك بأن اطلاق مدافع الدبابات في مناطق مأهولة لا يمكن ان يمر من دون وقوع اصابات بالخطأ لعدد كثير من الاشخاص. قبل مدة غير بعيدة قتل طاقم دبابة اسرائيلية في جنين عدة أشخاص بينهم عدد من الاطفال حيث كانوا مختبئين وراء جدار فأثاروا الشبهات في كونهم يسعون لعملية جديدة. هؤلاء الاشخاص اعتقدوا مخطئين ان حظر التجول قد رُفع عن المدينة وان بامكانهم الخروج لشراء الغذاء. اسرائيل أعربت عن الأسف في حينه ايضا ووعدت باستخلاص العبر. وفي حالة اخرى كمنت دبابة اسرائيلية لسيارة فلسطينية معينة كانت تسير في قافلة بجانب رام الله وأصابت بالخطأ سيارة عائلة بريئة فقتل ثلاثة من اطفالها. وفي حينه ايضا عبروا عن الأسف وعن استخلاص العبر. وكانت هناك حوادث اخرى، الا ان العبر المستخلصة ظلت حبرا على ورق. لا حاجة للانتظار للتخمين بأن الجنرال الاسرائيلي المعين سيقول في استنتاجاته المستخلصة ان جنود جيش الدفاع موجودين في ظل ضغوط هائلة وانه كان هناك أساس للاشتباه في ان الاشخاص المقصودين هم مخربون في حالة أو اثنتين من الحوادث وان هؤلاء الجنود قد سارعوا الى الضغط على الزناد، الا انهم لم يكونوا يقصدون قتل الأبرياء. من الواضح ان الضابط المحقق في الحوادث لم يقل انه قد نشأت في المناطق ظاهرة رُخص حياة الانسان. حياة الناس بما فيهم حياة الاطفال أصبحت رخيصة جدا. قسم من الجمهور الاسرائيلي سيكبت هذا الاستنتاج متذرعا بالادعاء الصحيح بحد ذاته بأن «الارهابيين» الفلسطينيين يسعون عن قصد للمساس بحياة المواطنين الاسرائيليين بما فيهم الاطفال.. وكأن هذه الحقيقة تبرر موقف اللامبالاة السائدة تجاه جنازات الاطفال الفلسطينيين الذين قتلوا بالخطأ. فنحن في نهاية المطاف لا نرغب في ان نكون في صورة تشبه صورة الفلسطينيين الذين يتلقون الأوامر لتفجير أنفسهم في منتصف حافلة للاكثار من المصابين. نحن نحاول من جهة تهدئة ضميرنا من خلال اصدار بيانات حول توفير عدة آلاف اخرى من تراخيص العمل في اسرائيل للفلسطينيين بهدف مساعدتهم، ولكننا نتعامل بسكينة وهدوء مع موت الأبرياء الذين علقوا في خطوط النيران من الناحية الاخرى. قبل اسبوع أجل وزير الدفاع الاسرائيلي عقد لقاء مع وزير الداخلية الفلسطيني عبد الرزاق اليحيى لاطلاق قذيفة تسببت في تدمير سطح بيت في احدى مستوطنات غزة قبل ذلك بيوم، ولكنها لم تصب أحدا بأذى لحسن الحظ. وسبب التأجيل يبدو سخيفا الآن في مواجهة الذريعة التي وفرناها للوزير الفلسطيني لتأجيل لقاءاته مع بن اليعازر. المشكلة تزداد حدة في ظل حقيقة كوننا موجودين اليوم في فترة هدوء نسبي من العمليات الارهابية. والمراسلون الاجانب يتساءلون بارتياب اذا لم يكن من وراء الأحداث الاخيرة هدف مبيت وعن قصد لوضع حد لفترة الهدوء هذه. لدى بن اليعازر خطة وهو يتفاخر بها، واسمها «غزة ـ بيت لحم أولا»، هذا النموذج الذي يهدف الى نشر الهدوء وانسحاب جيش الدفاع من مناطق مختلفة. على الارض لا يوجد توافق بين الأوامر الميدانية وبين توجهات وزير الدفاع السياسية. وهذه مسألة يجدر ان يتولى فحصها الضابط الذي يحقق بالأحداث. والا فان خطة الهدوء التي يسعى لها بن اليعازر ستغرق في اعمال الانتقام. في المناسبة نفسها، ربما يجدر ايضا تعيين محقق يقوم بفحص الحيل التي يقام بواسطتها في المناطق المزيد من المواقع الاستيطانية غير القانونية، بينما يقوم جيش الدفاع بحمايتها، وبينما يواصلون وعودهم في خضم ذلك بازالة هذه المواقع. عن «هآرتس»