الكثير من المظلومين موجودون في اسرائيل، ولكن قطاعين فقط يعانيان حقا، على أساس ثابت وبشكل يجعلهم مواطنين في غاية الحزن، ومن شأنه ان يؤدي في نهاية المطاف الى تفكك اسرائيل تقريبا. القطاع الاول هو عرب 1948، أما الثاني فهو العمال الاجانب. وهؤلاء هم قطاعان من الناس لا يطرح موضوعهما للتداول الا في لحظات الازمة. أما في باقي الوقت فانهم يحظون بالتجاهل المطلق، بل وبالتنكيل في الممارسة الحياتية، وبعضه باسم القانون. شهور مرت منذ العملية التي حدثت في المحطة المركزية، واسرائيل تنظم نفسها ببطء متثاقل لعملية الابعاد للعمال الاجانب، فلا يتم أي فحص منطقي في هذه الاثناء للعوامل التي أدت الى تجمع هذا العدد الكبير من العمال غير الشرعيين في اسرائيل. فمعظم العمال جاءوا بشكل شرعي، ولكن السلوك الاسرائيلي وحده هو الذي رفعهم لأن يصبحوا رحّلا عديمي الهويات. لنفترض أننا نوافق على القول شبه العنصري بأن الرومانيين شعب اشكالي، ولكن ماذا عن الصينيين؟ فهؤلاء أناس مطيعون، ناجون من نظام استبدادي، غاية في النشاط، وليس لديهم أي نية حقيقية للاستقرار في اسرائيل. وهؤلاء ايضا، بعد ان تعرفوا على جمال ثقافة التشغيل الاسرائيلية، يهربون الآن من أرباب عملهم الأصليين ويبنون لأنفسهم جماعات سكانية سرية. وفي الوقت الذي نبدأ بطرد العمال، يصل في الطائرات عمال جدد سينضمون قريبا الى دائرة غير الشرعيين. ولا ينبغي للمرء ان يكون عبقريا كي يدرك أن كل تجار اللحوم الوافدة يربحون الاموال من اعمالهم هذه. فهؤلاء يربحهم إبعاد القدامى واستجلاب جدد محلهم. فكل رأس جديد هو مال طيب حتى يفر. وعندما سنصحوا بعد عدة سنوات لنتبين بأنه يعيش في اسرائيل نصف مليون من الناس الذين ولدوا فيها ولكن ليس لديهم حق مواطنة أو شروط حياة، بالطبع فان أول من سيطالب بالابعاد الوحشي هم المنافقون الذين يشغلون الآن مناصب الوزراء المسئولين عن معالجة هذا الامر ويقومون كالمعتاد بعمل سطحي خفيف. أما وضع عرب 1984 فاسوأ بكثير. وكلما احتدم الوضع، تجدهم ينجرون رغما عن ارادتهم نحو دائرة الحرب. رئيس الاركان الجديد ذكرهم مؤخراً عماهم بالضبط، كما انه قرر بأن كل سكان المثلث سيتعين عليهم ان يسكنوا في الدولة الفلسطينية. وماذا يفعل سكان الجليل؟ ماذا يفعل سكان قرية البعنة؟ هل سنطردهم هم ايضا؟ فواضح ان الجليل لن يكون جزءا من الدولة الفلسطينية. وقبالة الحماسة الاعلامية الثرثارة ضد أبناء عائلة بكري، أخيرا حدث أمني ذو حضور - يجدر الانتباه الى المقابلة المشوقة التي تظهر في «زمن تل ابيب» حيث يشرح ابن محمد بكري كيف تبدو الامور هناك حيث يقول. «إنني موجود في اوساط جماعة من المثقفين» و«الناس يريدون العمل ولكنهم لا يجدونه. الناس يريدون التغيير، ولكنهم عديمي الحيلة تماما. الناس يعيشون في وضع خانق. الناس في اغلاق، اغلاق عقلي يؤثر على كل شيء». من لا ينصت الى صرخة النجدة هذه ولا يمد لهم يد العون، ويواصل فقط دعوتهم بالخونة وتسميتهم بأسماء الامراض، لا ينبغي له ان يفاجأ ذات يوم حين يراهم يختارون شق العصا على اسرائيل. ليس لنا حق أخلاقي في التصرف مع عرب 1948 كمواطنين من الدرجة الخامسة والشكوى بعد ذلك من انهم يدفعون نحو اعمال اليأس والارهاب. وبدل اطلاق السباب والشتم عليهم، فقد حان الوقت لفتح القلب لهم واجراء ثورة حقيقية في العلاقة معهم. فهذه بالضبط هي اللحظة الاخيرة قبل ان يتحول كل شيء الى فوضى سنخرج منها جميعا أكثر ضررا. واذا كان يمكن لنا هنا ان ننهي الحديث ببعض الديماغوجيا. ، فمؤخراً فقط تكشف ان اسرائيل أقامت في الاونة الاخيرة ثماني مستوطنات جديدة على الأقل، وكما شرح أحد ممثليها باستهتار بأن اولئك الذين يحاولون اقناعنا بأن المستوطنين ايضا يدركون بأن الحل ينطوي على اخلاء مستوطنات، فانه ليس سوى موضوع وقت حتى تتحول هذه المواقع الى مستوطنات ثابتة. اذن، فبدلا من طمس الضرر الذي نواصل إلحاقه بأنفسنا في الضفة، لعلنا حقا نوجه المال وبعض الفكر لان نحل بشكل انساني ومتساويالمشكلة الحقيقية التي لدينا داخل الخط الاخضر. عن «معاريف»