في عام 1869 شق في فلسطين التاريخية الشارع الأول بين يافا والقدس. الا ان الصلة بين المدن والقرى كانت تتم من خلال المسالك الترابية والطرقات الضيقة، باستثناء هذا الشارع. وكان الناس ينتقلون من مكان الى آخر وينقلون حاجياتهم سيرا على الأقدام أو على الدواب. الاقتصاد القائم بالأساس على الزراعة والتعليم المتواضع يمتزج بصورة جيدة في خارطة الطرقات الفلسطينية هذه التي وصفها المؤرخ بني موريس في أحد كتبه «المتنصرون المتباهون.. تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي» ووفقاً لذلك يمكن التخمين ان مشاعر شراكة الوجود والأصول بين التجمعات السكانية البعيدة كانت ضعيفة في ذلك الحين. العلاقة بين المدن والقرى في الضفة الغربية تقترب أكثر فأكثر مما كان سائدا قبل 150 سنة: السير على الأقدام في الطرق والمسالك الترابية، وامتطاء الحمير أو استبدال الجمال بوسيلة عصرية وهي التراكتورات - وذلك من اجل ضمان الحصول على أمور أساسية: المياه وبعض الخضروات والأدوية والدراسة. كما ان المسافات بدأت في الظهور في صورة ما كان سائدا في القرن التاسع عشر، الوصول من جنين الى رام الله يستغرق عدة ايام، والمسافة بين الخليل وبيت لحم تتطلب نصف يوم. حيفا ويافا (والأقارب والأصدقاء القاطنين هناك) شطبوا من الخارطة العملية وان كان جمالها ومغزاها يكتسبان أحجاما أسطورية في الوعي. واذا كان على الناس قبل 150 سنة ان يحذروا من لصوص الطرقات فعليهم اليوم ان يخشوا الدوريات العسكرية والاغلاقات الفجائية التي تفق وراءها مجنزرة أو دبابة تقوم بتسجيل مخالفة مرور لمن يخرق الأمر العسكري بالاغلاق الداخلي وحظر الحركة من دون تصاريح من الادارة المدنية. هناك أكثر من مليوني مخالف للقانون يعيشون في الضفة، وجيش هائل من الساهرين على النظام والقانون حيث يحاولون اكتشاف كل ثغرة في الجدار وكل اغلاق صخري تمت ازالته وكل درب جانبي قام مشاة مجهولون بالسيطرة عليه. هؤلاء المطبقون للقانون والنظام يراقبون ما يحدث في «فلسطين السفلى» المكونة من راكبي الحمير والتراكتورات، من أعلى شوارعهم العصرية الواسعة التي تخدم عددا يسيرا من السيارات الاسرائيلية، ويراقبون المجريات بوسائل الرؤية المتطورة من خلال «ارض اسرائيل العليا». وتترافق مع الاغلاق الداخلي - أي العملية المناهضة للعصرنة من خلال العودة للوراء في وسائل المواصلات - وسيلة حديثة وهي الاقامة الجبرية في المنازل المفروضة على نصف مليون انسان منذ أكثر من شهرين. السنة الدراسية بدأت يوم السبت الماضي، وقد رُفع حظر التجول - باستثناء جنين والخليل - عن المدن في ساعات النهار حتى يتمكن الطلاب من التوجه الى المدرسة (يركضون بسرور) بعد ان كانوا حبيسين طوال عطلة الصيف في منازلهم. ولكن في يوم الاحد والاثنين فرض حظر التجول مرة اخرى على أغلبية المدن ودفن التلاميذ اليائسين خلف جدران المنازل الصغيرة أو في الشوارع والأزقة مرة اخرى. الاغلاق الداخلي والاقامة الجبرية في المنزل، لم يكتفيا فقط في تقليص المسافات والآفاق حتى الحد الأدنى وانما أديا الى اعادة الاقتصاد الى الوراء، فمستوى النظافة والصحة، ومستوى التعليم (وهذه مسألة مؤكدة على الرغم من المحاولات الفلسطينية الرسمية بالتفاخر بنتائج الطلاب في الثانوية). ولان اغلبية السكان يعيشون في المدن اليوم فلا توجد لديهم اراض زراعية كما يملك سكان القرى حيث يتمكنون من توفير الغذاء الأساسي منها. كما ان من يستطيع ان يزرع بعض الخضر في قريته أصلا لا يتمكن من الوصول الى ارضه بسهولة أو حتى بيعها في سوق المدينة المغلق بسبب حظر التجول. شعب بأكمله يجبر اذا على التحول الى طبقة الشحاذين والمتسولين: العالم يدفع رسوم بطالة لـ 120 ألف موظف في القطاع العام ومن كانوا مسجلين في اجهزة الامن الفلسطينية، والاونروا تقوم بتوزيع الغذاء على المحتاجين وصناديق المساعدة الاسلامية والعربية تمول توزيع الغذاء من خلال مؤسسات الزكاة والصدقات الخاصة والرسمية. وسواء عن ادراك أو عدم ادراك، يتبين ان سياسة الاغلاق الداخلي وحظر التجول المتواصل يتسببان بالضرر بل ويقطعان الأواصر والروابط الوطنية - الحديثة التي أنشأها الجمهور الفلسطيني خلال القرن الاخير، الامر الذي يحول مجتمع موحد الى ثلة من الاشخاص الذين يتوجب عليهم ان يواجهوا بأنفسهم واقعا أصعب من ان يطاق. هذا التفكيك يتساوق مع الرؤية الاسرائيلية في السبعينيات والتي تعود اليوم للموضة حيث لا يعتبر الفلسطينيون «شعبا» ولا يستحقون حقوق الشعب في هذه البلاد، وانما هم بحاجة الى حقوق «فردية»، وهذا ايضا مشروط بحسن سلوكهم. هذا التفكيك يتساوق ايضا مع تصور الجيوب المعزولة عن بعضها البعض التي اقترحها افيغدور ليبرمان والتي تتوافق مع موقف «الحل الانتقالي» المزعوم الذي ينضج في اوساط اسرائيلية اخرى. فهل يعتقدون في اسرائيل ان الوعي الوطني الفلسطيني هو الآخر يمكن ان يعود الى عام 1869 حتى يُسهل مهمة ومساعي الساعين لفرض الحلول الانتقالية على المدى المنظور. عن «هآرتس»