ها قد انقضى 12 شهراً والركام ما عاد موجوداً، ومن عملوا من دون كلل لانقاذ المحتجزين تحت الحطام أو لانتشال جثث الضحايا المدفونة بين الاكوام توقفوا عن عملهم هذا، وما عادت آثار أكبر برجين في نيويورك مكومة في مكانها لتذكّر الجميع بأسوأ هجوم تعرضت له أميركا طوال تاريخها. غير اني لم أتغير، فعندما أذهب للموقع المستوي الآن أشعر بالصدمة والغضب والتصميم مثلما كنت أشعر بها قبل عام. يوم 14 سبتمبر 2001 طرت بمروحية فوق الموقع مع الرئيس جورج بوش وحاكم الولاية جورج باتاكي، وترددت على المكان أكثر من مرة خلال الأيام التي تلت الهجوم، لكن تلك كانت المرة الأولى التي أرى فيها الدخان المتصاعد من الاطلال من عل. كان ذلك مشهداً مؤلماً على نحو لا أستطيع وصفه. ومرور سنة كاملة لم يفعل شيئاً لمحو تلك المشاهد من ذاكرتي. إن ما حدث لمركز التجارة العالمي والبنتاغون وقريباً من شانكسفيل في بنسلفانيا لم يكن كارثة طبيعية أو حادثاً هائلاً، بل كان ذلك جريمة جماعية خطط لها مجانين، لا للقضاء على أرواح أميركيين بل وعلى القيم الأميركية أيضاً. لم تكن تلك هجمات استهدفت أولئك الذين قتلوا أو أصيبوا بل على كل شيء يصوغنا كمجتمع واحد: الحرية الدينية والفرص الاقتصادية والخيار السياسي. وقد تعلمت حين كنت محققاً بأن النوايا لها أهميتها. فحينما يموت عزيز في حادث يكون ذلك مؤلماً بالطبع، لكن أن تعرف الزوجة أو الزوج أو الابن أو الأم قد قضى بسبب عمل متعمد، فإن ذلك يحدث جرحاً أعمق بكثير. احدى الوسائل للتعامل مع هذا الألم الهائل دوماً هو ان نتحدث حوله. ودائما ما أناقش يوم 11 سبتمبر وغالباً مع أولئك الذين تأثروا أكثر من غيرهم بالهجوم. أحاول ان أواجه ما حدث وأهمية ان نكون عازمين. كما حضرت ايضاً الكثير من الجنائز واجتماعات التأبين، وهي التي تعزز لديّ الدرس الذي لقنني اياه أبي بخصوص ان أكون موجوداً مع الناس حينما يكونوا بحاجة ليّ. الناس يستمدون القوة من بعضهم ويستعيرونها من بعضهم ايضاً. وبالعودة الى الموقع الآن، حيث تمتد 16 فداناً يباباً تتضمن علامات موقع البرجين، يستمر الحوار حول أفضل طريقة لاحياء ذكرى هذه الخسارة. وتثور ضغوط عديدة متضاربة وآراء مختلفة. أنا على قناعة ان الموقع يجب ان يبقى قبل أي شيء آخر كمكان أو نصب تذكاري. وكل القرارات اللاحقة يجب ان تنبع من هذا الهدف. فإذا ما أضيف شيء آخر للموقع يجب ان يكون مكملاً للنصب وليس طاغياً عليه. يجب ان يكون بمقدور الناس بعد مئات من السنين ان يستوعبوا ضخامة هذا الهجوم بزيارة هذه الأرض المقدسة. إن الموقع هو مقبرة. انه المكان الذي يستريح فيه أحباؤنا الذين لم ننتشل جثثهم والذين لاتزال بقاياهم موجودة في جوف هذه الأرض المحفرة. يجب ان نحترم الدور الذي تلعبه هذه الاحداث في تاريخنا. هذا المكان هو الذي أتاه الرئيس الاميركي ليقول لعمال الانقاذ المرهقين «أستطيع ان أسمعكم، العالم كله يسمعكم، وأولئك الذين دمروا هذين المبنيين سيسمعون أصواتنا جميعاً قريبا». لقد حافظ الرئيس بوش على عزمه اجتثاث الارهاب العالمي واقامة نصب ضخم يعيش طويلاً سيذكر الأجيال المقبلة بهذا الالتزام. واستذكار هذه الأحداث وما تلاها سيذكر الناس اليوم بأننا يجب ألا نتهاون أبداً في مواصلة الحرب على الارهاب. كما سيذكر أبناء الغد بضرورة عدم سماحهم أبداً بتكرار شيء مثل هذا. لو كان الأمر بيدي لكنت خصصت الأفدنة الشاغرة كلها لهذا النصب. يجب أن يرتفع هيكل حتى عنان السماء من هذا الموقع ليأخذ مكانه في أفق مدينة نيويورك. يجب ان يستطيع الناس مشاهدته من مسافة بعيدة جداً ليكون تجسيداً لأرواح أولئك الذين ضحوا بأرواحهم للدفاع عن الحرية. يجب ان يكون هناك متحفاً ومكتبة عامة، وأولئك الذين سيزورون المكان يجب ان يتمكنوا من ان يعيشوا التجربة بشكل يوفي ضخامة الحدث حقه. يجب ان يكون هذا النصب انعكاساً لأهداف متحف التراث اليهودي الذي لا يبعد سوى مرمى حجر عن المكان، هدف ذلك المتحف هو استعراض أهوال المحرقة الى جانب الاحتفاء بدوام وقوة الشعب اليهودي. وإذا ما قمنا بالعمل على الوجه الصحيح فإن النصب المذكور سيحيي الرعب والبطولة يوم 11 سبتمبر. لكننا إن لم نقم بعملنا على الوجه الأمثل وإذا ما سمحنا للمباني التجارية ان تطغى على نصب قزم فإن الناس بعد مئة عام من الآن سيقولون ان هذا الجيل لم يفهم تماماً أهمية يوم 11 سبتمبر الذي غيّر العالم. يجب ألا يفقد 11 سبتمبر رنينه مع مرور الوقت وخبوء الذاكرة. هذا الموقع شهد أسوأ هجوم تعرضت له أميركا في تاريخها، وسأدعو الله ان يبقى الهجوم الأسوأ في كل التاريخ الأميركي طوال مئات السنين من الآن. إن نصباً نقيمه كما يجب سيلهم الناس، يجب ألا يكون رمزاً لأية خسارة في العالم قبل 11 سبتمبر أو تجسيداً لأميركا ما عادت توجد، بل رمزاً لبقائنا وانتصارنا. إنني متفائل.. اسلوبي هو أسلوب المستقبل، وها هي دولة وراء اخرى تعتنق الديمقراطية، وهذا ليس طريقاً سهلاً، لكنه مع ذلك الطريق الذي يسير العالم فيه. وهذا أمر طيب، والسبب ـ ولا أقول ذلك بدافع عدائي ـ هو اننا على حق وهم على باطل، أولئك الذين هاجمونا ليس لديهم أية فكرة عن عمق الروح الأميركية. وأظن ان حزننا وغضبنا وعزمنا قد فاجأنا حتى نحن. وبعد عام من الآن قد يكون هذا أهم درس بين دروس الحدث، حيوية أميركا وعمق شخصيتها القومية يجب ألا تتعرض للانتقاص. ـ عمدة نيويورك السابق عن «تايم»