حينما بدأ استعراض وزير الخارجية الاميركي كولن باول يتكشف على الشاشة في الشهر الماضي خلال السهرة الترفيهية التي اقيمت للمشاركين في الاجتماع السنوي لوزراء خارجية دول منظمة جنوب شرق اسيا، سرعان ما ساد الصمت بين المدعوين، الذين كانوا قبل ذلك يثيرون الكثير من الجلبة، هل كان ذلك حقاً هو الرئيس جورج بوش في فيديو كليب يقدمه عبر شخصية وزير خارجيته؟ كان الامر كذلك بالفعل، قال الرئيس الاميركي وهو يظهر ممسكاً بالهاتف يلمح لاداء باول الغنائي الذي لم يكن متناغما تماماً قبل سنة من الآن: «كولن، اريد ان نتحدث معا، انني قلق بشأن ادائك في اجتماع الاسيان، اسمع، يا كولن، اننا دولة تعتز بنفسها جدا، لقد عينتك في هذا المنصب لتكون الافضل، ابدأ التدريب!».هذه المزحة التي تضمنت لمحة اخرى «تقول.. ان البيت الابيض قد بدأ بحثه سراً عن بديل لوزير الخارجية ـ بعد ادائه الاخير في اجتماع الاسيان ـ كشفت عن اريحية باول، مع التذاكي الذي يقلل من قدر الذات، لكنها كانت ايضا فرصة لاضفاء بعض الخفة على قضية اعمق، وهي العلاقة بين البيت الابيض ووزارة باول يمكن ان توظف بعضا من التوليف الدقيق بأيديهما. وفيما يصعد كبار مستشاري الرئيس بوش ـ مثل نائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ومستشارته لشئون الامن القومي كوندوليزا رايس ـ من تسخين ايقاع طبول الحرب ضد العراق، يظهر باول على نحو متزايد باعتباره صاحب الايقاع المخالف بينهم، فهو الوحيد بينهم الآتي الى السياسة من صفوف العسكر، ومع ذلك فهو الذي لا يبرح ينصح بالحذر، ويؤكد على اهمية اعداد ارضية قانونية لأي عمل عسكري، ويجعل من رص صفوف الاصدقاء والحلفاء حول اميركا الاولوية. يمثل كولن باول المدرسة الاكثر تقليدية في السياسة الخارجية الاميركية وهذه المدرسة تميل للعمل الجماعي اكثر من الانفرادي ولا تستبعد الخيار العسكري شرط ان يبقى الخيار الاخير، غير ان هذا الرأي يتعرض للرفض من قبل العديد في الادارة الاميركية، باعتباره لا يجسد دور اميركا وقوتها التي لاتدانيها قوة في العالم اليوم. وربما يسهم هذا في تفسير ما يجعل باول المتفائل ابداً ينظر الى دوره على انه اكثر اهمية من اي وقت مضى، فهو يرى في نفسه صوت التعقل والتواصل الدولي بجانب رئيس لايزال، بخصوص العراق على الاقل، يعمل على تحديد طريقة تحركه.وفيما توجه باول مؤخراً لحضور الجلسات الختامية لقمة الارض حول التنمية المستدامة في جوهانسبيرغ قبل ان يمضي في جولة تأخذه لعدة دول افريقية تتاح لأول وزير خارجية اميركي من اصل افريقي ان يعمل على قضايا مقربة من نفسه وهي التنمية العالمية ومكافحة الايدز والعلاقات الاميركية الافريقية، غير انه يمارس ايضا ذلك النوع من الدبلوماسية طويلة الامد، ذات التواصل مع الشعوب، والتي قد تثير استغراب البعض في واشنطن هذه الايام، والتي يراها باول بالمقابل عنصراً محورياً في الدور الاميركي العالمي. يقول كارل اندرفورث المساعد السابق لوزير الخارجية الاميركي لشئون جنوب آسيا: لاشك في ان لدى باول اهتماما اصيلا بهذه القضايا، مثلما هو ايمانه بالحاجة لدبلوماسية اميركية ملتزمة بالعمل مع الآخرين لمعالجة المشكلات العالمية غير ان السؤال هو فيما اذا كان هناك احد غيره في الادارة يشاركه الرأي في هذا الشأن، ومع انه يواجه مدا مضاداً متعاظماً، إلا ان لديه الارادة ليراهن على جهوده ويواصل العمل بعزم في هذا السبيل. ان هذا السلوك والنهج الخاص بباول تجاه السياسة الخارجية هو الذي يلقى صدى طيباً ليس بين العامة في اميركا فحسب بل وبين الكثيرين من القادة والشخصيات المهمة في العالم، فباول دائما يتقدم نتائج استقصاءات الشعبية في تبيان غير مباشر لتقويم الاميركيين لرئيسهم ـ حيث حقق في اختبار الشعبية نتائج تفوق الرئيس جورج بوش ذي الشعبية الطيبة اصلاً، وكان باول على سبيل المثال ، قد اسعد الكثيرين حينما ظهر على شاشات التلفزيون العام الماضي ليتحدث عن قضايا مثل الايدز واساليب الوقاية منه، وهي ليست بالقضايا التي يتحدث عنها رموز الادارة الاميركية عادة. ويقول الدبلوماسيون الاجانب ان باول يمثل للكثيرين في العالم ما يعتقدون ان اميركا يجب ان تكون عليه: الانفتاح على العالم والكرم معه والانصات الى وجهات النظر الاخرى. ويضيف هؤلاء ان وزير الخارجية يظهر دوما انه الافضل لان الولايات المتحدة برئاسة بوش تبدو مصممة على سلوك طريقها الخاص وحدها في العالم، سواء كان ذلك بخصوص ظاهرة الاحتباس الحراري، او المحكمة الجنائية الدولية، او قضية العراق حاليا. ويقول دبلوماسي باكستاني ان باول هو الامل الابيض الكبير للمجتمع الدولي، وهو يؤكد بنبرته هذه المفارقة.لقد بدأ التباين بين البيت الابيض ووزارة الخارجية يظهر اولا على اسلوب العمل، لكنه توسع ليصل قضايا اكثر عمقا. غير ان باول كما يؤكد الجميع من وزارة الخارجية الى المقربين منه هو الجنرال المتقاعد الذي يمثل قبل كل شيء جنديا لا يضع «شق عصا الطاعة» ضمن قاموس مفرداته المستخدمة.ويقول جيمس لينرساي الاختصاصي في السياسة الخارجية في معهد بروكينجز للدراسات في واشنطن: «انه جندي موال لقيادته. وهو لن يسمح لشرخ كامل ان يظهر بينه وبين رئيسه، وبالتالي ففيما لن يقدم أبداً على تحدي قرار رئاسي، فإنه سيواصل العمل على التأثير في هذا القرار قبل اتخاذه وفي الطريقة التي يطبق بها لاحقاً». أحد الأمثلة على ذلك يتمثل في عبارة بوش «محور الشر» التي ذكرها في خطاب حالة الاتحاد. وهي لم تكن بالعبارة التي يحبذها باول. غير ان مصدرا من داخل وزارة الخارجية يقول انه حينما حدث لغط بين مسئولي الوزارة حول هذا المفهوم وصياغته لم يتردد باول في وأده في مهده موضحاً ان واجبهم هو تنفيذ ما يقرره الرئيس. غير ان هذا لم يمنع باول من الاجتماع بوزير خارجية كوريا الشمالية في اجتماع (الآسيان) باعتبار ذلك خطوة اولى باتجاه اعادة ارساء محتملة للحوار مع احدى دول نادي «محور الشر».وبخصوص الشرق الاوسط ايضا وقف باول طويلا الى جانب القادة الأوروبيين في التأكيد على ياسر عرفات هو ممثل الفلسطينيين وبالتالي فإنه الرجل الذي يجب التعامل معه. لكن حينما اعلن بوش ان الفلسطينيين يجب ان يختاروا قيادة جديدة ـ عمليا رفض عرفات كشريك مقبول في التفاوض ـ سايره باول على الرغم من انه مازال يجتمع بمساعدي عرفات. وتضيف بعض المصادر ان تصوير باول بشكل متزايد على انه طير يغرد خارج السرب الداخلي المؤلف من الاصوات النافذة في البيت الأبيض يبعد الانظار عن النجاحات التي حققها باول هذا العام، اذ كان قرار بوش بقبول معاهدة خطية مع روسيا بخصوص تقليص التسلح النووي ـ وهو ما كان أكثر من مجرد المصافحات التي ارادها بوش اصلا ـ كان نتاجا لجهود باول حصراً. كما ان قبول الرئيس بوش حضور مؤتمر التنمية في مونتيري بالمكسيك الربيع الماضي لاعلان زيادة كبيرة في المعونات الأميركية الخارجية انقلاب قاده باول ايضاً. ومع ذلك فالواقع ايضا هو ان انتصاراته لا تكون مكتملة دوماً. يقول ليندساي: «ان الميدان الذي لم ينجح به باول دوماً هو جعل الرئيس يترجم تحولاته الخطابية الى افعال سياسية». وبالطبع سيكون الاختبار الكبير التالي لباول هو نفوذه عند بوش بخصوص العراق. ويتهم البعض في الادارة باول بأنه لا يريد مسايرة حماستهم للحرب لأنه كان رئيسا لهيئة الاركان المشتركة للقوات الاميركية خلال حرب الخليج الثانية وبالتالي كان جزءا مما يصفونه بالخطأ الذي ارتكب حينها، وهو عدم المضي قدما والقضاء على النظام العراقي.ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي ان باول تحدث في شهادة له امام الكونغرس في فبراير الماضي عن استعداد الادارة الاميركية لجعل اميركا تطيح بالرئيس العراقي بمفردها، اذا ما قرر الرئيس بوش ان ذلك اجراء لابد منه، وفيما يضع باول العمل العسكري باعتباره الخيار الاخير في ذيل قائمة الطرق المحتملة للقضاء على صدام حسين، الا انه بالتأكيد يدعم تحقيق هذا الهدف. يقول دينس روس كبير المفاوضين الاميركيين سابقا في عملية سلام الشرق الاوسط: «لنكن واضحين تماما: لم يكن هناك اي شك منذ اليوم الاول في قناعة باول بالحاجة للتخلص من صدام حسين. الا انه مهتم جدا بكيفية وتوقيت عمل ذلك وبضرورة تحقيق موقف شرعي لهذا العمل أولا وأن تعمل الادارة على اقناع شركائنا وغيرهم في دول المنطقة به».ويؤكد باول ان بوش لا يزال يدرس خياراته ازاء العراق ولهذا سيظل يدافع عن وجهة نظره، يقول مسئول رفيع في وزارة الخارجية: «اننا في مرحلة تسبق القرار في الشأن العراقي. وما ان تتخذ القرارات ستجد الجميع وهم يتسقون معها صفا واحدا». وفي غضون ذلك، يواصل باول الترويج لاهتماماته الاخرى مثل افريقيا والتي يرى انها ستكون مهمة في الامد البعيد. يقول اندرفورث: «هو يعرف انه سيكسب بعض معاركه ويخسر بعضها، غير ان ما يهمه هو معرفته انه مازال في الحلبة وان المعركة مفتوحة. وقد تعلم مسبقا بأنه ان لم ينجح في هذه الجولة او الجولة التي تليها فسيتمكن في اللاحقة من ان يوجه بعض اللكمات المباشرة». عن «كريستيان ساينس مونيتور»