يقول عز وجل: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين).. رحمة لعالم الإنس، ورحمة لعالم الجن، ورحمة لعالم الحيوان، ورحمة لعالم النبات.. رحمة للبشر، صغيرهم وكبيرهم، نسائهم ورجالهم.. رحمة في تعامله، ورحمة في شرائعه، ورحمة في ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم. اما رحمته بالنبات فقد كان صلى الله عليه وسلم يخطب الى جذع، فلما اتخذ المنبر حن الجذع حتى أتاه صلى الله عليه وسلم فالتزمه فسكن (الترمذي، الجمعة (505))، هو صلى الله عليه وسلم تشريع كامل في كل تصرفاته، بل وحتى في معجزاته فقد دخل حائطاً لرجل من الانصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه، فسكت. فقال: «من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟»، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي انك تجيعه وتدئبه» اي تتعبه في العمل (أبو داود/الجهاد 2549). فأين دعاة حقوق الحيوان وحماة البيئة. كان صلى الله عليه وسلم رفيقاً بأمته يخشى أن تفرض عليها عبادة جديدة لا تطيقها، حتى انه ليدع العمل يحب ان يعمل به خشية ان يعمل به الناس فيفرض عليهم (البخاري/الجمعة 1128)، فليس بعيداً عنا فعله صلى الله عليه وسلم بصلاة التراويح في رمضان، فقد صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته الناس، ثم صلى من القابلة ـ اي في اليوم التالي ـ فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما اصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت ان تفرض عليكم» (البخاري/ الجمعة 1129) ويقول صلى الله عليه وسلم: «لولا ان اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (مسلم/ الطهارة 252). وعندما دخل الكعبة رجع الى أم المؤمنين رضي الله عنها وهو حزين، فقالت له تسأله فقال: «اني دخلت الكعبة ووردت اني لم اكن فعلت اني اخاف ان اكون اتعبت امتي من بعدي» (الترمذي/ الحج 873) اما الصلاة التي يتكاسل البعض فلا يؤديها الا بشق الانفس، حتى اذا اداها فكأنه ازاح عن قلبه جبلاً فقد فرضت ليلة المعراج خمسون صلاة في اليوم والليلة، فلما نزل الى موسى عليه السلام قال له: ما فرض ربك على أمتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «خمسين صلاة» قال: ارجع الى ربك فاسأله التخفيف، فإن امتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني اسرائيل وخبرتهم. فرجع صلى الله عليه وسلم الى ربه فحط عنه خمساً فلما رجع الى موسى عليه السلام قال له: ان امتك لا يطيقون ذلك، فارجع الى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يرجع صلى الله عليه وسلم بين موسى في السماء السادسة وبين الله سبحانه وتعالى يسأله التخفيف، حتى قال: «يا محمد انها خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» (مسلم/ الايمان 162). بأبي وأمي انت يا رسول الله، لكل نبي دعوة مستجابة يدعوها، فدعوا بها في الدنيا، اما انت فاختبأتها لأمتك شفاعة يوم القيامة (مسلم/ الايمان 198). تلا صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل في ابراهيم عليه السلام: (رب انهن أضللن كثيراً من الناس، فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم) «ابراهيم: 36»، وقال عيسى عليه السلام: (ان تعذبهم فإنهم عبادك، وان تغفر لهم فإنك انت العزيز الحكيم)، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب الى محمد ـ وربك اعلم ـ فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ـ والله سبحانه أعلم ـ فقال عز وجل: يا جبريل اذهب الى محمد فقل: انا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» (مسلم/ الايمان 202)، اي رحمة فوق هذه الرحمة؟ يدخر دعوته شفاعة لأمته في الآخرة، ويرفع يديه الى السماء ويبكي: أمتي، أمتي. هذه رحمته صلى الله عليه بأمته وخشيته عليها. فهلا رحمنا أنفسنا؟ هلا رحمنا أنفسنا؟ بأبي وأمي أنت يا رسول الله، تبكي على أمتك رحمة بها، وهي اليوم لا ترحم نفسها يقتل رجالها ونساؤها، وتهتك اعراضها، وتمتحن في دينها، ونحن (في غمرة ساهون) الذاريات: 11) (لقد جاءكم رسول من انفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم). بأبي وأمي أنت يا رسول الله كان قلبه ألين وأرق من الماء السلسبيل، يقبل الصغير، ويقدر مشاعر الأمومة، ويراعي احاسيس البشر فقد قدم ناس من الاعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ فقال: «نعم» قالوا: لكنا والله ما نقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو أملك ان كان الله نزع من قلوبكم الرحمة!» (مسلم/ الفضائل 2317) ويقول صلى الله عليه وسلم: «اني لأقوم في الصلاة اريد ان اطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي ـ اي أقصر ـ كراهية ان اشق على أمه» (البخاري/الأذان 707) ويقول مالك بن الحويرث: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة ـ وكان رحيماً رفيقاً ـ فلما رأى شوقنا الى أهالينا قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي» (البخاري/ الأذان 628) ولما رفع إليه صلى الله عليه وسلم ابن لابنته نفسه تتقعقع وهو يحتضر، فاضت عيناه صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وانما يرحم الله من عباده الرحماء» (البخاري/ الجنائز 1284) صدقت يا رسول الله، وصدقت حين قلت: «من لا يرحم لا يرحم»، وصدقت حين قلت: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» فأين اولئك الذين يقتلون النساء والأطفال والشيوخ؟ أين اولئك الذين يشعلون فتيل الحروب في العالم ليبيعوا اسلحتهم؟ أين اولئك الذين تندثر تحت اقدامهم شعوب كاملة من الجوع باسم المصالح التجارية؟ فقدوا الرحمة الانسانية قبل ان يحرموا من نعمة الاسلام ورحمته، فغدوا وحوشاً كاسرة في صورة البشر. لقد وصل صلى الله عليه وسلم قمة الرحمة الانسانية، فهو رحيم بالمخطئين، ورحيم حتى بمن يسيئ اليه فقد بال اعرابي في المسجد فقام اليه بعض القوم ليزجروه، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعوه ولا تزرموه» اي لا تقطعوا عليه بوله، فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه (مسلم/ الطهارة 284) اين هذا من هيجان الدعاة وثورانهم لحل مشاكل الامة وكل واحد يضخم ازمات الامة او يقلل من شأنها تبعاً لهواه. كيف ندعي بعد ذلك الحرص على مصالح الامة، ونحن نغضب لكسر طبق او توسيخ ثوب او اي امر دنيوي؟ اين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بال الصبي على ثوبه ـ وهو عظيم هذه الامة الى قيام الساعة ـ فلم يفعل اكثر من ان دعا بماء فغسله به (البخاري/ الوضوء 22)، لم يغضب على اهله لان رضيعهم تعدى على مقام النبوة العظمى، ولم يغضب لأن مظهره الانيق اهتز امام الناس. كان صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة للعالم كله، به تحرر الناس من عبودية الحجر والبشر والاهواء، لعبودية الله وحده.. به خرج اهل المدينة من سيطرة اليهود وفتنهم بين الاوس والخزرج.. به تخلصت قبائل الجزيرة من نزاعاتها وتوحدت، به تحرر الفرس والروم من ظلم الدولتين الشرقية والغربية آنذاك.. به تخلص الانسان من سلطان البشر ليخضع لرب البشر، وعندها عرف الناس معاني الرحمة والانسانية... يقول صلى الله عليه وسلم: «انا محمد، واحمد، والمقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (مسلم 2355). نبي الرحمة عندما حرر البشرية من الخضوع لأي شيء او اي احد، ونبي الرحمة بتشريعاته التي نظمت شئون العالم، فعن جرير رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني: «فيما استطعت» (مسلم/ الايمان 56) هو نبي الرحمة، لانه جاء بتشريعات ليس هدفها ارهاق البشر: (لا يكلف الله نفساً الا وسعها). وهنا لا ابالغ ان قلت: انه كان رحمة لأمته في ذاته صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (الانفال 33) كان رحمة لأمته في حياته وبعد مماته صلى الله عليه وسلم، تقول اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنها: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها ـ وكان صلى الله عليه وسلم يلبسها ـ ونحن نغسلها للمرضى يستشفى بها. اخرجه مسلم في اللباس والزينة برقم 2069. ابراهيم عبدالله سلقيني