في ومضة وعي، يحمل إليّ توالي انطفاءات مفاجئ يقيناً لا أستطيع تبين اسبابه بفعل خمود همة طبيعي، ومفاجئ أيضاً، وكئيب، بأن ما يحيط بي له مظهر خجول، وغير مسبوق، وبأنه ليس هناك أي تآلف بين شخصي وهذا البيت الذي أسكنه منذ اكثر من عشرين سنة، فأشعر كما لو انني قد وُضعت للتو بين جدرانه، حيث يعلقون اشياء تافهة انظر اليها باستياء، انها رسوم تبدو وكأن ذوقاً مناقضاً لذوقي هو الذي اختارها، وخزائن فيها اكتشف عناوينها باستغراب مماثل. هذا البيت الذي تطوف فيه تلك المرأة، امرأتي، امرأة لا تني توجه إليّ عينيها الواسعتين الخضراوين، فتجعلني ارتاب بأنني اشعر لأول مرة بثقل نظرتها. ومضة الوعي الخفية نفسها حدثت عندما رأيت الرجل هذا الصباح، وانحفرت رؤياه في حيرتي كواحدة اخرى من الرسائل التي راحت تأتيني على امتداد هذه السنوات، الى ان تحولت الى عادة صرت أتقبلها بإذعان مشمئز. كان الوقت باكراً جداً، وكنت في البستان اشرف على سقاية مساكب البندورة وأتلقى دون طمأنينة برودة تلك الساعة العابرة، متفاجئاً مرة اخرى بعدم اكتشاف التجانس الذي لابد ان يكون اجبارياً، بعد كل تلك السنوات، بين حجارة الجدار وشكل هذه الاحواض والمساكب التي نظمتها أنا نفسي، بالعمل طوال مواسم عديدة في ازالة الاعشاب الضارة، وغرست فيها الغراس الصغيرة، والتي أعزقها دوماً، وأسمدها، وأرشها بالمبيدات في الوقت المناسب.في البداية لم أره هو، وانما استطعت ان أميز كتلتي الشخصين الآخرين فقط، وجهيهما غير الحليقين اللذين اطلا من فوق الباب الحديد، وصوت أكبرهما سناً، وهو يعرض عليّ بصوت خشن، مساعدتي في عملي. فأجبت بأنني لا أحتاج الى مساعدة. وومض في الوجهين ذلك الاستسلام المهزوم لمن يطوف في أرض غريبة معتادة على سوء الطالع. عرضت عليهما شطيرة ووافق المسن، منبهاً إياي، بحزم متواضع، بأنها يجب ان تكون شطيرة جبن. دخلت الى البيت، اعددت شطيرتين وعدت الى الباب الحديد، ولكنني لم أجدهما، فقد تنحيا جانباً برصانة، كما لو أنهما ينكران على نفسيهما حتى إمكانية إشباع الفضول. دفعت البوابة وخرجت الى الطريق وعندئذ رأيت الثلاثة بوضوح، وفوجئت بوجود الشخص الثالث، بتلك القلنسوة الحمراء على رأسه، والسترة الضيقة، والسروال ذي اللون الداكن، والجراب المعلق بحزامه. وحتى الحذاء، لم يكن يخلص هيئته من المظهر القديم غير اللائق، فمع انه ينتعل حذاء رياضياً، الا انه حذاء بال من استخدام جعله بمثل قدم بقية ملابسه. وحين رجعت الى البيت لأعد له شطيرة اخرى، اجتازت هيئة ذلك الشخص الغريبة، دون ان أتمكن من تجنب ذلك، كل فراغات ذاكرتي المشتتة، الى ان بدا لي فجأة انني اكتشفت وجوده في مكان ناء، في زمن المراهقة ذاك الذي يطفو ساكناً مثل غريق، في منعطفات التذكر ما قبل الأخيرة. القلنسوة الحمراء، والسترة ذات الأذيال المهلهلة والسروال الواسع تبحث ـ حسب توافقات الذاكرة المتفوقة في جبهتي على بعض حصارات البلبلة والنسيان ـ عن مكان لها في حلبة المدينة التي ولدت وترعرت فيها. تلك الهيئة الحبيسة في هذا التجويف الدماغي تبدو وكأنها قد تلاشت، مع مرور السنين، مع الذاكرة، ولكنها تعود الى التجسد بتحريض من بعض الذكريات غير المتوقعة. أخذوا الشطائر مني وهم يدمدمون بعبارة شكر، وجلسوا على حافة الرصيف ليأكلوها بمزاج مستغرق ذاهل. وكانت صورة من يعتمر القلنسوة لا تزال تجول في ذهني وتتوصل الى انتزاع نفسها من دهشتي لتكتسب حضورا يمكن التعرف عليه. «سندباد العربي الطيب»، فكرت عندئذ، في واحدة من اشراقات التجربة المعاشة تلك التي لا تقدم لنا احياناً ادلة مؤكدة عمن نكون. لابد انني كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري عندما قدم ذلك الرجل الى المدينة. ورأيناه يوماً، نحن الذين كنا نستأجر الدراجات من محل بولي، يدفع عربة يدوية محملة بحقائب سفر، بينما كان ميرو، حمال الحقائب، يمضي الى جانبه واضعاً يديه في جيبه. فضول الصبية حيال تلك الهيئة الغريبة، التي تلتمع فوقها شرابة القلنسوة الصوفية، نقل الخبر الى داخل الورشة، فخرج بولي الى الشارع ونادي ميرو، الذي رفع يده آمراً حامل الحقائب الغريب بالتوقف. ـ لقد كبرت على كل هذا الدفع للعربة ـ أوضح ميرو ـ وصار لديّ الآن معاون. كانت تلمع في وجه حمال الحقائب الغريب شديد السمرة عينان ودودتان وحزينتان، مثل عيون تلك الكلاب الضالة حين تبدي استعدادها الوديع للاستسلام. وأضاف ميرو متوجهاً الى الغريب: ـ هيا أخبر هؤلاء الناس باسمك. ـ أنا سندباد ـ أجاب الرجل. ـ سندباد، عربي طيب. ـ قال ميرو بعد ان اشعل السيجارة التي لفها للتو. ـ عربي، طيب، عربي طيب! ـ كرر الرجل الغريب وهو يهز رأسه من أعلى إلى أسفل. كان مظهره يذكر الجميع بصورة مقلوبة ومخربة للزي ذي اللون الرملي الذي كان يزدهي به عسكريو تلك القوات الأفريقية المدعوة بالقوات النظامية، التي كانت تجتاز في بعض المناسبات الشوارع متوجهة الى مصير غامض. سرعان ما تبين لنا ان سندباد، ذلك الذي جاء بصورة مفاجئة الى مدينتنا، قد تحول الى عنصر آخر في المحطة. كان في أحيان كثيرة يدفع عربة ميرو، ولكنه كان يرى في احيان اخرى وهو يفرغ براميل البيرة وصناديق القوارير للحانة، وأكياس الدقيق لمحل المعجنات المقلية، ويوزع بطاقات السفر على المسافرين في عربة خينارو، بل ويغسل سيارتي تكسي آمانيثيو واللينتيس. قيل لنا ان احداً لم يكن يعطه نقوداً مقابل خدماته، وانما يقدمون إليه سجائر، وبعض الطعام، وملابس عتيقة. وكانوا يسمحون له بالتجول في المحطة، والتقاط سقاط الفحم، وحتى النوم في احدى عربات شحن البضائع القديمة المتوقفة على خطوط حديدية خارج الاستخدام. دخل الرجل في عاداتنا. وكان الناس يقولون له كلما التقوا به: عربي طيب، وكان هو يبتسم دوماً وكأنه يبدي امتنانه لأن احداً لم يصده. وكان إذعانه الذي لا يكل يغذي دون ريب زهو أناس المحطة، وهو زهو متواضع أيضاً ولين العريكة. ومع مرور الوقت بدأ سندباد يتردد على ورشة بولي، ولم يكن غريباً رؤيته يبذل قصارى جهده وهو يدعك بورق الصنفرة مطاط أحد الإطارات، أو يضبط سلسلة دراجة أو يشد صامولات عجلاتها. وكان بولي يكافئه بالسماح له باستخدام احدى دراجاته القديمة، وسرعان ما تعلم الرجل حفظ توازنه على المقعد. وكان سرواله الذي يضيق ليشد على ربلتي ساقيه، يتيح له عدم استخدام مشبك الساق، فكان هو يتباهى بذلك كإحدى نقاط الافتخار التي لا يمكن لأحد ان يحسده عليها لأنها تستحضر تراثاً عقيماً إن لم يكن مضحكاً. وشيئاً فشيئاً، رحنا نحن الصبيان الذين كنا نذهب ايام الخميس مساء لنستأجر دراجات من بولي، نتعرف أيضاً بصورة أفضل على سندباد. وقد جعلته إرادته في عدم ازعاج احد يتلقى بابتسامة ولطف ذلك النعت الساخر «عربي طيب»، الذي كان أي صبي يشعر بأنه مخول بتحيته به. ولكن طيبته لم تكن تنتهي عند هذا الحد، فقد استطعنا ان نلاحظ فوراً انه يحب التكلم كثيراً، مع ان قسطاً كبيراً من محادثاته كان يسعى به الى تعلّم لغتنا. وكان يتدرب دوماً على الكلمات التي سمعها حديثاً، ويسأل عن معناها وعن معنى كثير من العبارات التي لم يكن يعرفها. وكان تعثره في النطق بها يثير ضحك الجميع، ولكنه يتقبل المزاح على انه الثمن الطبيعي لتعلمه، ولم يكن يبدو عليه الانزعاج كذلك حين يكتشف، مع مرور الأيام، ان بعض الكلمات أو العبارات التي رغب في معرفتها لها معنى مختلف، بل ومخالف، علموه إياه على انه اكثر معانيها دقة، ليضعوا على فمه تعبيراً نابياً يأتي في غير محله. لم أعد أذكر إذا ما تطلب ذلك أسابيع أو شهوراً، ولكنه سرعان ما تمكن من التكلم بلغتنا بسهولة كبيرة. وقد كنت في ورشة بولي في ذلك اليوم الذي بدأ يروي لنا فيه قصص رحلاته. ما زالت تلف تلك الأيام، في ذاكرتي، رائحة مبيد الحشرات الذي كان يُرش به خشب الأسرّة، والنفتالين الذي يُنثر بين الملابس في الخزائن. ويبدو لي كذلك انني ما زلت أشم العبق النباتي الذي كان يطفو في الجو عندما يخف الحر، إلى أن يضمخ المدينة بأسرها. كانت قد بدأت العطلة الصيفية، وكان وقت الغروب الذي نذهب فيه نحن الصبية، قبل أن يغلق بولي الورشة، لإعادة الدراجات التي استأجرناها. كان يجلس في الخارج على المصطبة الحجرية. وكانت هناك سيجارة مثبتة فوق كل واحدة من أذنيه وهو يمسك خرقة وينظف بدقة يديه المتسختين بشحم الدراجات. ورحنا نحن الصبية نخبر بولي بالأماكن التي وصلنا إليها على الدراجات، البعض ذهب الى لابيرخين، ووصل آخرون الى لاكانداميا، وغيرهم إلى كارباخال. ـ أنا وصلت بعيداً، بعيداً جداً ـ قال سندباد عندئذ وكأنه يحدث نفسه. ـ دعك يا سندباد ـ رد عليه بولي ـ أنت لم تتحرك من هنا طوال النهار. أولم أقدم لك سمكاً مخللاً وزيتوناً أسود. فرد سندباد: ـ أنا أعني من قبل، قبل وقت طويل. لقد سافرت الى أماكن بعيدة جداً. أماكن لا يمكنكم ان تتصوروها. عندئذ لم يتجرأ أحد، بمن في ذلك بولي نفسه، على معارضته. فبالرغم من كونه عربياً فقيراً لا يملك أية مقتنيات باستثناء ملابسه البائسة ووداعته اللينة الجانب، الا ان مجرد اجتيازه المسافات، وهي هائلة بالنسبة لنا، التي تفصل بلاد مسقط رأسه عن مدينتنا الصغيرة، يدل على تفوق لا يمكن لأحد منا الدخول في منافسته. ـ أنا سافرت بعيداً، بعيداً جداً. عرفت جزراً حية، وطيوراً هائلة بحجم البيوت. وكاد ان يلتهمني مارد في احدى المرات. لقد جبت الانهار الموجودة تحت الأرض. وكنت غنياً، غنياً جداً. ـ ما كل هذا يا سندباد، ما كل هذا ـ قال بولي عندئذ، وكان يمسح يديه أيضاً بخرقة ـ أنت رحالة عظيم إذن. فتح سندباد الجراب الصغير المتجعد الذي يعلقه على خصره وبحث فيه الى ان وجد شيئاً عرضه علينا بحركة وقورة. ولم يكن بإمكان احدنا ان يدرك ما هو ما لم يقترب كثيراً. ـ دعك يا سندباد، ما هذا إلا مجرد عُرف فرس ـ قال بولي. في ذلك المساء بدأ العربي يروي لنا لأول مرة ماضيه، وأظن اننا جميعنا ادركنا فجأة انه، تحت ذلك التواضع المستكين الذي يبديه لنا دوماً، تحت مظهر الوداعة المسالمة، هناك رجل من لحم وعظم، يختزله حظه العاثر الى هدف لبعض النعوت الساخرة. روى لنا انه ولد في بيت طيب وثري، وانه ورث في احد الايام ثروة هائلة، وأنه بددها في وقت قصير، وانه حاول استعادة شيء من المال، لكي يتمكن من العيش، فقرر العمل في التجارة عبر الدروب البحرية. روى لنا كيف أبحر يوماً في سفينة محملة بالبضائع. وحدثنا عن الجزيرة المغطاة بالنباتات التي رسوا بمحاذاتها، وكيف تبين لهم انها حيوان بحري هائل لابد انه مستغرق في النوم منذ قرون، وروى لنا قصة غرقه ومشقاته الى ان وصل بلادا تقطنها خيول تنجبها افراس بحرية من فحول ضخمة تخرج من البحر. وقد تمكن من جمع ثروة في تلك البلاد، ورجع أخيراً الى وطنه. ولكنه كان مؤرقاً بالرغبة في مواصلة التعرف على اراض جديدة. اطال الغروب هروبه الى ان ادركه الليل، ولكنا بقينا جميعنا هناك، نستمع اليه مذهولين. حتى ان بولي لم يُنزل باب ورشته المعدني، وظل واقفاً الى جانب الورشة، والخطاف في يده. ـ هذا العُرف هو تذكار من تلك الرحلة الأولى ـ قال سندباد أخيراً ـ لقد انتزعته من احد المهور ابناء خيول البحر. وصلت إلى البيت في وقت متأخر فعاقبوني بالنوم دون عشاء. كنت أنام آنداك مع أخي الأكبر باكو. وكنت لا أزال مذهولاً بقصة سندباد، فرويتها له، لكي يعرف هو على الاقل سبب تأخرى ذاك الذي أدى بي الى تلك العقوبة القاسية. وكان صوتي الهامس في الليل يحاول اعادة انتاج كل تلونات قصة العربي الطويلة، وبدا لي، في الظلام، انني ارى صور تلك الجزيرة التي غرقت فجأة بين حوامات المياه الهائجة، وأسمع صهيل الخيول الضخمة القاتمة التي تخرج من البحر وهي تعدو بين زبد الأمواج. أضاء أخي نور مصباح الكوميدينو، واستوى في سريره، ونظر إليّ بتكشيرة جذلة. ـ لقد روى لكم كل هذا اذن؟ وانطلت عليكم الحكاية؟ لو انك تقرأ كتاباً بين حين وآخر، لما كنت جاهلاً الى هذا الحد. وفي صباح اليوم التالي اعطاني أخي باكو الكتاب وأشار لي الى الصفحات التي تُروى فيها رحلة شبيهة جداً بالتي رواها لنا العربي، والتي لا يمكن الشك في انها هي نفسها. لقد رأيت ذلك الكتاب مرات كثيرة من قبل، وكثيراً ما تسليت في أمسيات الشتاء في النظر الى الرسوم التي تعرض، بافتراضية كانت تبدو لي مذهلة، حجرات فخمة مترفة، وقاعات مفتوحة على الليل المفعم بالنجوم. وكان في تلك القصور نساء باهرات الجمال، يتسترن ببراقع شفافة، ويعزفن على آلات العود، أو يحملن في أيديهن أكواباً من الأوبالين أو يتأملن القبة السماوية الزرقاء، ساهيات في موقف نوستالجي يهز مشاعري، بينما تتوزع من حولهن مجوهرات وأشياء أخرى فاخرة. كان في تلك الرسوم ذلك الوميض الخاص بفضاءات بعض الأحلام، التي تبدو غارقة في سائل لا يمكن لأي كثافة ان تخفي صفاءه، فكنت أنظر مطولاً الى الرسوم، وأقرأ المقطع المقتضب المطبوع تحتها ولا أشعر بأي فضول للبحث عن الصفحة التي تشير إليها تلك الكتابات، فعلى الرغم من انه يمكن لعدم تماسكها أن يغوي بمحاولة البحث عن سياقها، الا ان الاتقان متعدد الألوان الذي تتواجد فيه تلك الشخوص، كان يملأ كل أنحاء مخيلتي ويوفر عليّ جهود القراءة. ومع ذلك، لم أخبر أحداً بما عرفته. وفي ذلك المساء، بعد رحلة الى المكان الذي يتقارب فيه النهران اللذان يحيطان بالمدينة، وفي موعد اعادة الدراجة، انتظرت بشيء من فراغ الصبر ان يروي لنا سندباد، مثلما وعد، ما جرى له في رحلته الثانية. وفعلاً، بادر العربي الى الكلام ليروي لنا كيف بدأت تلك الرحلة، التي قطعها كذلك حادث غرق كارثي. وقد تمكن هو من النجاة والوصول الى بلاد تعيش فيها طيور ضخمة كأنها العمارات أو الهضاب، وحدثنا عن الوادي الوعر الذي تغطي قعره أحجار كريمة لا حصر لها، تحرسها حيات لا عدّ لها. وفي تلك المناسبة أيضاً أخرج العربي من جيبه إثباتات على قصته: شظية عظم أشبه بقشرة، وأكد انها من بيضة هائلة، وقطعة بلور خضراء خشنة، تمكن حدّ قاطع لا يمكن له إلا ان يكون ألماساً، من خدشها ليحفر عليها ما بدا انه الحرف الأول من الأبجدية العربية. وكما في اليوم السابق، استطعت ان أتأكد من ان المغامرات التي يرويها العربي تتطابق مع مغامرات الكتاب الذي في بيتي. عندئذ لم أكتف بذلك الاثبات. وبعد قراءة تلك الرحلة الثانية، قرأت في جلسة واحدة كل الرحلات الأخرى، بحيث انني، على امتداد الأيام التالية، وبينما سندباد يصف الأحداث التي يدعي انه عاشها في الرحلات المتتالية، كنت أتذكر، دون أن أخبر أحداً، قصص الكتاب التي تتطابق تماماً مع ما يرويه، وأشعر في داخلي ببهجة تعادل التفوق الذي أضفيته على العربي حين سمعته يتكلم عن رحلاته للمرة الأولى. مرة واحدة ابتعد العربي عن النص، وكان ذلك حين أخبرنا، بين مغامرات رحلته الرابعة، عن الوسائل التي لجأ إليها عندما ترمل، لكي يهرب من المدافن العميقة التي أودع فيها مع جثة زوجته. ولكن قصص العربي كانت تتفق عموماً مع قصص الكتاب. ولكي يُثبت صحة ما تقوله كلماته، عرض علينا أشياء جديدة، نواة زيتونة من التقدمات الجنائزية التي ساعدته على التغذية والبقاء على قيد الحياة في مدينة الأموات المرعبة تلك، وشعر من لحية شيخ البحر الرهيب الذي امتطى ظهره يوماً، في الرحلة الخامسة، ليستخدمه مطية ولم يكن ينزل عنه مطلقاً. ما زلت لا أعرف سبب اعتصامي بالصمت حيال ذلك الخداع الجلي. ربما لشعوري بالشفقة على ذلك الرجل المجرد من كل شيء، والذي قرر، من أجل ادهاش جمهور جاهل، الاستيلاء على مغامرات عاشها أو تخيلها شخص آخر. ولكن لابد انه كان للصدق الذي يضفيه سندباد على القصة تأثير كذلك، فقد كان يروي بكثير من الظرف والمصداقية تلك القصص عن كل رحلة من رحلاته، وبعضها موزع على أمسيتين أو ثلاث أمسيات، لدرجة لم يكن يبدو لي انه ليس هو من يكرر ما هو مطبوع في الكتاب، وانما الكتاب هو الذي يحفظ، بالبرودة الاضطرارية للكلمات المكتوبة، ما كان قد ولد، كشهادة حقيقية، من شفتي ذلك الراوي. احتفظت بالصمت إذن، وكل يوم، في ساعة المغيب، كنت أنتظر مواصلة قصة سندباد باهتمام لا يُختزل بمجرد التأكد من بعض الاحداث المفاجئة التي أعرفها مسبقاً. لم يكن قد تبقى سوى أيام قليلة لكي أذهب، مع بقية أفراد أسرتي، في إجازة الى قرية جدتي، وهو مكان على مسافة متساوية من الشواطئ المختبئة بين صخور قاتمة والجبال التي لا تزال فيها الأطلال الدائرية لأول المستوطنات البشرية. وكان لابد لرواية الرحلة السابعة والأخيرة من أن تتوافق مع الأسبوع السابق لسفري. ومع ذلك، في المساء الذي روى فيه سندباد رحلته السادسة، وكان عليها شظية خشبية من الطوف الذي أتاح له الخروج من النهر تحت الأرضي، بدا وكأنه قد أنهى رواية مغامراته. ـ حسن يا سندباد العربي ـ قال بولي، دون أن يداري اعجابه ـ لابد من الاعتراف بأنك قادر على اجتذاب الأسماع. عليك ان تعمل في الاذاعة. كنت أنتظر ان يروي سندباد قصة الرحلة السابعة، ولكن مرّ يومان دون ان يواصل العربي حكايته. كان خبر مغامراته العجيبة ومهارته كقصاص قد انتشرت، فجاء مزيد من الناس الى ورشة بولي، وفي مساء أحد الأيام، من أجل إرضاء رغبة أولئك المستمعين المنتظرين، أعاد سندباد رواية رحلاته، ولكنه بدأ مجدداً من رحلته الأولى. غامرتُ مرة أخرى بالنوم دون عشاء، وانتظرت ان ينتهي الراوي من قصته، وحين انصرف بولي على دراجته النارية، بعد أن نزل الباب المعدني ووضع فيه القفل، وبعد أن تفرق جميع المستمعين، اقتربت من العربي وقلت له: ـ لماذا لم ترو لنا الرحلة السابعة يا سندباد؟ فقدت عيناه وداعتهما الهادئة ولمحت فيهما كآبة أشد صراحة من ملامحه المعهودة، وخوفاً انعكس فيّ دون أن أتمكن من علاجه، جاعلاً إياي أشعر بغم مفاجئ. ـ الرحلة السابعة؟ ـ سأل بعد ذلك مستعيداً وقاره. ـ عدد الرحلات سبع ـ قلتُ، صارفاً نظري عن عينيه، ثم أضفت: ـ فأنا أيضاً قرأت الكتاب. ـ الكتاب ؟ ـ كل ما رويته مكتوب في كتاب. ولكنك لم ترو الرحلة السابعة ـ وواصلت دون رحمة، ودون أن أبدي أي اهتمام بالخوف الذي كان يلمع في عينيه: ـ فأنت رجعت الى الجزيرة بتكليف من الملك، حاملاً الكثير من الهدايا. ولكنك في طريق العودة الى موطنك تعرضت لعاصفة عظيمة. ألا تتذكر؟ عندئذ رفع سندباد يديه الى وجهه. كنا وحيدين في الساحة وكانت أضواء مصابيح المحطة قد بدأت تطغى على ضوء الغروب الآخذ بالخفوت. ـ حملت العاصفة السفينة الى هاوية نهاية العالم! ـ هتف عندئذ وهو يباعد بين يديه ـ الآن يمكنني ان أتذكر، يمكنني ان أرى كل شيء مرتباً في فراغ ذاكرتي! الآن يمكنني ان أرى مرة أخرى الأشكال الغامضة المختلطة لمسوخ النفق المائي! بدا لي في عزلة الميدان العميقة ان كلماته تدوي مثل صرخات شخص ناء جداً، أبعد من آخر ظلال المحطة. صمتَ بعد ذلك وبقي محتفظاً بالصمت للحظات، إلى أن هدأ الرعب الذي في عينيه وعاد يطل منهما الخضوع الذي يملأهما عادة. ـ بعد غرق السفينة، وبعد أيام عديدة من العطش، مثبتاً بحبل الى برميل فارغ، قذفتني الأمواج إلى أحد شواطئ هذه البلاد. لم أجد في هذه الرحلة أمجاداً ولا ثروات. ففي هذا العالم لا وجود لطيور هائلة ولا آكلة لحوم بشر مردة، ولكن لا خلاص فيه كذلك لأمثالي ممن لا يملكون شيئاً. لقد صرت أدرك أنني لن أتمكن من العودة إلى موطني أبداً. كنت على وشك أن أصحح روايته، أن أقول له إن الرحلة السابعة لم تنته على هذا النحو، وأن أذكره بالجزيرة الجديدة، وبالنهر المائج، بالزبد المتدافع، والشبكة التي اصطادته أخيراً، وحياته مع امرأة باهرة الجمال، وتلك القرية التي تبين له ان من يقطنونها هم أخوة الجن، وعودته السعيدة الى بغداد، ولكن الذكريات التي استثرتها فيه احزنته كثيراً إلى حد لم يقل معه شيئاً. ذهبت بعد قليل في الإجازة، وعندما رجعت، أبعدتني عن ورشة بولي وعن فسحات المحطة، العودة الروتينية الى المدرسة، وأهم من ذلك الدراجة غير المتوقعة التي أهديت إليّ. وفي ذلك الشتاء انتشر الخبر عن موت العربي في حريق عربة القطار المهملة التي كان يلتجئ إليها ليلاً. وباختصار لم أعد في ما بعد إلى رؤيته أبداً. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الوقت الذي انقضى، فإن صورة ووجه الشخص الذي يأكل الشطيرة بمضغ حذر كمن لا يملك أسناناً جيدة، تتفق تماماً وعلى نحو فريد مع صورة ووجه الرجل الذي أتذكره. انتظرت الى ان انتهى، فاقتربت منه وأدركت انه، بالرغم من هذا اليقين الذي تريد ان تتوافق فيه رؤياه وذاكرتي، من المستحيل ان يكون الرجل نفسه، ذلك انه لم تكن هناك ولو تجعيدة واحدة أو شعرة شائبة تبدل من مظهره، بينما تحوّل الصبي الذي كنته أنا نفسي في تلك السنوات الى الخمسيني ذي الشعر الأبيض الذي صرتُ إليه الآن. سألته عن اسمه. ـ هذا الرجل ليس على ما يرام ـ قال لي أكبر الرجال الثلاثة سناً ـ لقد ذهب عقله. نحن ندعوه سندباد. وعندما تصفو ذاكرته يروي عن انه كان رحالة عظيماً وتاجراً ثرياً. ولكنه الآن فقير مثلنا ويبحث عن عمل ليستطيع ان يأكل من كسب يديه. عندئذ تكلم الرجل ذو الطاقية الحمراء بصوت لا يمكنني عدم التعرف عليه: ـ أنا عربي طيب. ابتعدوا عن الطريق، باتجاه بيت جاري. طفرت أشكالهم المنهوكة تحت الشمس بتلك القتامة الراسخة التي كثيراً ما تتمكن من عرقلة جزء من ذكرياتي. وكما في مرات أخرى، تشككت ـ منذ عدة سنوات ـ بأن قصتي نفسها هي أيضاً انقطاع رحلة لم أستطع استذكارها لأن ظلاً متسلطاً، ممتداً في داخلي، يخفيها عني. عدت الى البيت ووجهت إليّ زوجتي بعض الأسئلة. حدثتها عن العرب الثلاثة، ولكنني لم أخبرها شيئاً عن تلك الصورة التي بدت كما لو أنها عائدة من ماض دون أن تعاني أي أثر من صروف الزمن. ـ يا لقلبك الطيب. أرجو أن تكون قد تركت لنا بعض الخبز على الأقل ـ قالت هي:، بذلك الصوت الذي لا يقبل مطلقاً رخاوة العذوبة. فأجبتها: ـ بقي لدينا فائض من الخبز. خبز يكفي لإتخامك. ـ يمكنك الآن إذن ان تقدم العلف للخنازير، لأن باسيليو سيرتاح نهار هذا اليوم كله. أعددت العلف وحملته الى الاسطبل. وبهذه المهمة انتهت أعمال اليوم. وبينما أنا منبطح في أرجوحة النوم، أغمض عيني، مستسلماً لإغراء الإغفاءة. استغرقت مرة أخرى في روتين كل يوم، خمود الهمة الذي يجعله حر الفصل أشد ضجراً ولا يؤدي إلا إلى أيقاظ الفجوات المفاجئة في وعيي، هذه الفجوات من النسيان التي يبدو لي أنني أعثر من خلالها على عيني امرأة، مختلفة عن هذه، تودعانني بمحبة، وأشكال رجال وحزم أمتعة على سطح سفينة قديمة، ووميض حرائق، وأداة طويلة مرهفة الحد في يدي، وشبح حيوان ضخم ثابت بلا حراك. ويأتي من البيت صوت زوجتي: ـ هل أنت هناك؟ فأرد عليها: ـ أجل. إنني في أرجوحة النوم. ـ هل وضعت علفاً للخنازير؟ ـ أجل يا امرأة، لقد وضعته. أنا أعرف انها تعرف ذلك. فكل أسئلتها تهدف فقط إلى جعلي ألحظ حضورها المترصد. وكأنها تريد أن تنبهني إلى مراقبة لا تلين، ولا أستطيع أنا أن أحزر أسبابها. ـ خوسيه ماريا ميرينو كاتب اسباني ولد عام 1941 في لاكورنيا (المنطقة الشمالية الغربية من اسبانيا). كتب الشعر والقصة والرواية. يعتبر من أبرز الكتّاب الذين استطاعوا إبداع عالم متخيل حيث يختلط الواقع اليومي بعالم سحر الغرابة والتخيل. نال عدة جوائز وطنية، وتُرجمت قصصه إلى العديد من اللغات العالمية.