ظلت آسيا على الدوام من القارات التي تمتعت بحضور ملفت على مختلف الأصعدة، حيث أسهمت الحضارات المتعددة والثقافات والديانات المتنوعة، ناهيك عن الكتل البشرية الهائلة والمساحات الجغرافية الشاسعة، في احتلالها موقعا يكاد يكون فريدا على مر التاريخ. وكان من النتائج المباشرة والفورية لمثل هذا الحضور الكبير أن تسهم قارة آسيا في العديد من الأحداث العالمية البارزة وأن ينظر إليها بالكثير من الاهتمام في الماضي والحاضر ومن جانب الكثير من الدول العظمى والإمبراطوريات التي ظهرت على المسرح العالمي. وكان من هذه النتائج أيضا أن تغدو مناطق شاسعة من هذه القارة مطمعا للكثير من الدول الكبرى، فقامت باحتلالها لقرون طويلة أملا في الحصول على ما يمكن انتزاعه من ثروات لا تقدر بثمن وكنوز حضارية وتاريخية وثقافية. وتكاد هذه الصورة تتكرر في الوقت الراهن على الرغم من اختلاف المسميات والأشكال، فالسعي ما زال مستمرا لتغييب معظم دول آسيا، وبخاصة النمور الآسيوية، عن ساحة العالم الاقتصادية، من خلال فرض الوقائع المختلفة أو السعي لتحطيم اقتصادياتها عبر المضاربات، وفرض الأمر الواقع المتمثل بالعولمة والرأسمالية التي هي في حقيقتها لا تسمن ولا تغني من جوع، ناهيك عن أنها تطرح من المشكلات العديدة أكثر مما تجده من حلول غير مجدية، لتخفق في أن تكون النموذج المثالي الذي ينطبق في كل مكان وزمان ومع مختلف الشعوب والدول. الكتاب الذي نناقشه هنا له أهمية كبيرة على الرغم من عدد صفحاته المحدودة وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن مؤلفه د. مهاتير محمد يعد في نظر الكثيرين من العقليات التي لا أبالغ في القول بأنها من أفذاذ الاقتصاديين وصناع القرار السياسيين الذين أسهموا في إظهار نموذج حقيقي للفكر الذي يعمل بكل حرص واخلاص وبراعة، خاصة في الوقوف بوجه أكبر أزمة قدر لها أن تلقي بلداً مثل ماليزيا في دوامة من العجز الاقتصادي الذي تصور البعض أنها لن تنهض أبدا منه. وتمثلت تلك الأزمة بالمضاربات التي حلت بالعملة الماليزية وأوشكت معها أن تنهار إلى الأبد في إطار ما وصف بأنه مؤامرة كان للغرب المتمثل بالولايات المتحدة الدور الأبرز في السعي لتحقيقها. أما الأمر الثاني المميز في هذا الكتاب فهو معالجته للكثير من القضايا الحالية التي تتعلق بهذه القارة. فالكاتب يتطرق إلى الكثير من الدول كالصين واليابان وأندونيسيا وسنغافورة وإلى الأقاليم والمجموعات العرقية كتايوان وتيمور الشرقية، وكذلك إلى أزمة العملة الماليزية والعالم الإسلامي والتقاليد الآسيوية وغيرها من القضايا التي أضفى عليها أسلوب المؤلف التحليلي الثاقب ونظرته المتأملة الكثير من العمق. ولا يخلو الكتاب من الكثير من التجارب التي عاشها المؤلف شخصيا، والتي أسهمت في رسم ملامحه العملية بدءا من طفولته وحياته المبكرة ومرورا بالكثير من التجارب التي عاشها وعاصرها في بلده وفي البلدان التي زارها. ينطلق المؤلف بالقول إن آسيا كانت على مدى قرون عديدة قارة من دون مستقبل. وهي الصورة التي يراها الكثيرون تتكرر حالياً تارة أخرى وكأن التاريخ يعيد نفسه. فالشمس قد شرعت تغرب وقضت التنينات نحبها وانقرضت النمور من الوجود فبدا الجميع على شفا النهاية. ومثل هذه الرؤية يراها المؤلف تتسم بالصواب لو أخفقت آسيا في إظهار رغبة هائلة وابداع عميق في الاصلاح وإعادة البناء ومن ثم تحقيق نهوض شامل في مختلف الميادين. وإذا لم يستطع جميع الآسيويين والشركات والمؤسسات والمعاهد تخطي الأزمة الحالية ببطولة فإن الانحدار سيكون أشد وأشد وعلى وجه بالغ السرعة. وعندئذ، وكما يرى المؤلف، ستكون نهاية الآمال والتطلعات ووقف اندفاع العجلة الآسيوية التي أخذت موقعها الصحيح بين حظيرة الأمم. وتتجسد الخشية الكبيرة في أن ما حل بماليزيا إبان أزمة المضاربات وهبوط العملة بمقادير فلكية ربما تتكرر مع الكثير من دول نمور آسيا، تماما كما تتطلع إليها الدول الكبرى بشغف، أملا في فرض الوقائع الاقتصادية والسياسية وجر الدول إلى دوامات يستحيل الخروج منها. لذلك يدعو الدكتور مهاتير دول آسيا إلى القيام بالعديد من الإجراءات العملية التي تسببها سياسة لا تحقق الا النتائج المرجوة حسب، بصرف النظر عن المسميات والألقاب. ويضرب لنا مثلا جميعا في أنه لا يبالي بلون القطة سواء كانت بيضاء أو سوداء لأن الأهم من لونها كونها ماهرة في اصطياد الفئران. وتتطلب عملية الإصلاح الشاملة بالنسبة لآسيا مئات السياسات والأفكار والأعمال، لا أن تقتصر على صيغة واحدة. ففي الواقع ليس ثمة خطة واحدة تحقق الرفاهية والرخاء إلى مختلف الشعوب والدول على حد سواء. فالحال بالنسبة للاقتصاد والنمو القومي تماثل تماما ما كانت عليه الحال بالنسبة للطب، إذ لا يوجد دواء عالمي يعالج مختلف الأمراض والعلل. ولنجاح السياسات والأفعال، يجب أن تلائم المتطلبات المحددة والظروف الخاصة والحالات المعينة. وفي ظل الظروف التي شهدتها دول آسيا، وخاصة أزمة العملة الماليزية في عام 1997، ينبغي للجميع الاستفادة من تجارب الآخرين وخبراتهم لتبني أشد الوسائل والأساليب نجاعة. وإزاء مختلف التحديات يطرح المؤلف العديد من الحلول التي يرى أنها الأكثر ملاءمة لدول شرق آسيا في تخطي مختلف الأزمات والصعوبات. فأولا ينبغي لجهود الإصلاح الكبيرة أن تتمتع برؤية شاملة لا تتجاهل الاستقرار السياسي والاجتماعي عندما تقوم بالتركيز على العامل الاقتصادي. فالنصائح التي يبديها العديد من الخبراء والمتمرسين الاقتصاديين تفتقر إلى الرؤية السياسية وتتجاهل وجود العالم الذي لا يمت بصلة إلى المال. وبالنتيجة تكون مختلف مساعي الإصلاح الاقتصادي شيئا أشبه بالعبث واللاجدوى إذا لم تستوعب رؤياه الأفق السياسي والاجتماعي العالمي. وحتى في ظل وجود النظرة الشاملة، ينبغي للاسيويين، كما يرى المؤلف، وجود ترتيب واضح ومثمر للأولويات، ليشكل بذلك نظرة استراتيجية بعيدة الأهداف والمطامح. والمثال الذي يوجد في الكتاب يتعلق بالنظرة تجاه المصارف العالمية والمحلية. ففي الوقت الذي يجب أن تدفع الديون إلى مختلف المصارف الأجنبية مهما كانت التكاليف، فإن النظرة إلى المصارف المحلية والمؤسسات الوطنية لا تتعدى كونها طعما خطيراً ومأزقا شريرا يؤثر بشكل عميق على حاضر الدول ومستقبلها. وهنا يتساءل المؤلف عن ماهية الاختلاف بين المصارف الأجنبية والوطنية وهل من يدير المصارف الأجنبية هم القسيسون المنزهون عن الأخطاء والمساوئ والذنوب. أما الأمر الثالث فيتعلق بكيفية التصرف بالموارد. فهذه الموارد كانت محدودة على الدوام، فينبغي تركيزها على تحقيق أكثر الأشياء أهمية. وفي الوقت الذي توجد فيه الكثير من الأشياء المهمة، فإن القليل جداً منها يتمتع بأهمية إستراتيجية مطلقة. وعندما تتواجد المفاتيح التي تفتح مئات الأبواب، ينبغي التركيز ضمن الوقت والموارد القليلة والمحدودة على إيجاد مثل هذه المفاتيح. ورابعا فإن من الأهمية بمكان وجود توازن بين مطالب النمو الاجتماعي والرفاهية، وبين الاستقرار السياسي واللحمة الاجتماعية وبين الأهداف المالية والاقتصادية. أما الأمر الخامس الذي يتطرق إليه المؤلف فهو الدعوة إلى توحيد الجهود القومية إذا كانت ثمة حاجة إلى استعادة النمو الكبير والتنافسية البارزة والازدهار الاقتصادي. فالأمة الآسيوية برمتها يجب أن تعبأ وتعمل كعضو واحد متكامل وموحد خلف هدف مشترك. ومن خلال ذلك ستحقق المجتمعات في شرق آسيا فائدة عظيمة تسمو على كل الوصف. الصين .. عملاق آسيا يذكر المؤلف إن الصين بلد واسع القدرات، بفضل أكثر من 1.2 مليار من البشر متعددي المواهب والذكاء والقادرين على العطاء الكثير. ومن هنا لا يمكن لأي فرد من الأفراد أو دولة من الدولة أن تتصور بإمكانية إبعاد دولة عملاقة مثل الصين عن الخريطة العالمية السياسية أو الاقتصادية أو حتى تجاهلها كثيرا، فمهما حصل، سوف تحقق الصين نموا ملفتا للأنظار وترتقي إلى مصاف الدول الكبرى الاقتصادية بسرعة كبيرة. وهي، وإن لم تصل إلى مثل درجة رفاهية دولة عظمى مثل الولايات المتحدة بسبب نسبة السكان الضخمة جدا، فإن دخل الفرد المحدود يسهم كثيرا في زيادة الناتج القومي الإجمالي للدولة. أما الواقع الثاني الذي يشير إليه المؤلف كحقيقة ينبغي التصديق بها وأخذها كإحدى المسلمات، فهو إن الصين ستكون عظيمة التأثير على الصعيد العالمي، لأن مختلف المؤشرات والدلائل تؤكد على ازدهار مثل هذه الدولة اقتصاديا. ثم ينتقل للحديث عن أحد القضايا المعاصرة السياسية والتي باتت تشغل بال الكثيرين على المسرح السياسي. وتتعلق هذه القضية بالخلاف بين الصين والولايات المتحدة فيما يتعلق بتايوان والطريقة المثلى التي ينبغي أن تعالج وتحسم من خلالها. فمن جانب يذكر المؤلف بأن ماليزيا لا تميل أبدا إلى رؤية انفصال تايوان عن الصين لأن مثل هذا العمل سيفضي في المحصلة إلى زعزعة استقرار المنطقة واضطرام الكثير من الصراعات والنزاعات ، مما يؤثر على الصين كدولة تجارية وبالتالي على ماليزيا بسبب قربها من الصين كثيرا. وعلاوة على ذلك فإن الأفضل لتايوان أن تبقى على مثل هذه الحالة وأن تتفادى المحاولات الاستفزازية التي لن تجدي شيئا سوى تعقيد الموقف صوب الكثير من العوامل السلبية والنتائج غير محمودة العواقب. وعليها أن تقبل بالواقع ذاته الذي ينطبق على هونغ كونغ منذ عودتها إلى الحكم الصيني: دولة واحدة، بنظامين مختلفين. ويعبر المؤلف عن استيائه تجاه سياسة الولايات المتحدة التي سعت إلى حجب انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. فالولايات المتحدة قد حاولت ذلك بمختلف الوسائل المتاحة أمامها ما استطاعت سبيلا من دون أن تدرك ان الصين دولة كبيرة وإذا ما فتحت أسواقها الواسعة أمام العالم ، سيفتح العالم بدوره الأسواق أمامها. وفي المقابل فإن مسألة انضمام الصين أو عدم انضمامها إلى مؤسسة دولية كمنظمة التجارة العالمية تعتبر في المقام الأول من صلب اختيار المنظمة ، وليس من اختيار الولايات المتحدة، التي تتعنت برأيها وتريد أن تفرض الوقائع السياسية وإرادتها على مثل هذه المؤسسة. أما الأسباب التي يناقشها في هذا الموضوع فتتعلق بالقضايا التي يسخر منها دائما والتي تسعى الولايا ت المتحدة على الدوام إلى إثارتها. ومن جملة تلك النقاط ما يتعلق بموضوع حقوق الإنسان في الصين. ويرى السيد مهاتير بأن الصين، حتى ولو كانت مخطئة بعض الشيء في هذا الموضوع إلى حد ما ومذنبة في ذلك، لكنها لا تختلف في الواقع عن العديد من الدول الأخرى التي تقترف الشيء ذاته. فالتعبير الحقيقي لحقوق الإنسان ينبغي له، وفقا لرأي المؤلف، أن لا يستوعب الحقوق السياسية أو حقوق الحماية ضد أساليب القمع التي تلجأ إليها الحكومات، فالأمر يشمل أيضا حرية اختيار الحياة التي ترغب الشعوب بممارستها، وحرية العمل وكسب العيش. ومن هنا يرى المؤلف في الغرب وحكوماته المنتهك الأول لحقوق الإنسان طالما جردت هذه الحكومات مئات الملايين من سكان جنوب شرق آسيا والعديد من مناطق العالم الأخرى من الكثير من حقوقهم وثرواتهم. فالمضاربات وعمليات الهجوم التي عمدت إليها دول الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، على الكثير من عملات الدول وخفض قيمتها بسبب المرابحات قد أصابت العديد من دول آسيا بأزمات اقتصادية خانقة كانت من نتائجها المباشرة أن وجد الملايين من البشر أنفسهم من دون عمل ، ليتعذر عليهم الحصول على الغذاء والدواء حتى الحليب لأطفالهم. وما تبع ذلك من نتائج كأعمال العنف وقتل آلاف من الأبرياء قد كان له الواقع الأكبر من انتهاك حقوق الإنسان بصورة تفوق كثيرا ما حل بعدد كبير من ابناء الصين. ومن المفارقات التي ينبغي الإشارة إليها هنا ما يذكره المؤلف عما تفعله الولايات المتحدة بالشعب العراقي وحقيقة النفاق العالمي المتناقض. فالانتهاك الحقيقي لحقوق الإنسان من خلال العقوبات الاقتصادية والقصف اليومي المتكرر، قد أصاب الكثير من العراقيين ممن فارقوا الحياة أو أصيبوا بجروح مختلفة، ناهيك عن الوفيات الأخرى التي تحصل بين الشعب، خاصة بين الأطفال حديثي الولادة، بفعل نقص الأدوية والحليب. فكل ذلك يشكل انتهاكا أعظم مما تفعله الصين أو أية دولة أخرى، طالما كانت الدولة المتسببة في كل هذه الضحايا هي التي تدعو بشكل منافق إلى حماية الشعوب وتحريرهم من ما تسميه بالظلم والجور. أما الصورة التي خرج بها المؤلف عن الصين بفعل الزيارات المتكررة واللقاءات التي عقدها مهاتير محمد مع القادة الصينيين هي تعزيز دور الصين وأهميتها العالمية التي ينبغي أن تأخذ بالاعتبار وأن لا يتم تجاهلها. فالقادة الصينيون، كما يشير المؤلف، يتمتعون برؤية سياسية عميقة ونظرة عملية ويهتمون بشعبهم كثيرا. وباتت الصين تختلف كثيرا عما سواها من دول الكتلة الشيوعية من حيث التطور المعماري الذي شهدته العديد من المدن التي باتت جميلة من حيث المعالم والتصاميم ومظاهر الحياة الأخرى. ومن جانب آخر، فإن الصين، حسب ما يلحظه المؤلف، تشهد نموا هائلا، وحتى لو كانت طبيعة الحكومة استبدادية، فإن إدارة شئون أكثر من مليار نسمة ليس بالشيء السهل أو الهين أبدا. فالديمقراطية تتحقق عندما يتفهم الشعب كله تماما الحدود والمسئوليات المناطة بهم. وعندما يستوعب الشعب الصيني كله تلك المسئوليات والحدود بشكل دقيق، عندئذ ستطرق الديمقراطية أبواب الصين وتدخل إليها من دون أن تخرج أبدا. آسيا والقيم العالمية يذكر المؤلف ان آسيا من القارات العريقة التي تتمتع بالكثير من الأديان والأعراق والأصول والحضارات . وأسهمت الثقافات المختلفة التي تتمتع بها هذه القارة في احتلالها لموقع فريد على مر التاريخ، على مختلف الأصعدة، بصورة لا يمكن أبدا تجاهلها أو إنكارها. ويشير المؤلف إلى أنه بالنسبة لبلد متعدد الأديان والأصول مثل ماليزيا، فقد تعود الشعب هناك على المشارب والمنابع المختلفة التي ربما يختلف الواحد منها كلية عن الآخر. ومن هنا لا تمثل بالنسبة لمعظم الماليزيين أية أهمية أن يكون الجيران صينيين أو هنوداً أو غيرهم، يمارسون طقوساً مختلفة وتقاليد لا تمت للمسلمين بصلة. والمثال الذي يضربه المؤلف يتعلق بموقعين مختلفين في ماليزيا. فعلى الساحل الغربي اعتاد الناس على الاختلاط مع الأعراق المختلفة والديانات المتنوعة، في حين يتسم الناس القاطنون في الساحل الشرقي بصرامة أكبر لأنهم الغالبية العظمى من السكان من المسلمين والملاويين. وعلى الرغم من كون المؤلف مسلما ومن أصل ملاوي، فهذا لا يكبح جماح رغبته، وكما يشير، في نسخ الأساليب والطرق التي يعتمدها الآخرون من غير المسلمين أو المالويين طالما لا تتعارض هذه الأساليب مع مبادئ وتعاليم الإسلام. ومن هنا فالمرء يعجب بالثقافة المتعددة، كالثقافة الصينية، والتعاليم الكنفوشية التي تدعو إلى العمل الجاد والإحساس العميق بالمجتمع والانتماء. لذلك بات الطابع الذي يميز الكثير من الصينيين هو الأهمية المحدودة التي يولونها للاحتياجات الفورية، لأنهم يفكرون بالفوائد بعيدة المدى والمستقبلية. وهذا السبب الحقيقي الذي كان يقف وراء ازدهار الصين على مر العصور وعطائها الجزيل. وما ينطبق على الثقافة الصينية لا يختلف كلية عن اليابان. ويضرب لنا المؤلف مثالا تاريخيا، يتعلق بما حصل في الحرب العالمية الثانية. فعندما احتلت اليابان ماليزيا أثناء تلك الحرب أظهر الجنود اليابانيون حالة من النظام والانضباط والولاء الوطني بشكل كبير نال الكثير من إعجاب الماليزيين. وفي الوقت ذاته دأب هؤلاء الجنود على الخروج إلى الأسواق وشراء مختلف احتياجاتهم، وكانوا يدفعون مقابل كل ما يشترونه من دون أن يضطروا إلى إبتزاز الناس والى دفعهم البضائع والحاجيات الأخرى المعروضة من دون مقابل. ومن هذه الرؤية يخلص المؤلف للقول بأن غرس القيم الطيبة التي تساهم في بلوغ وتحقيق الأهداف يجب أن يتعلمها الجميع ويقوموا بممارستها في مختلف الظروف والأوقات. ويتحتم على الأجيال الشابة أن تأخذ ذلك بالاعتبار وتضع له قيمة كبيرة إذا ما شاءت النجاح في مسيرتها. والنجاح لن يتأتى من خلال القيام بكل ما تريده أو تشعر برغبة جامحة للقيام بها. النموذج الأندونيسي بالنسبة لإندونيسيا فتمثل خليطا من الثقافات والأديان والأعراق المختلفة وتأزم الموقف الاقتصادي كثيرا للبلاد في أعقاب الأزمة الاقتصادية. وتمر الدولة في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية حيث قبلت بالديمقراطية كمنهج للدولة. بيد أن هذه الديمقراطية ليست من السهل فهمها والوقوف على حقائقها المتعددة، في الوقت الذي تتسم ممارستها بالصعوبة الكبيرة في بلد مثل إندونيسيا. والمشكلة الأكبر بالنسبة لإندونيسيا، وفقا لما يراه الدكتور مهاتير، بأن الناس قد خسروا الكثير من ثرواتهم في فترة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت بالبلاد، لذا سيغدو من المتعذر القيام بالإصلاحات بشكل صارم إذا ما كانت الممارسات الماضية تعج بالكثير من الأخطاء والمساوئ. وإذا ما أصاب الإفلاس الشعب فلن يكون بالمقدور أخذ المال منهم، فهم سيكونون عدائيين وغير مسئولين وليس لديهم في هذه الحالة ما يخسرونه.