المحلل الفلسطيني من صحيفة «القدس»، محمد شاكر عبد الله، كتب في الآونة الاخيرة نوعا من النداء اليائس، ذلك لان كل المؤشرات المتتالية حتى الآن ، تدلل على ان اسرائيل تنجح في صراعها ضد الانتفاضة. وهو ليس وحده الذي يعتقد ذلك. الاحتلال الاسرائيلي المتجدد للضفة الذي بدأ في عملية «السور الواقي» قبل خمسة اشهر - نجح بدرجة كبيرة. الجيش الاسرائيلي والأذرع الامنية الاسرائيلية نجحت في تحويل مدن الضفة كلها من مناطق (أ) حيث كانت خاضعة للسلطة الفلسطينية الكاملة، الى مناطق (ب) حيث تفرض سيطرة امنية اسرائيلية. صحيح ان هناك خطة «غزة - بيت لحم أولا» الا ان ترجمتها على الارض معدومة. خلال الآونة الاخيرة واصل الجيش الاسرائيلي التصرف في المدن الفلسطينية مثلما يتصرف في مناطقه، اذ يفرض حظر التجول وينفذ عمليات تمشيط واعتقالات ويفرض العقوبات مثل هدم منازل عائلات منفذي العمليات ويقوم بتصفية المطلوبين في بعض الاحيان. ولكن على الرغم من الاحتلال المتجدد ليس هناك حديث عن سيطرة اسرائيلية كاملة على الضفة. وبكلمات اخرى، يمكن القول ان السياسة الاسرائيلية الجديدة نجحت في صنع الأمر غير الممكن أي التهام الكعكة مع إبقائها كاملة. هناك حكم اسرائيلي في الضفة - ولكنه معفي من المسئولية السلطوية الكاملة لان السلطة الفلسطينية تواصل أداء دورها في مجالات الحياة المدنية من الناحية النظرية على الأقل. الجدل الحالي في مؤسسات السلطة الآخذة في التفكك يدور حول أداء المجلس التشريعي لدوره ومهامه، اذ لا يتمكن من الانعقاد منذ أشهر طويلة لان الحكم الاسرائيلي لا يسمح لاعضائه بالوصول الى رام الله أو الى غزة. في الآونة الاخيرة جرت عدة نقاشات في المجلس من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة، حيث اجتمعت مجموعتان واحدة في رام الله والثانية في غزة، الا ان عددا كبيرا من النواب يدعون ان المجلس ولجانه كانوا يستطيعون القيام بشيء أكبر. عدد من اعضاء المجلس ومنهم عضو المجلس الوزاري السابق نبيل عمرو يقولون ان المجلس الوزاري الجديد لا يملك أي صفة رسمية من دون أداء يمين الولاء أمام المجلس. وهم يطالبون بأن يقوم المجلس بانتخاب رئاسة جديدة له وان يتداول بصورة مكثفة في السياسة التي تتبعها القيادة. هذا القول ينطوي على انتقاد أكثر من التلميح لعرفات، حيث ينضم اليه في الآونة الاخيرة وبحماس متزايد اعضاء مثل حنان عشراوي وزياد أبو عمرو وعزمي الشعيبي. في القيادة الفلسطينية يوجد اقتناع بأن الوضع الحالي - الاحتلال الاسرائيلي من دون مسئولية والحكم الفلسطيني المتفكك لا يمكن ان يتواصل لفترة طويلة. والسبب هو تعاظم الضائقة وتزايد مشاعر المرارة. واذا كانت في وسائل الاعلام الاسرائيلية الآن فترة استراحة من بث مشاهد وأخبار العمليات الانتحارية المروعة فان وسائل الاعلام الفلسطينية تواصل بث مشاهد الاطفال الذين أصيبوا بصورة شديدة من نيران جيش الدفاع بصورة يومية. كذلك الحال مع صور مئات القتلى والجرحى والكهول والنساء في مواجهة قوافل الدبابات والمعاقين في كراسيهم الذين يسيرون متعثرين في المسالك والدروب الجبلية والمنازل بل الأحياء الكاملة التي تحولت الى أنقاض وخرائب مدمرة. في يوم السبت الماضي تناقلت الأنباء حكاية ممرضة في مستشفى رفح وهي تنظر لجثة صبي تعرض لاطلاق الرصاص لتكتشف انه شقيقها. لا يمر يوم من دون سيل من التقارير حول العائلات الجوعى والاهانات والمشقات. وفي الآونة الاخيرة أضيفت على هذه الحكايات الأحاديث عن معاناة السجناء والمعتقلين في السجون الاسرائيلية. عدد هؤلاء السجناء ازداد جدا في الآونة الاخيرة وفي بعض السجون يوجد اضطراب كبير، مؤخرا وردت في وسائل الاعلام الفلسطينية شكاوى صعبة من سجن نفحة بجانب متسبيه رامون. (ولا شك ان قضايا السجناء ستحتل مكانا متزايدا في جدول أعمال الصراع). من هنا، وعلى الرغم ما يبدو كهدوء نسبي في العمليات والتوتر الأمني، الا ان الصورة العامة الواردة من الواقع الفلسطيني تبشر بعكس ذلك - تحديدا - تدهور جديد آخر. عن «هآرتس»