سلطة القانون تستلزم تقديم من يقعون في دائرة الخطأ للمحاكمة. وياسر عرفات يقع في هذه الدائرة، ولذلك يتوجب تقديمه للمحاكمة. توفير دليل قاطع للضلوع، في اعمال يعاقب عليها القانون الاسرائيلي يستوجب العودة للوراء حتى عام 1973. رجال فلسطينيون تسللوا في حينه الى حفل استقبال دبلوماسي في السفارة السعودية في الخرطوم عاصمة السودان واختطفوا دبلوماسيين امريكيين ودبلوماسيا بلجيكيا. وكالة الامن القومي الامريكية تنصتت على محادثة أجراها ياسر عرفات من بيروت مع خليل الوزير المتواجد في مكتب فتح في الخرطوم (على حد قول جيمس وولتش العميل الاميركي الذي أصغى لمضمون المحادثة، عرفات كان ضالعا بشكل مباشر في العملية التي أطلق عليها «عملية نهر البارد»). ولدى الادارة الاميركية ادلة تفيد بأن رفض الاميركيين طلب الارهابيين اطلاق سراح سرحان سرحان قاتل روبرت كندي أدى الى اصدار عرفات شخصيا لأمر بقتل الدبلوماسيين الثلاثة حيث كان أحدهم المسئول الافريقي ـ الاميركي الأبرز في الخارجية الاميركية. الدبلوماسيون اقتيدوا الى الطابق الارضي في السفارة وتم تعذيبهم حتى بحيث لم تستطع السلطات فيها ان تحدد من الابيض منهم ومن الأسود . وعرفات أعلن عن المسئولية عن عمليات القتل هذه في مأدبة عشاء خاصة مع الدكتاتور الروماني نيكولاي شاوشيسكو بعد ذلك بشهرين. الجنرال ميخاي باتشيبا ضابط الاستخبارات الروماني البارز كان موجودا في المأدبة وهو الذي فر بعد ذلك بمدة الى الولايات المتحدة. في مقالة نشرها الجنرال في هذه السنة في صحيفة «وول ستريت جورنال» قال ان عرفات قد تفاخر بعملية الخرطوم. عرفات ايضا اعترف بالمسئولية عن عملية المدينة الرياضية في ميونيخ عام 1972. ياسر عرفات اختار اليهود كهدف له فقط لانهم يهود في أرجاء اوروبا وأطفال في رياض الاطفال أو في الباصات التي تقلهم الى مدارسهم. والأعمال التي ينفذها تتواصل حتى اليوم. نحن نستطيع ان نتصور فقط كم هو عدد المواطنين الأبرياء الذين كانوا سيقتلون بواسطة سفينة السلاح الايرانية «كارين ايه». كل مدع عام محنك يستطيع ان يستخدم الأدلة الموجودة في جزء منها لدى الاستخبارات الاسرائيلية والامريكية والاوروبية لعرض ملف قوي وراسخ لا يمكن دحضه حول عرفات. وعندما تم تدارس الخيارات المختلفة المتوفرة أمام اسرائيل - إبعاد عرفات أو استمرار التفاوض معه وحتى اغتياله ـ تم التركيز قليلا على اعتقاله بتهمة القتل وتقديمه للمحاكمة العلنية والمفتوحة مع نيابة عامة وشهود وفق اختياره. وسبب عدم أخذ هذه الامكانية بجدية كاملة هو الخوف من ان تثير محاكمة عرفات أعمالا مضادة أكثر، وأخذ رهائن آخرين على يد الفلسطينيين العازمين على اطلاق سراحه. كما ان تقديمه للمحاكمة كان سيحوله الى بطل في نظر شعبه وفي نظر بعض الاوروبيين. على حكومة اسرائيل ان تتوصل الى القرار الصعب في نهاية المطاف حول تقديم عرفات للمحاكمة آخذة بعين الاعتبار الواجب الجماهيري بتقديم المسئولين للقضاء على أعمالهم في ظل المصاعب العملية لتحقيق العدالة. ولو كنت اسرائيليا لأوصيت بمحاكمة شعبية علنية على الرغم من المخاطر التي تنطوي عليها. يجب ان يشاهد العالم الدليل الصعب على ان العمل العسكري قد تحول الى تكتيك مختار للسلطة الفلسطينية، وان عرفات مسئول شخصيا عن ذلك، وهذا الامر مهم اليوم حيث لا يوجد استعداد، لدى أكاديميين اوروبيين وامريكيين كثيرين جدا، للتعامل معه كقاتل عنصري. ومهما كان القرار يجب القول ان محاكمة نزيهة ومفتوحة لعرفات ستؤدي الى نتائج مهمة. عن «هآرتس»