هذه هي المرة الاولى في العامين الاخيرين التي يشعر فيها عامي، مدير العمل في محجر بالضفة الغربية، بالقلق على حياته حين يسافر على الطريق المؤدي من الغور الى مكان عمله، في المنطقة التي كانت تسمى في وقت من الأوقات ارض المطاردة: شرقي نابلس، على طول قرى عقربا والمجدل والمغير وكفر مالك (أو وفقا لأسماء المستوطنات في المنطقة: معليه افرايم وجيتيت ومواقع استيطان شيلو وكوخاف هشاحر). وفجأة ينفعل، اذ ان أحدا ما في الجيش الاسرائيلي قرر، مؤخراً، وضع تلة من التراب على طول الطريق الى قرية المغير وعلى المدخل الوحيد الذي بقي مفتوحا لها. وقد وضعت تلال اخرى من التراب في اماكن اخرى لاغلاق وصول السيارات الى الحقول والبساتين وخيام البدو المجاورة. الآن، كل من يرغب يمكنه ان يختبيء خلف التراب ويطلق النار عندما أكون مسافرا على الطريق، والهرب الى الداخل. فلا يمكن لأي سيارة عسكرية ان تلحق به. وبرأيه أنه ليس فقط الظروف الطوبغرافية المريحة هي التي وفرها الجيش الاسرائيلي لمطلق النار المحتمل، بل والدافع ايضا. هذه المنطقة هادئة «يعلن استنادا الى تجربته الشخصية، اليومية، على مدى أشهر الانتفاضة». ليس فقط انه لم تقع حالات اطلاق نار احيانا فقط بل ان المنطقة بشكل عام هادئة. فهذا هو الطريق الوحيد الذي يصل (الفلسطينيين) رام الله بشمالي الضفة. وما يثير فيّ الجنون هو انه في اسرائيل يقولون انهم يحققون بعض التسهيلات هنا وهناك، أما في الواقع فالعكس هو الصحيح. ويشرح فيما يزداد غضبه ان السواتر سدت لهم الماء ايضا. فأنت تأتي لتخنق شخصا ما، تُعطشه، فيرد عليك بطريقة علي وعلى أعدائي يا رب. هكذا يرد من ليس لديه ما يخسره. بعض القرى في المنطقة غير موصولة بشبكة المياه وهي مرتبطة بالناقلات التي تأتي لها بالماء من البئر المركزية في رام الله. وتمنع السواتر التي وضعت، مؤخراً، الشاحنات من نقل الماء الى القرى وخيام البدو مباشرة. بل ان ساترا ترابيا سد الطريق حتى للوصول الى البئر الرئيسة سواء في وجه عمال مشروع المياه والمسئولين عن استخدامه وصيانته أم في وجه الناقلات. وعامي، العضو في أشدوت يعقوب الموحد (وهذا لم يعد كيبوتسا كما يشدد القول بل مجرد تجمع سكاني) يعمل منذ ثلاث سنوات في محاجر بملكية اسرائيلية في منطقة الغور. ويذهب الراتب الى الكيبوتس، الآن ـ التجمع السكاني. وليس لديه أي تحفظ على عمله هذا والذي يعتبره الفلسطينيون سلبا لمقدراتهم الطبيعية في ارض محتلة. فالمحاجر تقع في اراضي الدولة. حسب تعبيره صحيح ان الأرباح تذهب للاسرائيليين، الا انها تخدم العديد من المستهلكين الفلسطينيين. ويواصل القول ان الفلسطينيين، في عهد الاردن لم يطوروا ولم يستغلوا هذا المصدر. ولكن الأهم من ذلك هو ان تعبير احتلال غير مقبول بالنسبة له. وهو يحتج حين يسمعه ويقول: هذه بلادي، نحن كنا هنا، ولسنا محتلين. لا يمكنني ان أشطب تراثي، هنا سار يوشع بن نون وشاؤول. كلها ارض اسرائيل. ويعيش فيها شعبان. وقد أشعل الساتر على الدرب المؤدي الى بئر الماء الفلسطينية غضب عامي على نحو خاص. فقد تحدث مع ضباط في الموقع، في قاطع بنيامين، واتصل ببعضهم ووبخ آخرين. الصراخ ساعد بعض الشيء. وقد رفع الساتر بعد يومين أو ثلاثة أيام. أما باقي السواتر التي تسد الطريق الى القرى وخيام البدو فبقيت على حالها. الخراف ستموت عطشا قال. فالرعاة مستاءون، يقودون الخراف الى الطريق ويسقونها بما تيسر من ماء قليل. وقد سمح للبدو بأن يحصلوا على بعض الماء من المحجر لديه والوصول الى الخيام عبره. ولكن هذه حلول جزئية فقط. والى جانب الطريق المسدود الذي يصعد الى قرية كفر مالك، تظهر واضحة علامات دواليب التراكتور: الآن التراكتورات وحدها هي القادرة على اجتياز السواتر وان تشق في الحقول والجبال دروبا بديلة. وهكذا تسير التراكتورات محملة بالمياه رويدا رويدا. السائقون يشترون الماء من مشروع المياه في رام الله، ويعودون الى قراهم وهم يُصلون ألا يصطدموا بدورية من الجيش الاسرائيلي تعيقهم لساعات طويلة. واذا كانوا في الايام العادية يبيعون 250 مترا مكعبا يوميا فانهم اليوم يبيعون 150 فقط. فالسواتر، حتى لو كان ممكنا تجاوزها، تفعل فعلها. فالفلسطينيون يستهلكون قدرا أقل من المياه. ويقول أحد سائقي التراكتورات ان الجنود اذا لاحظوه يؤخرونه ويهددونه. واحيانا يضعون مجنزرة يكفي وجودها للتأكيد بأن المرور ممنوع. كل شيء خطير، ولكن ما العمل؟ نحن ملزمون بالشرب. اقتلني، أغلق علي، ولكنني أريد ان أشرب وأعطي الماء لاطفالي ليشربوا. ويعتبر عامي ان قرية كسرى محظوظة بعض الشيء اذ ان سكانها يحصلون على الماء من المستوطنة المجاورة مجداليم. وقد سبق للجيش ان سد الطريق الى كسرى ولكنه يمكن الآن الدخول الى القرية بالسيارات. حسنا جدا، يقول عامي، فها هي كسرى التي كانت هنا منذ الأزل، وها هي المستوطنة التي بنيت منذ زمن قصير، على زرع كسرى. تسألونني اذا كنت غاضبا؟ كيف لا أغضب. انظروا الى الطريق المرتب المؤدي الى مجداليم وانظروا الى الدرب المشوش المؤدي الى كسرى. وكسرى هي منطقة (ج)، انظروا الى الفارق. ولهؤلاء علاقات جيدة طيبة بالذات. أهالي كسرى يدفعون اربعة شواكل لقاء كل متر مكعب من الماء، أما نحن الموصولون بالمياه فيكلفنا المتر المكعب ثمانين أغورة. 26 عاملا فلسطينيا يعملون في المحجر الذي يديره عامي. بعضهم يعرفهم منذ كانوا شبانا يافعين. واضح انهم يشعرون بأنهم محظوظون لمجرد كونهم يعملون، وبسبب المدير يأتون من القرى المجاورة، ولجميعهم تصاريح عمل مصادق عليها من المخابرات، ورجال الامن في المستوطنات وقادة الكتائب على أنواعهم. وكذا السيارة التي تقلهم مزودة بالتصاريح اللازمة. ومع ذلك، فان عامي يكاد كل يوم يهرع الى نجدتهم من هذه المشكلة أو تلك في أحد الحواجز. مرة يكون حاجزا مفاجئا لا يسمح للعمال بمواصلة الطريق، حتى ان الجندي لا يسمح للعمال بالنزول لابراز تصاريحهم بل يأمرهم بالرجوع الى الخلف، وليس لديهم أي مجال للاتصال به والحل يكون باستدعاء عامي عبر الجوال فيأتي هذا ويشرح للجندي ويبرز له تصاريح العمل. مرة اخرى يكون مجرد سيارة عسكرية مارة تقرر منع أحد عماله من مواصلة طريقه. فيسارع عامي خلف السيارة العسكرية على الأقل ليقول ما يشعر به تجاه هذا التنكيل التعسفي. في 21 أغسطس الماضي صباحا صادر أحد الجنود عند حاجز بكعوت ـ حمرا هويات ستة من عمال المحجر. هكذا بدون سبب، يدعي عامي، فقد استدعي الى المكان وتحدث الى الجنود فشرحوا له ان الجندي الذي صادر الهويات ذهب لينام والهويات في جيبه. وفقط لأنني كنت هناك اضطروا الى تفتيشه. وحتى بوجودي استغرق الامر ثلاث ساعات. ولولاي لتأخروا هناك طوال اليوم. وقبل بضعة ايام من ذلك، على ذات الحاجز، مع الكتيبة نفسها (ناحل أصولية). أبلغ الجنود العمال انهم لن يسمحوا للعمال بالمرور الا اذا كنسوا الطريق. فرفض العمال وسافروا في طريق وعرة. ولعل بعضهم وافق على شروط العبور. ولكن اعاقة العبور تجري احيانا لساعات طويلة وهو يضطر الى اتصالات حثيثة لمساعدة من يمكن مساعدته. كل يوم يتعين علي ان أطفيء النيران يقول عامي ويؤكد ان اصدقاءه اليهود لا يصدقون قصص التنكيل على الحواجز. لا يعقل أمر كهذا، لابد أنك مرتش يقولون له فيوجههم الى زوجته غير المرتشية التي تقول انها تصحو كل صباح في الساعة الخامسة والنصف على هواتف العمال الذين لا يسمح لهم الجنود بالعبور في أحد الحواجز. ويروي عامي انه قبل ثلاثة اشهر كان يجلس في محل أحد معارفه في قرية جماعين، يرى من دون ان يراه أحد. وفي الخارج وقفت شاحنة خضار. وفجأة ظهر شرطة من حرس الحدود ومن دون ان يقولوا كلمة فجروا العجلات أربع. ذهب المسكين وجلب أربعة اطارات اخرى. وهذه ايضا فجروها. وقد رفع عامي شكوى ولكنه لم يتلق ردا حتى الآن. وقد رفع شكوى اخرى بعد ان تعرض أحد السائقين الذين يعملون في المحجر لاعتداء من المستوطنين. فقد اعتدى هؤلاء بالحجارة على سيارة تمر على الطريق وفيها أب وابنه. وقد تحطمت السيارة تماما. وخلف السيارة كان يسير (ن) الذي توقف للاطمئنان على سلامتهما. وعندها هاجموا سيارته وسرقوا منها الهاتف النقال وبعض الوثائق. ولم يتلق أي جواب من سلطات القانون حتى اليوم. وهو يقول بل ولن نتلقى ايضا. ويقود عامي ضيوفه الى موقع مراقبة يظهر فيه كل الغور بكل هيبته. وهو يشير الى منطقة المغر، قتل الجندي يوسف كبلان في مارس 1969. مظليون طاردوا متسللين فوجدوا امرأة بدوية ورضيعها داخل مغارة. سألوا اذا كان مر أحد فأجابت أن لا. ولم يعرفوا ان المتسلل هددها بسلاحه من الخلف. فأطلق النار وقتل أحد الجنود. فردوا بالنار وبادروا الى قتل المرأة وابنها ايضا. وهناك، وهو يشير الى جبل بعيد، حيث تشعل المشاعل في الأعياد. وهنا بالضبط، وهو يشير الى ما وراء الطريق، كان حاجز أعاق خالد، أحد العمال. وعلى طول موقع المراقبة، الذي يطل على جبل المشاعل والمستوطنات معليه افرايم وجيتيت، يمتد جدار أحد ما كتب عليه باللون الاحمر عبارات جنسية سافلة عن العرب. وأفادت مصادر عسكرية بأن عامي نقل شكواه عن سلوك الجنود في الحواجز، وان الشكاوى تفحص بالكامل وبجدية. عن «هآرتس»