لو كنت مستوطنا لكنت قلقا جدا. ليس لأنني أسكن في منطقة يشبه السفر على الطرقات فيها لعبة الروليت الروسية القاتلة، أو لان كتيبة جنود ترافق أطفالي الى دورة الموسيقى، وانما وبشكل أساسي لان المستوطنات هي عملة تنتقل للتاجر من الآن فصاعدا بطبيعة الحال. في الاسبوع الماضي اتضح ان الجيش الاسرائيلي قد حدد تجارة تبادلية تنص على ان تقوم اسرائيل باخلاء عدة مستوطنات مقابل الموافقة الفلسطينية على اقامة دولة فلسطينية على جزء من المناطق وتأجيل التسوية الدائمة. الخطة تشمل كل المستوطنات في غزة، واثنتين الى ثلاث مستوطنات في الضفة. وفي اليوم نفسه قرر رئيس هيئة الاركان موشيه يعلون ان الخروج من المستوطنات «في ظل «الارهاب» والعنف سيحدق الخطر بنا» وان من الأفضل الاحتفاظ بكتيبة للدفاع عن المستوطنات المعزولة، ذلك لان الانسحاب منها سيتطلب الاحتفاظ بقوة عسكرية كبيرة بعد ذلك. للوهلة الاولى نرى ان هناك تناقضا بين رؤيتين في الجيش نفسه. الرؤية الاولى تقترح انسحابا جزئيا وبالاتفاق لتحقيق انجازات سياسية وربما من اجل تهدئة الاوضاع. أما الموقف الثاني الذي ينادي به رئيس هيئة الاركان فيرفض هذا الانسحاب الذي ينطوي حسب رأيه على الاستسلام للارهاب. احداهما تعتقد ان هناك في الجانب الفلسطيني من يمكن عقد الصفقات السياسية معه، أما رئيس هيئة الاركان فينتظر حتى يرى اذا نجحت المعالجة بالأدوية الكيماوية، كما يقول، التي يقدمها جيش الدفاع للمناطق، وبعد ذلك فقط ربما يظهر هناك من يمكن التفاوض معه. لا يوجد أي فرق في الواقع بين الموقفين في كل ما يتعلق بقيمة المستوطنات الاستراتيجية. كما ان أصحاب خطة الانسحاب مقابل تأجيل التسوية الدائمة مثلهم مثل رئيس هيئة الاركان لا يرون بالمستوطنات أو في جزء منها على الأقل أكثر من ورقة مساومة. الأوائل يريدون الحصول على «فترة انتظار» حتى رحيل ياسر عرفات وظهور شخصية سياسية ايجابية بالنسبة لاسرائيل. والأخير قلق على مكانة جيش الدفاع الاعتبارية ومن هنا يخشى على قوته الردعية اذا انسحب من المستوطنات تحت الضغط. وحسب معادلة يعلون فإنه اذا هدأت المنطقة فسيكون من الممكن بالتأكيد التحدث عن انسحاب من المستوطنات. شريطة ان لا نظهر في صورة الفارين. رئيس هيئة الاركان لم يسأل ولم يرد على السؤال عما اذا كان الحفاظ على أمن المواقع الاستيطانية غير القانونية جزءا من تلك المكانة الاعتبارية. يتوجب ان نأمل ان يترك الجيش دورا ما للجمهور والحكومة خلال تفحصه ودراسته للجدوى التي قد تظهر من المستوطنات أو من التنازل عنها. ذلك لان المستوطنات ليست فقط ثروة استراتيجية أو عبئا أمنيا ويحظر ان ينظر اليها كمقياس لقدرة جيش الدفاع الردعية. المستوطنات هي تجسيد لرؤية ونهج وطني يسعى لازالة الحدود وتوسيع منطقة نفوذ دولة اسرائيل. من المسموح لحكومة اسرائيل ان تقرر تفكيك المستوطنات لان رؤيتها تنص على ذلك. وفي ذات الوقت من حق الجمهور ان يرتكز على الفكرة الأساسية الكامنة في خطة التبادل التجاري التي اقترحها الجيش وعلى أقوال رئيس هيئة أركانه بالتأكيد من اجل التقرير بأن المستوطنات تملك قيمة تجارية - اعتبارية فقط، ومن هنا يوجد لها سعر - سوق سياسي. هذه الثروة تنتظر الفرصة، وحتى تتمكن من تحقيق قيمتها يتوجب على أحد ما ان يعرضها في السوق. الحكومة التي تسعى بالفعل الى دفع العملية السياسية - أو انها لا ترغب بالمرة في هذه العملية - ليست بحاجة لقضية المكانة الاعتبارية العسكرية أو عقدة لبنان أو عارض قبر يوسف لاخفاء عجزها واعطاء الجيش بذلك صلاحية تحديد جدول الاعمال السياسي.وبالنسبة للمكانة الاعتبارية العسكرية، فان من يخشى من ان يحول الانسحاب من كاديم ونتساريم جيش الدفاع الى جيش مطارد، فمن الأفضل ان نذكره بأن هذا هو نفس الجيش الذي أعاد احتلال المناطق ونفس الجيش المستعد الآن بأمر من الحكومة لان ينسحب من بعضها مقابل الهدوء. ومن المشكوك فيه ان تضيف كتائب الحراسة الموضوعة في المستوطنات مقابل أجرة شقة معقولة شيئا الى مكانته الاعتبارية. عن «هآرتس»