غيرت هجمات 11 سبتمبر بشكل جذري أبجدية العلاقات الدولية التي شهدت تناميا كبيرا في التوترات المرافقة للنزوع الأميركي المذهل نحو الاحادية. والسؤال المهم هنا هو كم ستدوم السمات البارزة الجديدة في المشهد الجيوسياسي؟ بالنسبة للأميركيين، مثلت احداث سبتمبر كناية فظة عن بلوغ بلدهم سن الرشد مع ازدياد تكاليف كون أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم على نحو اصاب قلب الوطن وطرح تحديا قاسيا للحريات المدنية. لكن بالنسبة لبقية العالم، اطلقت هجمات سبتمبر العنان لحرب اميركية مفتوحة على الارهاب لن تتضح تداعياتها الا بعد فترة من الزمن. لقد اطاحت الحرب الاميركية بنظام طالبان، ووجهت صفعة قوية للبنية التحتية لتنظيم القاعدة وآفاق مناوراته. لكن تنظيم القاعدة بقي حيا، ولم يعد يمثل رمزا للهجوم المتطرف على قوة الولايات المتحدة وحسب، بل اصبح في البيانات الاميركية الرسمية يرمز الى أي جماعة مسلمة في العالم تعتبر الولايات المتحدة عدوا لها، على ان هناك جماعات متعددة تندرج تحت هذا التعريف واعداد اعضائها في ازدياد على ما يبدو.والاسوأ من ذلك ان احداث العام الماضي اثارت احتمال ان يكون اسامة بن لادن قد نجح الى حد بعيد في فرض اجندته للصراع الثقافي بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي للمستقبل المنظور.وسواء أكان ذلك مبررا ام لا، فان معظم المسلمين اليوم يعتبرون الحرب التطفلية ضد الارهاب حربا ضد الاسلام. ونتيجة ذلك، عاد العالم الاسلامي الى مزاجه الدفاعي، فيما تستحث افعال الولايات المتحدة المسلمين للتفكير بشكل اعمق في تأثير ابن لادن على عالم الاسلام. الغزو في افغانستان، الضغوط الهائلة على باكستان واليمن وسوريا وبعد ذلك التصدي الأميركي السياسي للقيادة الفلسطينية وحرب مستقبلية مرجحة ضد العراق وضربات اميركية محتملة ضد اهداف عسكرية في ايران واختيار المسلمين دون غيرهم في الولايات المتحدة كموضوع للتحقيقات الخاصة، كلها امور جعلت المسلمين مقتنعين بأنهم بالفعل الهدف الحقيقي للحرب. ان نظرية صمويل هنتنغتون حول «صراع الحضارات» اصبحت نبوءة تحقق ذاتها بذاتها. لكن كل تلك الاحداث وقعت كردة فعل لحاجة مبررة لكشف وردع واقصاء الارهابيين. الثورة الحقيقية تشكلت في الفلسفة الماكرة الجديدة للسياسة الخارجية الاميركية والتي انبثقت تحت اسم الحرب على الارهاب فنحن نشهد الآن تراجعا عن التعاطف العمومي الناشئ مع الحكومة الصغيرة الليبرالية ونزوعا نحو اعادة احياء حكومة قوية اكثر تطفلا تتسم بالحضور القوي للدولة والحدود الضيقة.وهذا التغير ليس محدودا بالولايات المتحدة، ففي معرض البحث عن حلفاء للصراع ضد الارهاب، قامت الولايات المتحدة باعادة اضفاء صفة الشرعية وتمكين العديد من الانظمة الفاشستية جميعها تبنت الحرب على الارهاب لتبرير اجراءاتها الداخلية الصارمة، خصوصا ضد اقلياتها المسلمة، مثل روسيا والصين والهند والفلبين. وتم تشجيع الفاشستية بشكل عام في معظم انحاء العالم الاسلامي. وعلى نطاق اوسع قامت ادارة بوش وايديولوجيوها المحافظون الجدد بتعليق السياسة الجغرافية التقليدية حول العالم، حيث اصبحت العلاقات الاميركية الخارجية جملة وتفصيلا تخضع لاحداثيات الحرب على الارهاب. النزعة الاحادية ـ المذهب الايديولوجي المفضل عند بوش منذ بداية عهده ـ تعززت بشكل كبير مع ابتعاد واشنطن عن التشاور والتعاون مع بقية الدول، كلما احست ان من شأن ذلك فرض اصغر القيود على حرية الولايات المتحدة في التحرك على الارض. وفي الحقيقة فان الادارات الأميركية في السر لا تخجل حتى من طرح مفهوم الامبراطورية الاميركية، على الرغم من ان هذه الفكرة تاريخيا لطالما اثارت الانزعاج في البلد والاميركيون انفسهم لا يعرفون ماذا سيعني هذا الوضع بالنسبة لهم، وبحسب تكلفة المشروع، وبما لا يريدونه اصلا. لكنهم غير مستعدين بعد لتحدي الوتيرة السريعة للتطور السياسي المنبثق عن البيت الابيض والاكثر اثارة في هذا كله ان العولمة تعرضت لصفقة موجعة بانهيار ايقونتها المتمثلة في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.اصبح مفهوم العولمة اكثر تزعزعا الآن في التفكير الاميركي، بعد الاعتراف ان الارهاب جزء من العولمة، وبتحديد الهدف الاعلى للسياسة الاميركية الخارجية بتوفير الامن المطلق للوطن الاميركي، تنحت العولمة الى المقاعد الخلفية ونحن نشهد اليوم انتكاسة شديدة في حرية حركة البضائع والاشخاص وحتى الافكار عبر الحدود الاميركية الدولية. وحقا يمكننا القول «العنصر الامني» في طريقه ليصبح السمة المهيمنة على العولمة في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.وبالمفهوم السياسي، يمكننا القول انه تم اعادة تنظيم اجزاء كبيرة من الخارطة الجيوسياسية. فافغانستان وباكستان هما الآن عميلان اميركيان متقلقلان قد ينفجرا الى حالة من الفوضى في اي لحظة. والولايات المتحدة غدت اكثر قربا من باكستان وروسيا في هذه الاونة وبدأت تبتعد أوروبا التي اصبحت الآن «لا علاقة لها» بمعظم الهموم الاميركية العالمية. وقد اصبحت الصين خاسرا كبيرا لان الوجود العسكري والسياسي الاميركي الجديد في اسيا الوسطى استولى على حضورها الكبير في المنطقة.ولا يمكن ان ننكر ان مشكلات الحكومات السيئة في العالم الاسلامي هي بالفعل مصدر كبير للتزعزع والارهاب. وردات الفعل الاسلامية الدفاعية لهجمات ابن لادن والحرب على الارهاب ساهمت في ايجاد جدل محلي خطير في اميركا، ربما تكون له تداعيات جارفة بالنسبة للسياسة الخارجية الاميركية. وقد ظهر «الجدل» حول الاسلام. والذي كانت الاصوات المهيمنة فيه لانصار اسرائيل والصهاينة المسيحيين في بيئة اعلامية اقل انفتاحا وليبرالية بكثير مما كانت عليه قبل عام واحد. وفي اعقاب هذه الحوادث، اصبحت الولايات المتحدة متحالفة بشكل قوي مع اكثر حكومة اسرائيلية متشددة في التاريخ، واي اشارة الى وجود صلة بين المشكلات في الخارج والسياسة الخارجية الاميركية يتم نبذها على الفور واعتبار الامر مجرد مشكلة علاقات عامة. الجميع يعلم ان الشرق الاوسط بأمس الحاجة للديمقراطية اذا اراد ان يخرج من واقعه الحالي الباعث على اليأس. لكن ادارة بوش تبنت قيمة الديمقراطية بصورة انتقائية كسلاح يستخدم ضد «الاعداء» المسلمين في حين انها لا تناقش فكرة الديمقراطية بشكل جدي مع «الاصدقاء» الفاشستيين صحيح ان امتلاك انظمة حاكمة خطيرة لاسلحة خطيرة يشكل تهديدا محتملا لكن اسلوب شن حرب احترازية في طريقه ليصبح الاداة المفضلة في السياسة. كم ستستمر هذه النزعة المدهشة نحو مفهوم السيادة الأميركية؟ هل تمثل هذه النزعة فعلا رؤية أميركية جديدة، ام رؤية المستشارين الايديولوجيين لجورج بوش؟ واذا استمر المسلسل الحالي للعامين المقبلين في فترة ادارة بوش، هل ستقع الولايات المتحدة في نهاية المطاف ضحية للمرض التقليدي المقترن بمشاريع مثل الهيمنة الامبريالية. تبدو الشهية العامة الأميركية محدودة ازاء هذا المشروع الجديد في السياسة الخارجية، خاصة عندما تكون تكلفته واضحة، لكن حتى لو نجح بوش في المراحل العسكرية، كم سيدوم هذا التعليق للعلاقات الجيوسياسية الدولية؟ دروس التاريخ تقول ان ذلك لن يدوم طويلا. وقد بدأ ظهور الحركة الارتجاعية يظهر للعيان من الآن. ـ الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات القومي الأميركي خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»