على هامش المؤتمر الاخير للجمعية الاميركية للامراض النفسية نشط المتنافسون كالعادة في تسويق عقاقيرهم المختلفة المضادة للاكتئاب مثل البروزاك والزولوفت والولبوترين الباكسيل، لكن في ركن هاديء من مكان انعقاد الملتقى السنوي وبعيداً عن بريق اللافتات والاعلانات التجارية كان عالم النفس والكيمياء الحيوية جوزيف هيبلين ـ يسوق فكرته الجديدة بعيداً عن العقاقير وهي اننا نشق طريقنا بافواهنا الى الاكتئاب الجماعي بسبب استهلاكنا للانواع الخاطئة من الدهون. واذا كان هيبلين على صواب فان علاج الاكتئاب قد يكمن ببساطة في تغيير النظام الغذائي. انها فكرة غريبة متطرفة، لكن عدداً متزايداً من علماء التغذية واطباء النفس وعلماء الكيمياء الحيوية شرعوا يأخذونها على محمل الجد. وفضلاً عن كون الاكتئاب خطراً حقيقياً على الصحة فانه مكلف جداً. فالاطباء والمرضى على حد سواء يفضلون خيار العقاقير الدوائية. وفي انجلترا وحدها كتبت اكثر من 22 مليون وصفة طبية للعقاقير المضادة للاكتئاب في عام 2000 اي بزيادة بنسبة 30 بالمئة عن عدد الوصفات قبل عشر سنوات فقط. وتقدر قيمة فاتورة مضادات الاكتئاب التي تصرف في بريطانيا 296 مليون جنيه استرليني سنوياً، في حين ان تكلفة التغيب عن العمل وما يترافق معه من ضياع في الانتاج والتأمينات الاجتماعية التي تصرف لغير القادرين على العمل بسبب الاكتئاب تصل الى ثمانية مليارات دولار سنوياً.ويرى هيبلين ان الارتفاع الحاد في عدد الاشخاص الذين يشخصون على انهم مصابون بالاكتئاب خلال الاعوام القليلة السابقة يشير الى احتمال وجود عامل مشترك يغطي نسبة كبيرة من السكان. وبالتعرف على هذا العامل يمكنك معالجة وباء الاكتئاب من جذوره. وراح هيبلين يقلب الامر في ذهنه وداهمته فكرة ان الدماغ يتكون من الدهون بشكل اساسي وان تغير توليفة انواع الدهون التي يستهلكها البشر قد يؤثر بشكل او بآخر على وظائف الدماغ. لقد تغيرت الانماط الغذائية للبشر بشكل مثير خلال العقود الاخيرة. ومن بين الاختلالات الكثيرة التي طرأت على النظام الغذائي القديم ان الانسان اصبح يستهلك كمية كبيرة من الاحماض الدهنية غير المشبعة المعروفة باسم «اوميغا6» على حساب استهلاكه لنوع آخر من الدهون يعرف بـ «اوميغا3» يوجد في الاسماك الدهنية والجوز وبذور الكتان وزيت الزيتون. والمحصلة النهائية للنمط الغذائي العصري اننا نستهلك الان من دهون «اوميغا6» اكثر بـ 16 مرة من استهلاكنا لدهون «اوميغا3» في حين اننا كنا نستهلك كميات متساوية من الحمضين الدهنيين قبل قرن واحد فقط. ويتساءل هيبلين: كيف يمكن للجسم البشري ان يتأقلم مع مثل هذا التغير بهذه السرعة؟ لكن هل يمكن لهذا الاستهلاك غير المتوازن للاحماض الدهنية الاساسية ان يؤدي فعلاً الى تغيير بنية الدماغ والتأثير على الصحة الذهنية؟ هناك ادلة متزايدة تشير الى أن النظام الغذائي يمكن ان يلعب دوراً كبيراً فعلاً في الاكتئاب والامراض العقلية الاخرى. ويقول هيبلين: اولاً قد تؤثر الدهون على نظام نقل الاشارات في الدماغ، اذ ان جميع الاشارات الكيميائية والكهربائية يجب ان تمر عبر الجدران الخارجية للخلايا الدماغية. وهذا الغشاء مكون بشكل كامل تقريباً من الدهون. ويعتقد هيبلين ان تركيبة الدهون المكونة للقنوات الايونية التي تمر عبرها الجسيمات الكهربائية الى الخلايا تؤثر على شكل تلك القنوات وادائها. كما ان الاحماض الدهنية تؤثر على مرونة الخلايا في الانسجة الاخرى، لذلك استنتج هيبلين ان توازن الحمضين الدهنيين «اوميغا3» و«اوميغا6» في الجسم يلعب دوراً مهماً في الوظائف الدماغية.وقد خلصت دراسة قام بها باحثون من جامعة بريتيش كولومبيا عام 1999 الى وجود تناسب طردي بين مستويات دهون «أوميغا3» في السائل الشوكي ومستويات ناقل عصبي يعرف بالسيروتينين يؤثر بشكل او بآخر على الحالة المزاجية للانسان.كما اظهرت دراسات اخرى وجود علاقة قوية بين معدل استهلاك الامم المختلفة للاحماض الدهنية ومستويات الاكتئاب فيها.وقد وجد هيبلين ان معدلات الاكتئاب تكون في اعلى مستوى لها في البلدان الاقل استهلاكاً للاسماك والعكس بالعكس. وعلى سبيل المثل فان النيوزلندي يستهلك ما متوسطة 18 كيلوغراماً من السمك بالسنة، ويعاني 6 بالمئة من سكان نيوزلندا من الاكتئاب. وفي المقابل يستهلك الياباني 64 كيلو غراماً من السمك في السنة، ومعدلات الاكتئاب بين السكان في اليابان لا تتجاوز 1 بالمئة. وتنسحب هذه العلاقة على كل بلدان العالم. ومن المثير للملاحظة انه عندما ينتشر النمط الغذائي الغربي الغني بالاطعمة المعالجة والمقلية في بلد معين كما حدث في غوينلاند ترتفع معدلات الاكتئاب بموازاة هذا الانتشار.وفي دراسة قام بها مالكولم بيت وزملاؤه في جامعة شيفيلد لوضع نظرية هيبلين موضع الاختبار تم اعطاء جرعات كبيرة من الحمض الدهني «اوميغا3» ل 70 شخصاً مكتئباً من المرضى الذين لم يستجيبوا للعقاقير الدوائية مثل البروزاك. وبعد مرور 12 اسبوعاً على البدء بالتجربة اظهر 69 بالمئة من هؤلاء المرضى تحسناً ملحوظاً بالمقارنة مع 25 بالمئة فقط من المرضى الذين اعطوا جرعات وهمية. وفي دراسة اخرى مشابهة اظهر 60 بالمئة من المرضى الذين تناولوا جرعات منتظمة من زيت السمك انخفاضاً بالنسبة 50 بالمئة في أعراض اكتئابهم. ويبدو المشهد العام واعداً جداً حتى ان هناك الان ست تجارب سريرية تجري في وقت واحد لاختبار فعالية دهون «اوميغا3» في علاج الاكتئاب والاضطرابات العقلية الاخرى مثل الشيزوفرينيا. ومعظم العاملين في ميدان الصحة العقلية يبدون الان انفتاحاً كبيراً على فكرة ان الاحماض الدهنية تشكل مدخلاً مثيراً لفهم الامراض العقلية. وحتى المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة ابدى اهتمامه بالموضوع. وقال نائب مدير المعهد واين فينتون انه يشجع على القيام بمزيد من الدراسات لاختبار امكانيات دهون اوميغا 3. في علاج الاضطرابات العقلية. وتشكل نتائج الدراسات السابقة في مجملها ناقوس خطر لشركات الادوية التي تجني ارباحاً كبيرة من بيع مضادات الاكتئاب. ففي حال اثبتت الدراسات السريرية صحة فرضية هيبلين، سيحصل المرضى على علاج طبيعي ليس له اي آثار جانبية مزعجة. وفي كل الاحوال فان تناول المزيد من لحم السمك وبذور الكتان والجوز واستخدام المزيد من زيت الزيتون وخفض استهلاك الاغذية المعالجة تحسن الصحة الجسدية للانسان ناهيك عن الصحة النفسية. وحتى الاشخاص غير الراغبين بتغيير انماطهم الغذائية يمكنهم بسهولة الحصول على كبسولات «اوميغا3» من اي صيدلية وبدون وصفة دوائية. انه بديل مثالي كفيل بادخال البهجة على نفوس الجميع باستثناء أرباب صناعة الادوية. ترجمة: علي محمد عن «نيو ساينتست»